Akhbar Cairo

قاليباف يشيد بموقف بكين: شراكتنا مع الصين لا تنتظر إذنًا

قاليباف يرحب بالموقف الصيني في مواجهة العقوبات على إيران

رحّب رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف بالموقف الصيني الرافض للعقوبات الأحادية المفروضة على بلاده، معتبرًا أن مسار العلاقات بين طهران وبكين لا يرتبط بموافقة أي طرف خارجي. ويأتي هذا التصريح في لحظة إقليمية حساسة، مع عودة ملف العقوبات والضغوط الاقتصادية إلى واجهة المشهد السياسي في المنطقة، وما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة وحركة التجارة في الخليج والشرق الأوسط.

الرسالة السياسية التي خرجت من طهران تعكس تمسكًا إيرانيًا بتوسيع قنوات التعاون مع الصين، لا سيما في مجالات التجارة والطاقة والشراكات الاستراتيجية، في وقت تصعّد فيه واشنطن لهجتها تجاه الأطراف التي تتعامل اقتصاديًا مع إيران. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه التطورات لا تبدو بعيدة؛ إذ ترتبط بصورة مباشرة بملفات أسعار النفط، واستقرار خطوط الملاحة، وتوازنات القوى في الإقليم.

ماذا قالت الصين رسميًا؟

اللافت أن الموقف الإيراني استند إلى تصريحات صينية رسمية واضحة صدرت خلال الأيام الأخيرة. ففي 25 أغسطس 2026، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن بكين تعارض «العقوبات الأحادية غير المشروعة» التي لا تستند إلى القانون الدولي أو إلى تفويض من مجلس الأمن، مؤكّدًا أن التعاون بين الصين وإيران يجري داخل إطار القانون الدولي، ولا ينبغي عرقلته. كما شدد على أن الصين ستتخذ ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها. وكان المتحدث نفسه قد كرر في 24 و21 أغسطس 2026 موقفًا مشابهًا، رافضًا الضغوط والعقوبات باعتبارها وسيلة لا تساعد على حل الأزمات.

هذا التكرار الصيني خلال ثلاثة مواعيد متقاربة يعكس أن بكين لا تتعامل مع المسألة باعتبارها ردًا عابرًا، بل بوصفها موقفًا سياسيًا ودبلوماسيًا ثابتًا في مواجهة أي محاولة لفرض قيود على تعاونها مع طهران.

قراءة في تصريح قاليباف ودلالاته

تصريح قاليباف يذهب أبعد من مجرد الترحيب الدبلوماسي؛ فهو يحمل تأكيدًا على أن إيران ترى علاقتها مع الصين علاقة سيادية لا تقبل الوصاية. ومن الناحية السياسية، فإن هذا الخطاب يخاطب عدة دوائر في آن واحد: الداخل الإيراني الساعي إلى إظهار وجود شركاء دوليين رغم العقوبات، والصين التي تريد طهران تثبيت صورتها كحليف موثوق، وكذلك الولايات المتحدة التي تتلقى رسالة مفادها أن الضغوط لن تمنع إيران من البحث عن منافذ اقتصادية وسياسية.

ويشغل قاليباف حاليًا رئاسة البرلمان الإيراني، وهو أحد أبرز الوجوه السياسية المحافظة في البلاد، ما يمنح تصريحه وزنًا مؤسسيًا يتجاوز التعليق الإعلامي. كما أن صدور هذا الموقف من رئيس البرلمان، وليس فقط من وزارة الخارجية، يشير إلى وجود توافق داخل مؤسسات الحكم الإيرانية على أهمية المضي في التعاون مع بكين.

لماذا يهم هذا التطور المنطقة العربية؟

في قسم العالم العربي، يكتسب هذا الخبر أهمية خاصة لأن أي تصعيد جديد بين واشنطن وطهران، أو أي احتكاك يتعلق بالتجارة والنفط والعقوبات، ينعكس سريعًا على المنطقة العربية. فأسواق الطاقة في الخليج، وحركة الشحن البحري عبر الممرات الاستراتيجية، ومناخ الاستثمار الإقليمي، كلها ملفات تتأثر بمثل هذه السجالات بين القوى الكبرى.

