قراءة في تحذيرات سمير راغب بشأن توتر أمريكا وإيران
تصريحات سمير راغب في قلب مشهد إقليمي شديد التعقيد
أثارت تصريحات العميد سمير راغب، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، اهتمامًا واسعًا بعد حديثه عن أن الولايات المتحدة تتحرك عبر أدوات غير مباشرة في الإقليم، من بينها الفصائل المسلحة في العراق وبعض ملفات الأقليات، بهدف زيادة الضغط على إيران واستنزافها سياسيًا وأمنيًا. وبغض النظر عن الطابع التحليلي لهذه القراءة، فإنها تعكس مستوى التوتر القائم في منطقة تمتد آثارها من العراق وسوريا إلى الخليج العربي، بما يجعلها قضية وثيقة الصلة بالأمن الإقليمي الذي تتابعه القاهرة عن قرب.
مصادر مصرية نشرت خلال الأشهر الماضية مداخلات متعددة لسمير راغب تناول فيها مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، وكان من بينها تأكيده في مايو 2026 أن واشنطن لا تبدو راغبة في الانجرار إلى مواجهة واسعة على مستوى الخليج، وأن طهران بدورها تحاول تجنب إعلان حرب مباشرة، مع الإبقاء على أوراق ضغط إقليمية جاهزة للاستخدام عند الضرورة.
ما الذي يمكن التحقق منه في هذا الطرح؟
الشق المرتبط باستخدام الفصائل العراقية الموالية لإيران كجزء من ساحة الصراع غير المباشر يجد ما يدعمه في وثائق رسمية أمريكية سابقة. فوزارة الدفاع الأمريكية تحدثت مرارًا عن هجمات شنتها جماعات تصفها واشنطن بأنها مرتبطة بإيران ضد مواقع وقواعد تستضيف قوات أمريكية في العراق وسوريا. كما أعلنت القيادة الأمريكية في أكثر من مناسبة أن بعض الضربات العسكرية جاءت ردًا على تهديدات أو هجمات من مجموعات تدعمها طهران.
وفي تقرير رسمي موجز عن عملية العزم الصلب للفترة من يوليو إلى سبتمبر 2024، ورد أن جماعات متحالفة مع إيران شنت هجمات على قواعد تستضيف أفرادًا أمريكيين، وأن هذه الهجمات أجبرت القوات الأمريكية وقوات التحالف على تحويل موارد من مهمة مكافحة تنظيم داعش إلى إجراءات حماية القوة. كما أشار التقرير نفسه إلى أن بعض الفصائل المدعومة من إيران ساندت تحركات عشائرية عربية ضد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شرق سوريا.
العراق بين مكافحة داعش وضغط الفصائل
المشهد العراقي يظل مفتاحًا أساسيًا لفهم هذه التصريحات. فالعراق لا يزال ساحة توازن دقيقة بين الدولة المركزية، والفصائل المسلحة المنضوية بدرجات متفاوتة داخل المشهد الأمني والسياسي، والعلاقة المعقدة مع كل من واشنطن وطهران. ومنذ سنوات، تكررت مطالبات فصائل وقوى سياسية عراقية بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، بالتوازي مع استمرار تعاون أمني عراقي أمريكي في ملف مكافحة داعش.
وتظهر الوثائق الأمريكية الخاصة بعملية العزم الصلب أن واشنطن وبغداد أعلنتا خطة انتقال لعمل التحالف في العراق، تتضمن إنهاء مهمة التحالف العسكرية هناك بحلول سبتمبر 2025، مع التحول إلى شراكة أمنية ثنائية طويلة الأمد. وفي الوقت نفسه، تستمر العمليات المرتبطة بمحاربة داعش في سوريا انطلاقًا من قواعد داخل العراق حتى سبتمبر 2026 على الأقل. هذه النقطة مهمة لأنها توضح أن الحديث عن “الانسحاب” ليس دقيقًا بالكامل، بل إن الأمر يتعلق بإعادة صياغة الوجود العسكري وآلياته.
هل يرتبط ذلك باستنزاف إيران؟
من الناحية التحليلية، يمكن القول إن استمرار الضغط على المجموعات الحليفة لطهران في العراق وسوريا يندرج ضمن سياسة أمريكية أوسع تقوم على الردع من دون حرب شاملة. واشنطن تعلن رسميًا أنها لا تسعى إلى حرب مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تحمل طهران مسؤولية أفعال جماعات تصفها بأنها وكيلة لها. هذا النمط من الصراع منخفض الحدة يسمح لكل طرف بإرسال رسائل قوة من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد إمدادات الطاقة وخطوط الملاحة في الخليج.
