قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر تحت مجهر البرلمان
مشروع قانون جديد يعيد رسم الإطار المؤسسي لجهاز مستقبل مصر
يتصدر مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة جدول الاهتمام البرلماني في مصر خلال يوليو 2026، باعتباره أحد التشريعات المرتبطة مباشرة بإدارة ملفات التنمية والإنتاج والاستثمار. ويأتي التحرك البرلماني بعد بدء لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب دراسة المشروع تمهيدًا للوصول إلى صياغة نهائية تنظم وضع الجهاز وتحدد اختصاصاته وآليات عمله بصورة أكثر وضوحًا ومرونة.
وفي هذا السياق، قال النائب عمرو درويش، وكيل لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، إن المشروع المطروح يحمل أهمية كبيرة لأنه يستهدف تمكين الجهاز من أداء دور أوسع في تنفيذ جهود التنمية المستدامة، مع دعم أهداف الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز النهضة الصناعية والزراعية والغذائية، إلى جانب تقليص أثر الروتين والبيروقراطية على سرعة الإنجاز.
وتتفق هذه الرؤية مع ما أظهرته المناقشات البرلمانية الأخيرة، إذ تشير البيانات المنشورة حول المشروع إلى أن فلسفته تقوم على بناء كيان ذي طبيعة خاصة يتمتع باستقلال فني ومالي وإداري، بما يسمح له بالتحرك بكفاءة أعلى مع الحفاظ على قواعد الحوكمة والشفافية ومقتضيات الأمن القومي.
ماذا يتضمن مشروع القانون؟
المعطيات المتاحة من المناقشات الجارية داخل مجلس النواب توضح أن مشروع القانون لا يقتصر على تعديل إداري محدود، بل يضع إطارًا تشريعيًا جديدًا للجهاز. ووفق ما نُشر عن النص، فإن المشروع يتكون من 13 مادة إصدار إضافة إلى 81 مادة موضوعية موزعة على بابين، أحدهما يتعلق بهيكلة الجهاز والآخر ينظم مجالات عمله والأنشطة المرتبطة به. كما ينص المشروع على منح الجهاز الشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، مع تبعيته لرئيس الجمهورية.
ويستهدف التشريع، بحسب ما جرى عرضه في المناقشات، تحويل الجهاز إلى ذراع تنموي واستثماري أكثر قدرة على إدارة المشروعات وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة ومواردها، مع استخدام أدوات إدارية ومالية أكثر مرونة من النظم التقليدية. وتبرز هنا نقطة جوهرية تتعلق بمحاولة الموازنة بين سرعة اتخاذ القرار من جهة، وتعزيز الشفافية والإفصاح والرقابة من جهة أخرى.
أبرز الأهداف التي يركز عليها التشريع
- رفع كفاءة تنفيذ المشروعات التنموية في القطاعات ذات الأولوية.
- دعم الأمن الغذائي عبر التوسع في القدرات الإنتاجية الزراعية وسلاسل الإمداد.
- تعظيم قيمة أصول الدولة وتحسين إدارتها اقتصاديًا.
- تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.
- تخفيف التعقيدات الإجرائية التي تبطئ التنفيذ في بعض المشروعات الكبرى.
- إخضاع التوسعات الرئيسية لرقابة مؤسسية تشمل الدور البرلماني.
الرقابة البرلمانية.. نقطة مركزية في المناقشات
أحد أبرز الجوانب التي لفتت الانتباه في مناقشة المشروع هو ما يتعلق بترسيخ الرقابة البرلمانية. فقد وافقت اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة نوعية، يوم الخميس 9 يوليو 2026، نهائيًا على مشروع القانون المقدم من الحكومة، وذلك برئاسة المستشار محمد عيد محجوب، وبحضور المستشار هاني حنا عازر وزير شؤون المجالس النيابية، والمستشار محمد عبدالعليم كفافي مستشار رئيس مجلس النواب، إلى جانب ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية.
ومن بين التعديلات البارزة التي ظهرت في المناقشات تعديل المادة الخاصة بإنشاء مناطق التنمية المستدامة، بحيث لا يتم إنشاؤها إلا بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس إدارة الجهاز، وبناء على اقتراح رئيس الجهاز، ثم بعد موافقة مجلس النواب في جلسة عامة. وهذه الصياغة تمنح البرلمان دورًا واضحًا في الرقابة على القرارات الكبرى المرتبطة بالتوسع المؤسسي للجهاز، وهو ما ينسجم مع الحديث البرلماني عن ضرورة الجمع بين الكفاءة والرقابة.
