قاليباف يجدد موقف طهران: لا سلام مع أمريكا ولا اعتراف بإسرائيل
قاليباف يربط التفاوض مع واشنطن بالردع ويرفض أي اعتراف بإسرائيل
عاد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى واجهة المشهد السياسي الإقليمي بتصريحات حادة أكد فيها أن إيران لا تعيش حالة سلام مع الولايات المتحدة، وأن طهران لن تعترف بإسرائيل، في موقف يعكس ثبات الخطاب الإيراني الرسمي تجاه اثنين من أكثر ملفات المنطقة حساسية بالنسبة للرأي العام العربي، بما في ذلك المتابع المصري الذي يراقب بدقة كل ما يمس توازنات المشرق والخليج والقضية الفلسطينية.
التصريحات التي نُقلت عن قاليباف، الأحد 5 يوليو 2026، جاءت خلال لقاء مع محمد درويش، أحد قيادات حركة حماس، وفق ما أوردته وسائل إعلام نقلًا عن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية. وخلال هذا اللقاء، شدد رئيس البرلمان الإيراني على أن التفاوض أو المسار الدبلوماسي لا يعنيان تحول العلاقة مع واشنطن إلى سلام سياسي أو استراتيجي، بل إنهما يتحركان - من وجهة نظر طهران - ضمن حسابات القوة والردع وحماية المكتسبات على الأرض.
ما الذي تعنيه رسالة قاليباف الآن؟
أهمية هذه التصريحات لا ترتبط فقط بمضمونها المباشر، بل أيضًا بتوقيتها. فقاليباف ليس مجرد مسؤول برلماني تقليدي؛ فهو يشغل منصب رئيس مجلس الشورى الإسلامي منذ عام 2020، وأعيد انتخابه لولاية جديدة هذا العام، كما برز خلال 2026 كأحد أبرز الوجوه الإيرانية المؤثرة في ملفات التفاوض والأمن الإقليمي. وتصف تقارير دولية الرجل بأنه أحد الشخصيات الصلبة داخل النظام الإيراني، بعدما شغل في السابق مناصب عسكرية وأمنية وإدارية بارزة، من بينها قيادة في الحرس الثوري ورئاسة الشرطة وعمدة طهران.
ومن هنا، فإن قوله إن “لا سلام مع أمريكا” يحمل دلالة تتجاوز الصياغة الخطابية؛ إذ يوحي بأن أي اتصالات جارية أو محتملة بين طهران وواشنطن لا تزال محكومة بمنطق الاشتباك السياسي، حتى إن جرت عبر وسطاء أو ضمن تفاهمات محدودة. كما أن تأكيده عدم الاعتراف بإسرائيل ينسجم مع الموقف الإيراني الرسمي التقليدي الداعم لفصائل المقاومة الفلسطينية والرافض لمسارات التطبيع في المنطقة.
خلفية متصاعدة منذ الربيع وحتى يوليو 2026
المتابعة الدقيقة لتصريحات قاليباف خلال الأشهر الماضية تظهر أن الرجل حافظ على نبرة متشددة تجاه واشنطن وتل أبيب. ففي أواخر مايو 2026، نُقلت عنه مواقف اعتبر فيها أن التنازلات لا تُنتزع بالحوار وحده، بل تحت ضغط عناصر القوة. وفي مطلع يونيو، لوّح بإمكانية وقف مسارات التفاوض إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية في الساحة اللبنانية. ثم عاد في 3 يوليو 2026 ليحذر من أن إيران قد تستأنف “إجراءاتها المناسبة” إذا لم تلتزم الولايات المتحدة وإسرائيل بما وصفه بالتعهدات القائمة.
هذا التسلسل يجعل من تصريحه الجديد حلقة ضمن خطاب سياسي متصل، لا موقفًا عابرًا. وبالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة العربية، فإن الرسالة الأساسية هنا هي أن طهران تحاول الجمع بين الدبلوماسية والردع، من دون أن تُظهر استعدادًا لتقديم تنازلات تمس ثوابتها المعلنة، وعلى رأسها العلاقة مع الولايات المتحدة وموقفها من إسرائيل.
