قراءة في تحذير كوشنر لحماس من رهان الانتخابات الإسرائيلية
ما الذي يعنيه تحذير كوشنر لحماس من التعويل على الانتخابات الإسرائيلية؟
أعاد تداول تفاصيل لقاء جرى في القاهرة بين جاريد كوشنر والمستشار السابق في البيت الأبيض، وبين وفد من حركة حماس، فتح نقاش قديم يتجاوز الخبر نفسه إلى سؤال أكبر: كيف كانت واشنطن تنظر إلى غزة في ذروة التمهيد لما عُرف لاحقاً بـ"صفقة القرن"؟ وما الذي أرادت إيصاله للحركة الفلسطينية حين قيل إن كوشنر حذرها من انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية؟
المؤكد تاريخياً أن عام 2019 كان لحظة مفصلية في مقاربة إدارة الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب للملف الفلسطيني. ففي 14 فبراير/شباط 2019 قال كوشنر إن الخطة الأميركية للسلام ستُعلَن بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 9 أبريل/نيسان من العام نفسه، في إشارة واضحة إلى أن الحسابات السياسية داخل إسرائيل كانت جزءاً من توقيت التحرك الأميركي. وبعد ذلك بأشهر، كشفت واشنطن في المنامة يومي 25 و26 يونيو/حزيران 2019 الشق الاقتصادي من الخطة، متضمناً حزمة استثمارات قُدرت بنحو 50 مليار دولار للأراضي الفلسطينية ودول مجاورة بينها مصر والأردن ولبنان.
القاهرة بوصفها ساحة الرسائل لا مجرد مكان للاجتماع
إذا صحّت الروايات التي تحدثت عن لقاء في القاهرة، فإن دلالة المكان لا تقل أهمية عن مضمون الرسالة. فمصر ظلت لسنوات الطرف العربي الأكثر حضوراً في إدارة ملفات التهدئة في قطاع غزة، والمعابر، والمصالحات الفلسطينية، والوساطة غير المباشرة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل. لهذا لا يبدو غريباً أن تُنقل رسائل أميركية أو إقليمية ثقيلة عبر القاهرة، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات اتصال متشابكة.
بالنسبة للقارئ المصري، المهم هنا ليس فقط معرفة ما إذا كان اللقاء حدث بهذه الصيغة أم لا، بل فهم لماذا كانت القاهرة دائماً محطة إلزامية في أي نقاش جدي يخص غزة. الجغرافيا وحدها تفسر جانباً من ذلك، لكن السياسة تفسر الجانب الأعمق: مصر تعاملت مع القطاع باعتباره ملفاً أمنياً وإنسانياً وقومياً في آن واحد، وليس مجرد تفصيل في نزاع بعيد.
لماذا طُلب من حماس ألا تراهن على الانتخابات؟
التحذير المنسوب إلى كوشنر من التعويل على الانتخابات الإسرائيلية يمكن قراءته من زاويتين. الأولى أن الإدارة الأميركية آنذاك أرادت القول إن تبدل موازين القوى في تل أبيب لن يغير جوهر المقاربة الأميركية، وأن الرهان على سقوط بنيامين نتنياهو أو صعود منافس أكثر مرونة قد يكون وهماً سياسياً. والثانية أن واشنطن كانت تدفع باتجاه فصل المسار الإنساني والاقتصادي في غزة عن أي انتظار لتسوية سياسية شاملة، بمعنى: تعاملوا مع الوقائع الحالية بدل انتظار تحول انتخابي في إسرائيل قد لا يأتي.
هذا التحليل ينسجم مع خط كوشنر العلني في تلك الفترة. ففي مقابلات وتصريحات عدة خلال يونيو/حزيران 2019، تجنب الرجل تقديم التزامات صريحة بحل الدولتين، وركز بدلاً من ذلك على الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية. كما قال في مؤتمر المنامة إن الخطة الاقتصادية لن تنجح من دون معالجة القضايا السياسية، لكنه مضى عملياً في تقديم الاقتصاد باعتباره بوابة البداية، وهو ما رفضته القيادة الفلسطينية وفصائل عدة، معتبرة أن الاحتلال هو أصل الأزمة وليس نقص التمويل.
بين منطق الإغراء الاقتصادي وحدود الواقع السياسي
جوهر المشكلة في الطرح الأميركي وقتها كان أنه افترض إمكان تحسين حياة الفلسطينيين عبر مشاريع وتمويلات، من دون تقديم إجابة مقنعة عن أسئلة السيادة والحدود والقدس والاستيطان. لهذا لم يكن مستغرباً أن تقابل السلطة الفلسطينية الخطة برفض واضح، وأن تنظر إليها حماس أيضاً بعين الشك، حتى مع اختلاف مواقع الطرفين وأدواتهما.