ومن زاوية أوسع، تبدو هذه المقاربة متسقة مع ما تطرحه رؤية مصر 2030 من أهمية لبناء إطار تشريعي يساند التنمية المستدامة، ويعزز قدرة البرلمان على مساءلة الحكومة وتحسين الأداء العام، إلى جانب إصلاح البيئة التشريعية المنظمة للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
لماذا يحظى جهاز مستقبل مصر بكل هذا الاهتمام؟
الاهتمام التشريعي بالجهاز يرتبط بدوره المتنامي في ملفات الإنتاج والتنمية، خاصة في المجال الزراعي والغذائي. فالجهاز أُنشئ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، وجرى تقديمه كأحد الأذرع العاملة على التوسع في استصلاح الأراضي ودعم الإنتاج المحلي. كما أظهرت زيارة ميدانية نظمها موقع وزارة الدفاع المصرية في 17 فبراير 2026 لوفد من أعضاء مجلس النواب واللجان البرلمانية، أن الجهاز يعمل على توسيع الرقعة الزراعية وإقامة منظومة تنموية متكاملة ذات عائد اقتصادي، مع مساهمة مباشرة في ملف الأمن الغذائي. وخلال تلك الزيارة، تحدث الدكتور بهاء الغنام، مدير جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، عن دور الجهاز في إعادة رسم الخريطة الزراعية المصرية من خلال استصلاح مساحات واسعة وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية.
وهنا يمكن فهم لماذا يربط مؤيدو مشروع القانون بين التشريع الجديد وبين أهداف مثل الاكتفاء الذاتي وتقوية القاعدة الإنتاجية. فالمسألة لا تتعلق فقط بإدارة جهاز حكومي، بل بتحديد الصيغة القانونية التي سيتحرك من خلالها كيان يلامس ملفات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار في مناطق التنمية.
رد الجهاز على الجدل المثار
الزخم المصاحب لمناقشة مشروع القانون دفع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى إصدار رد علني على ما وصفه بمعلومات وتفسيرات غير دقيقة تداولتها بعض التقارير بشأن طبيعة اختصاصاته ووضعه القانوني وآليات الرقابة عليه. وفي بيان منشور يوم الجمعة 10 يوليو 2026، أكد الجهاز أن مشروع القانون مر بمراحله الدستورية والتشريعية داخل مجلس النواب، وأن المناقشات شهدت تعديلات عكست حوارًا مؤسسيًا واسعًا بين الحكومة واللجان البرلمانية والقوى السياسية. كما شدد على أن الصياغة التي جرى التوافق عليها تستهدف تحقيق التوازن بين مستهدفات التنمية ومتطلبات الحوكمة وسيادة القانون.
هذا الرد يعكس أن مشروع القانون لا يُناقش فقط من زاوية اقتصادية، بل أيضًا من زاوية قانونية وسياسية تتعلق بحدود الاختصاص، وطبيعة الإشراف، ومستوى المساءلة العامة، وهي كلها عناصر شديدة الحساسية في أي تشريع يرتبط بمشروعات التنمية واسعة النطاق.
قراءة في الدلالات السياسية والاقتصادية
من الناحية السياسية، يكشف المشروع عن اتجاه نحو إعادة تنظيم الكيانات التنموية الكبرى داخل إطار قانوني أكثر تحديدًا، بما يقلل مساحات الالتباس ويمنح المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها البرلمان، موطئ قدم أوضح في متابعة القرارات الكبرى. ومن الناحية الاقتصادية، فإن الرهان الأساسي هو أن يتيح هذا الإطار الجديد سرعة أكبر في تنفيذ المشروعات، وقدرة أعلى على التنسيق مع المستثمرين والقطاع الخاص، من دون التفريط في الشفافية أو الرقابة.
كما أن حضور قضايا مثل الأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، وتعظيم الأصول، وجذب الاستثمار، يجعل النقاش حول القانون متصلًا مباشرة بالأولويات اليومية للمواطن المصري، خصوصًا في ظل الضغوط العالمية على سلاسل الإمداد وارتفاع أهمية الإنتاج المحلي في تأمين الاحتياجات الأساسية.
ما الذي يمكن ترقبه خلال الفترة المقبلة؟
المسار التشريعي للمشروع يشير إلى أن الملف دخل مرحلة متقدمة بعد موافقة اللجنة المشتركة عليه، لكن الأنظار ستتجه إلى ما ستسفر عنه الجلسات العامة لمجلس النواب، وما إذا كانت ستشهد تعديلات إضافية على بعض المواد، خاصة تلك المتعلقة بالاختصاصات وآليات الإشراف وتأسيس مناطق التنمية المستدامة. وفي جميع الأحوال، يبدو أن قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر سيكون من القوانين المؤثرة في شكل إدارة عدد من المشروعات التنموية خلال المرحلة المقبلة.
وبينما يركز نواب، من بينهم عمرو درويش، على أن المشروع فرصة لتقوية الحوكمة وتوسيع الرقابة البرلمانية مع تسريع وتيرة التنمية، يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق العملي بعد إقرار القانون، ومدى نجاح الصيغة الجديدة في تحقيق المعادلة الصعبة: كفاءة أعلى، وبيروقراطية أقل، ورقابة أوضح.