ارتباط مباشر بالملف الفلسطيني
اللافت في المشهد أن التصريح صدر خلال لقاء مع قيادي في حركة حماس، ما يمنحه بعدًا فلسطينيًا واضحًا. فإيران تحرص عادة على توظيف هذه اللقاءات لتأكيد أنها لا تزال تعتبر القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا في سياستها الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن عبارة عدم الاعتراف بإسرائيل ليست جديدة في الخطاب الإيراني، لكنها تكتسب زخمًا أكبر عندما تُقال في اجتماع مرتبط بفصيل فلسطيني، وفي لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة اصطفاف وتوترًا مستمرًا بين محاور متعددة.
وبالنسبة للقارئ المصري، يظل هذا التطور مهمًا لأن القاهرة تتعامل تاريخيًا مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا مركزيًا في الأمن القومي العربي. لذلك فإن أي إعلان إيراني يتصل بحماس أو بمستقبل الصراع مع إسرائيل يظل جزءًا من صورة إقليمية أوسع تشمل غزة ولبنان والبحر الأحمر والخليج.
هل يعني ذلك إغلاق باب التفاوض؟
الإجابة الأقرب هي: لا بالكامل. فلهجة قاليباف المتشددة لا تعني بالضرورة إغلاق كل القنوات مع الولايات المتحدة، لكنها تشير إلى أن إيران تريد تثبيت معادلة واضحة: لا يمكن تفسير أي حوار مع واشنطن بوصفه مصالحة سياسية أو سلامًا كاملاً. هذا الفارق مهم، لأن طهران تحاول في خطابها الداخلي والخارجي أن تقول إن الانخراط في التفاوض - إن حدث - يأتي من موقع الندية، لا من موقع التحول الاستراتيجي.
وفي ضوء ما نُشر خلال الأيام الأخيرة، تبدو القيادة الإيرانية حريصة على ربط أي مرحلة جديدة من الاتصالات مع واشنطن بتنفيذ التزامات سابقة أو تفاهمات قائمة. ولهذا يبرز قاليباف كصوت يحدد السقف السياسي: التفاوض ممكن، لكن السلام بمعناه السياسي غير قائم، والاعتراف بإسرائيل خارج النقاش أصلًا.
لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة العربية؟
لأن انعكاسات الخطاب الإيراني لا تتوقف عند حدود إيران. فكل تصعيد لفظي أو سياسي بين طهران وواشنطن أو بين إيران وإسرائيل يمكن أن ينعكس على ملفات تمس العالم العربي مباشرة، مثل:
- استقرار لبنان واحتمالات توسع المواجهة على حدوده الجنوبية.
- الوضع في غزة ومستقبل علاقات الفصائل الفلسطينية بالقوى الإقليمية.
- أمن الملاحة في الخليج والممرات البحرية الحيوية للتجارة والطاقة.
- توازنات الإقليم بين مسارات التهدئة من جهة، وخطابات الردع والتصعيد من جهة أخرى.
ومن زاوية إعلامية وسياسية تهم القارئ المصري، فإن تصريحات قاليباف تكشف استمرار حالة السيولة في الشرق الأوسط، حيث لا تزال التسويات النهائية بعيدة، فيما تبقى لغة القوة والرسائل السياسية المتبادلة حاضرة بقوة.
خلاصة المشهد
ما قاله محمد باقر قاليباف في 5 يوليو 2026 يمكن تلخيصه في ثلاث رسائل رئيسية: أولًا، إيران لا تعتبر نفسها في حالة سلام مع الولايات المتحدة حتى لو وُجد تفاوض أو اتصال سياسي. ثانيًا، طهران متمسكة برفض الاعتراف بإسرائيل باعتباره جزءًا من بنيتها السياسية والأيديولوجية. ثالثًا، الدبلوماسية في النظر الإيراني لا تنفصل عن الجاهزية للدفاع والردع.
وبين هذه الرسائل، يتأكد أن المنطقة لا تزال تتحرك فوق خطوط تماس مفتوحة، وأن أي تصريح يصدر من شخصية بحجم قاليباف لا يُقرأ باعتباره موقفًا داخليًا فحسب، بل بوصفه مؤشرًا على اتجاهات أوسع في سياسة إيران تجاه العالم العربي والقضية الفلسطينية والعلاقة المتأزمة مع واشنطن.