قاليباف يهاجم تهديدات واشنطن: إيران لن تُعزل اقتصاديًا
قاليباف يرفع سقف التحدي في مواجهة واشنطن
دخلت المواجهة السياسية بين طهران وواشنطن مرحلة أكثر حدة، بعدما رفض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الرواية الأمريكية بشأن القدرة على خنق الاقتصاد الإيراني أو قطع صلاته التجارية مع الخارج. وجاء موقفه في وقت تواصل فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بعقوبات أشد على إيران وعلى الأطراف التي تحافظ على علاقات اقتصادية معها.
قاليباف، الذي يتولى رئاسة مجلس الشورى الإيراني منذ عام 2020، قال إن الولايات المتحدة ليست في وضع اقتصادي يمكّنها من فرض عزلة كاملة على إيران، معتبرًا أن كثيرًا من الشركاء التجاريين لطهران لا يتعاملون بجدية مع ما وصفه بالتهويل الأمريكي. هذا الموقف تزامن مع تصعيد علني من وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي أعلن في 24 أغسطس 2026 أن واشنطن تستهدف إغلاق كل مصادر الإيرادات المحتملة أمام إيران عبر حزمة ضغوط جديدة.
ما الذي قالته واشنطن؟
خلال الأيام الأخيرة، كثفت الإدارة الأمريكية رسائلها الاقتصادية ضد إيران. وكان ترامب قد لوّح بما سماه «حربًا اقتصادية»، محذرًا من عواقب على أي دولة توفّر لطهران ما اعتبره شريان حياة اقتصاديًا. وبعد ذلك، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة تعتزم فرض «أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، في مسار ترى واشنطن أنه بديل عن توسيع العمليات العسكرية المباشرة.
وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس في 24 أغسطس 2026، شدد بيسنت على أن الإجراءات الأمريكية الجديدة تهدف إلى وقف أي مناطق رمادية في التعامل المالي والتجاري مع إيران، مع توجيه إنذارات واضحة إلى شركاء طهران التجاريين. كما أشارت التغطية إلى أن الضغوط الأمريكية لا تستهدف الداخل الإيراني فقط، بل تمتد إلى الأطراف الخارجية التي تواصل التجارة أو التنسيق الاقتصادي مع الجمهورية الإسلامية.
رد طهران: العقوبات لم تغيّر السلوك الإيراني
الرد الإيراني لم يقتصر على النفي أو الإدانة الدبلوماسية، بل اتجه إلى التشكيك في جدوى الاستراتيجية الأمريكية نفسها. ففي تصريحات سابقة نُشرت يوم 18 أغسطس 2026، قال قاليباف إن الحسابات الأمريكية القائمة على زيادة الضغط الاقتصادي والعسكري لانتزاع تنازلات من إيران لن تُنتج النتيجة التي تريدها واشنطن. كما وجّه حديثه إلى ترامب، معتبرًا أن التهديدات الصادرة عن كبار المسؤولين الأمريكيين تتجاوز القدرة الفعلية للولايات المتحدة على التنفيذ الكامل.
وفي 21 أغسطس 2026، عاد قاليباف ليؤكد أن على إيران أن تبني خططها على تجاوز ما وصفه بـ«العقوبات الجائرة»، في إشارة إلى أن طهران تتعامل مع الضغوط الأمريكية باعتبارها مسارًا طويلًا لا حدثًا عابرًا. وفي 22 أغسطس تحدث أيضًا عن رسائل من دول الجوار بشأن ترتيبات أمنية جديدة وتعزيز التعاون الاقتصادي رغم تهديدات ترامب، في محاولة إيرانية لإظهار أن بيئة الإقليم لا تتحرك بالكامل وفق الإملاءات الأمريكية.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا تبدو هذه التصريحات مجرد سجال بعيد. أي تصعيد أمريكي إيراني جديد ينعكس عادة على ملفات شديدة الحساسية في المنطقة، من بينها أمن الملاحة، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وهي ملفات تتابعها القاهرة عن قرب بحكم موقعها ودور قناة السويس في سلاسل الإمداد الدولية. كما أن أي اضطراب في العلاقة بين واشنطن وطهران يترك أثرًا مباشرًا على أسواق النفط، وبالتالي على الاقتصادات المستوردة للطاقة في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات أيضًا في لحظة إقليمية معقدة، حيث تتقاطع العقوبات الاقتصادية مع حسابات الأمن البحري والتوترات المتصلة بمضيق هرمز. وكان قاليباف قد ربط في تصريحات منشورة يوم 18 أغسطس 2026 بين فتح المضيق وبين تنفيذ تفاهمات تشمل رفع الحصار والعقوبات النفطية عن إيران، وهو ما يعكس استخدام طهران للورقة الاقتصادية والممرات الحيوية معًا في إدارة المواجهة.