ومن منظور مصري، فإن استقرار أسواق الطاقة العالمية يظل عنصرًا مهمًا في حسابات الاقتصاد المحلي، سواء على مستوى تكلفة الاستيراد أو أثر تقلبات النفط على الأسواق الدولية. كما أن القاهرة، مثل عواصم عربية أخرى، تراقب عن قرب مسار التوازن بين القوى الدولية الفاعلة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة.

العقوبات الأمريكية والرد الإيراني

التوتر الراهن لا ينفصل عن الحديث الأمريكي المتصاعد عن فرض أو توسيع عقوبات على أطراف تتعامل مع إيران. وفي هذا السياق، وصفت طهران العقوبات الأمريكية الجديدة بأنها تتجاوز مجرد «الحرب الاقتصادية»، معتبرة أنها محاولة لفرض السيادة الأمريكية خارج حدودها على شركات ومؤسسات ودول أخرى. هذا الخطاب الإيراني يجد في الموقف الصيني سندًا سياسيًا مهمًا، خصوصًا عندما يصدر من قوة دولية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن.

وتحاول إيران من خلال هذه الرسائل أن تؤكد أن عزلها اقتصاديًا ليس أمرًا سهلًا، وأن لديها شركاء مستعدين للحفاظ على مستوى من التعاون معها. وفي المقابل، تواصل الصين الدفاع عن مبدأ رفض العقوبات غير المعتمدة أمميًا، وهو مبدأ دأبت على تكراره في أكثر من ملف دولي.

العلاقات الإيرانية الصينية: شراكة تتجاوز الظرف الراهن

الحديث عن الصين وإيران لا يبدأ من أزمة أغسطس 2026. فالعلاقة بين البلدين شهدت خلال السنوات الماضية توسعًا في مجالات الطاقة والتجارة والتنسيق السياسي. كما تصف طهران بكين باستمرار بأنها «شريك استراتيجي»، بينما تحرص الصين على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع إيران ضمن رؤية أوسع لحضورها الاقتصادي والسياسي في آسيا الغربية.

وخلال زيارة سابقة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في أبريل 2026، أكدت طهران أهمية المشاورات المستمرة مع الصين، ووصفتها بأنها أولوية في ظل الشراكة الاستراتيجية العميقة بين البلدين. هذا المعطى يوضح أن موقف قاليباف الأخير ليس معزولًا، بل يأتي ضمن سياق أوسع من التقارب المؤسسي والسياسي بين الجانبين.

ما الذي يمكن توقعه لاحقًا؟

من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه المواقف ستقود إلى تصعيد أكبر أم إلى إعادة فتح مسارات تفاوضية، لكن المؤكد أن الصين تحاول تثبيت معادلة تقول إن التعاون الاقتصادي المشروع لا يجب أن يكون رهينة للعقوبات الأحادية. أما إيران، فتسعى إلى استثمار هذا الموقف لتأكيد أنها لا تزال تمتلك شركاء قادرين على كسر محاولات تطويقها.

وعلى المستوى الإقليمي، ستبقى الأنظار متجهة إلى أثر هذه التطورات على الخليج وأسواق الطاقة وممرات التجارة البحرية. وإذا استمرت لغة الضغوط والعقوبات، فمن المرجح أن يتزايد التوتر السياسي، بما ينعكس على المنطقة العربية بأسرها. أما إذا فُتح باب التهدئة، فقد يشكل الموقف الصيني عنصر توازن يدفع نحو حلول دبلوماسية بدلًا من مزيد من التصعيد.

خلاصة المشهد

في المجمل، يعكس ترحيب قاليباف بالموقف الصيني رسالة مزدوجة: الأولى أن إيران ترى شراكتها مع بكين خيارًا استراتيجيًا غير خاضع لإملاءات خارجية، والثانية أن الصين متمسكة برفض العقوبات الأحادية والدفاع عن تعاونها مع طهران ضمن ما تعتبره إطارًا قانونيًا دوليًا. وبين هذين الموقفين، تظل المنطقة العربية معنية بمتابعة كل تفصيل، لأن أي تحرك في هذا الملف يتجاوز حدود البلدين ليصل إلى قلب معادلات الأمن والطاقة والسياسة في الشرق الأوسط.