من هنا، يصبح تحذير حماس من انتظار الانتخابات الإسرائيلية جزءاً من منطق أكبر: لا تنتظروا تغيراً إسرائيلياً يبدل قواعد اللعبة، بل تعاطوا مع العرض الأميركي كما هو. لكن التجربة أثبتت لاحقاً أن هذا المنهج لم ينجح في إنتاج تسوية قابلة للحياة. فحتى الشق الاقتصادي الذي رُوّج له بقوة في البحرين لم يتحول إلى مسار قابل للتنفيذ سياسياً، لأن البيئة السياسية نفسها كانت ترفضه فلسطينياً، كما أن التوازنات الإسرائيلية الداخلية لم تفتح باباً حقيقياً لتنازلات جوهرية.
الانتخابات الإسرائيلية: تغيير في الوجوه أم في السياسات؟
في تلك المرحلة، كانت إسرائيل تدخل دوامة انتخابية معقدة. جرت انتخابات الكنيست في 9 أبريل/نيسان 2019، ثم فشل تشكيل الحكومة، لتُعاد الانتخابات في 17 سبتمبر/أيلول 2019. هذا الارتباك أعطى انطباعاً لدى بعض الفاعلين الإقليميين بأن المشهد قد يفضي إلى تعديل ما في سياسة تل أبيب تجاه غزة أو تجاه الخطة الأميركية. لكن القراءة الأكثر واقعية كانت أن التنافس الإسرائيلي الداخلي لم يكن يدور حول تقديم أفق سياسي للفلسطينيين، بل حول من يدير الملف من موقع أكثر تشدداً أو براعة.
بمعنى آخر، لم تكن الانتخابات الإسرائيلية في ذلك التوقيت مناسبة للتفاؤل الفلسطيني بقدر ما كانت سبباً إضافياً لتعقيد المشهد. ولذلك يمكن فهم الرسالة المنسوبة لكوشنر على أنها مزيج من الواقعية الباردة والضغط السياسي: لا تراهنوا على صناديق اقتراع في إسرائيل لتنتج لكم انفراجة في غزة.
كيف تقرأ مصر هذه المعادلة؟
من زاوية مصرية، تبدو هذه المعادلة مألوفة. فالقاهرة تعاملت مراراً مع حقيقة أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، يميناً ووسطاً، لم تقدم تحولاً استراتيجياً يسمح بحل جذري، بينما بقيت غزة عرضة لدورات تصعيد وتهدئة متكررة. لهذا ارتكز الدور المصري غالباً على إدارة المخاطر: منع الانفجار، تثبيت التهدئة متى أمكن، وتخفيف الكلفة الإنسانية، من دون أوهام كبيرة بشأن قرب التسوية النهائية.
هذه المقاربة لا تعني التسليم بالأمر الواقع، لكنها تعكس فهماً عملياً لتوازنات القوة. وفي هذا السياق تحديداً، يصبح أي لقاء يُعقد في القاهرة بين أطراف دولية وإقليمية وفلسطينية رسالة بحد ذاته: مصر ليست مجرد ناقل للمواقف، بل طرف يحاول ضبط إيقاع ملف شديد الحساسية على حدودها الشرقية.
لماذا بقي الخبر مهماً رغم مرور السنوات؟
لأن الخبر يكشف طريقة التفكير التي حكمت مرحلة كاملة من السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية. لم يكن الأمر متعلقاً فقط باسم جاريد كوشنر، بل بنهج كامل رأى أن الضغط السياسي والاقتصادي، مع إدارة التوقعات الفلسطينية إلى الحد الأدنى، يمكن أن ينتج واقعاً جديداً. غير أن ما جرى لاحقاً أظهر أن تجاوز أصل الصراع لا يلغيه، وأن أي مقاربة تتعامل مع غزة كملف معيشة منفصل عن الحقوق الوطنية ستظل قاصرة.
- أولاً: الانتخابات الإسرائيلية لم تكن، في ذلك التوقيت، رافعة حقيقية لتغيير المسار.
- ثانياً: القاهرة ظلت الساحة الأكثر ترجيحاً لتمرير الرسائل المعقدة المتعلقة بغزة.
- ثالثاً: الرهان الأميركي على الاقتصاد من دون حل سياسي شامل واجه حدوداً صلبة.
- رابعاً: أي قراءة مستقبلية للقطاع لا يمكن أن تتجاهل الوزن المصري في الوساطة وإدارة التهدئة.
خلاصة تحليلية
سواء ثبُتت كل تفاصيل الرواية المتداولة عن اللقاء أم بقي بعضها في إطار التسريبات السياسية، فإن مغزاها العام يظل منطقياً ومتسقاً مع سياسة واشنطن في 2019. الرسالة كانت على الأرجح واضحة: لا تنتظروا أن تغيّر الانتخابات الإسرائيلية قواعد اللعبة، ولا تتوقعوا أن تأتي التسوية من تبدل تكتيكي داخل إسرائيل. لكن الدرس الأهم، من منظور عربي ومصري خصوصاً، هو أن أي محاولة للالتفاف على جوهر القضية الفلسطينية قد تنتج ضجيجاً دبلوماسياً، لكنها لا تصنع استقراراً دائماً ولا سلاماً قابلاً للحياة.