من هو محمد باقر قاليباف؟
يُعد محمد باقر قاليباف واحدًا من أبرز الشخصيات المؤثرة في بنية الحكم الإيرانية. فهو سياسي محافظ وقائد عسكري سابق، ويتولى رئاسة البرلمان الإيراني منذ مايو 2020. وخلال السنوات الماضية، لعب أدوارًا متعددة داخل المشهد السياسي الإيراني، ما يمنح تصريحاته وزنًا يتجاوز إطار التعليق الإعلامي العابر، خصوصًا عندما تتصل بالعقوبات أو التفاوض أو ترتيب العلاقة مع القوى الكبرى.
وفي التغطيات الدولية الأخيرة، جرى التعامل مع قاليباف باعتباره من أهم الأصوات الإيرانية التي تدافع عن خط التشدد في مواجهة الضغط الأمريكي، مع الإشارة إلى نفوذه السياسي ودوره في التفاعل مع الملفات الحساسة بين الاقتصاد والأمن الإقليمي.
هل تنجح واشنطن في عزل إيران اقتصاديًا؟
عمليًا، يبقى هذا السؤال هو جوهر المعركة الحالية. الولايات المتحدة تملك أدوات قوية في النظام المالي العالمي، خصوصًا عبر العقوبات الثانوية التي تستهدف أطرافًا ثالثة تتعامل مع إيران. لكن التجربة الممتدة منذ سنوات تُظهر أيضًا أن طهران نجحت، بدرجات متفاوتة، في الحفاظ على قنوات بيع وتبادل تجاري، سواء عبر شركاء إقليميين أو عبر ترتيبات التفاف على القيود المالية.
ومن هنا يمكن فهم نبرة قاليباف الحادة. فالرجل لا ينفي فقط أثر العقوبات، بل يحاول تثبيت رواية سياسية تقول إن واشنطن، رغم قدرتها على الإيذاء الاقتصادي، لا تستطيع بلوغ هدف العزل الكامل. هذه قراءة إيرانية للمشهد، لكنها تستند إلى واقع أن العقوبات السابقة، على شدتها، لم تُنهِ العلاقات الاقتصادية الإيرانية مع الخارج بالكامل. وفي المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن الجولة الجديدة مختلفة وأوسع نطاقًا من سابقاتها.
التصعيد مرشح للاستمرار
المؤشرات الحالية لا توحي بانفراجة قريبة. فخطاب واشنطن يتجه نحو مزيد من التشدد، بينما تتمسك طهران بخطاب التحدي ورفض تقديم تنازلات تحت الضغط. وفي هذا السياق، تبدو تصريحات قاليباف جزءًا من معركة رسائل موجهة إلى الداخل الإيراني بقدر ما هي موجهة إلى الخارج: طمأنة الداخل بأن البلاد لن تُخنق اقتصاديًا، وتحذير الخارج من أن سياسة الإكراه لن تغيّر حسابات إيران.
وبينما تواصل الأسواق والدول الإقليمية مراقبة مسار الأزمة، يبقى الأثر الأكبر مرهونًا بما إذا كانت واشنطن ستتمكن فعلًا من تحويل تهديداتها إلى شبكة تنفيذ واسعة تمنع الشركاء التجاريين من التعامل مع طهران، أم أن إيران ستكرر قدرتها على التكيّف مع الضغوط كما فعلت في جولات سابقة.
أبرز ما نعرفه حتى الآن
- 24 أغسطس 2026: سكوت بيسنت أعلن أن العقوبات الأمريكية الجديدة تستهدف وقف كل مصادر الإيرادات المحتملة لإيران.
- 18 أغسطس 2026: قاليباف قال إن الضغوط الأمريكية لانتزاع تنازلات من إيران لن تؤدي إلى نتيجة.
- 21 أغسطس 2026: قاليباف دعا إلى وضع خطط لتجاوز العقوبات التي وصفها بالجائرة.
- 22 أغسطس 2026: تحدث عن استمرار اتصالات إقليمية مع إيران رغم تهديدات ترامب.
- الملف الأوسع: المواجهة لم تعد سياسية فقط، بل تمس التجارة والطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.
الخلاصة أن تصريحات قاليباف تعكس مرحلة جديدة من شد الحبال بين إيران والولايات المتحدة، عنوانها هذه المرة الاقتصاد أكثر من أي شيء آخر. لكن في منطقة تتشابك فيها السياسة بالطاقة والممرات البحرية، فإن أي تصعيد من هذا النوع لا يبقى داخل حدود البلدين، بل يمتد أثره سريعًا إلى الإقليم كله، وهو ما يفسر الاهتمام المصري والعربي المتزايد بمتابعة كل تفصيل جديد في هذا الملف.