أما الجزء المتعلق باستخدام “الأقليات” داخل إيران أو حولها كوسيلة ضغط، فهو طرح متداول في التحليلات الاستراتيجية الإقليمية، لكنه يحتاج دائمًا إلى حذر شديد عند التناول الصحفي، لأن التحقق المباشر من وجود خطط تشغيلية أمريكية معلنة في هذا الملف يظل محدودًا. لذلك، من الأدق عرض هذه النقطة باعتبارها قراءة تحليلية طرحها سمير راغب، لا باعتبارها حقيقة مثبتة بوثائق معلنة.
ملف الكويت: بين الذاكرة الأمنية والتهويل السياسي
الإشارة إلى تهديدات تتعلق بـالكويت تعيد إلى الواجهة الحساسية التاريخية التي يحملها هذا الملف منذ الغزو العراقي عام 1990. وفي بيئة إقليمية مليئة بالسلاح والفواعل غير الدولتية، تصبح أي إشارة إلى الكويت ذات وقع خاص داخل الخليج. لكن حتى الآن، لا توجد معطيات موثقة في المصادر الرسمية التي جرى التحقق منها تؤكد سيناريو عمليًا معلنًا لإعادة احتلال الكويت عبر ميليشيات عراقية، لذلك يبقى هذا الجزء في نطاق التحذير السياسي أو التقدير الاستشرافي، لا في نطاق الوقائع المثبتة.
مع ذلك، تظل أهمية هذا الطرح في أنه يسلط الضوء على هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بالخليج، خاصة مع وجود جماعات مسلحة عابرة للحدود، وتداخل ملفات العراق وسوريا وإيران، وتأثير ذلك على أمن الممرات البحرية والطاقة. وهذه كلها ملفات تهم مصر بصورة مباشرة، سواء من زاوية أمن البحر الأحمر والملاحة، أو من زاوية استقرار النظام العربي ككل.
لماذا يهم القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، فإن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لا يُقرأ باعتباره شأنًا بعيدًا. فالتوتر في العراق وسوريا والخليج ينعكس على أسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وأمن الممرات الاستراتيجية، كما يؤثر في مجمل التوازنات العربية والإفريقية المحيطة بمصر. ومن هنا، فإن متابعة التصريحات الصادرة عن خبراء عسكريين مصريين، مثل سمير راغب، تصبح جزءًا من فهم أوسع لصورة الإقليم.
- أولًا: العراق يظل ساحة رئيسية لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران.
- ثانيًا: الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنصر مؤثر في معادلة الردع والضغط.
- ثالثًا: الوجود الأمريكي لم ينتهِ بالكامل، بل يعاد تشكيله ضمن ترتيبات جديدة.
- رابعًا: أي اضطراب في الخليج ينعكس على المنطقة العربية وإفريقيا عبر التجارة والطاقة والأمن البحري.
خلاصة المشهد
تصريحات سمير راغب تقدم تفسيرًا مصريًا لواحد من أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا: كيف تُدار المواجهة الأمريكية الإيرانية من خلف الستار، وعبر أي ساحات وأدوات؟ الوقائع المتاحة تدعم بالفعل وجود صراع غير مباشر تدور إحدى ساحاته داخل العراق وسوريا، مع استمرار هجمات جماعات موالية لإيران على مواقع تستضيف قوات أمريكية، وردود أمريكية مضادة، وخطة انتقال تدريجي لطبيعة الوجود العسكري الأمريكي هناك.
لكن في المقابل، تبقى بعض التفاصيل، مثل التهديدات الخاصة بالكويت أو توظيف ملف الأقليات بصورة عملياتية مباشرة، ضمن نطاق التقديرات والتحليلات أكثر من كونها حقائق مثبتة بوثائق رسمية معلنة. وبين هذا وذاك، يظل الثابت أن الإقليم يعيش مرحلة إعادة تموضع للقوى، وأن العراق سيبقى، على الأرجح، إحدى أهم ساحات اختبار هذا التوازن في المدى المنظور.