قراءة في دعوة ناجي الشهابي لتقليل الاستيراد ودعم الإنتاج
ما الذي تعنيه دعوة ناجي الشهابي إلى سياسات اقتصادية جديدة؟
جاءت قراءة الدكتور ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، لافتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب، باعتبارها أكثر من مجرد تعليق على كلمة بروتوكولية. فالرجل ربط بين الرسائل السياسية التي حملتها كلمة المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، وبين الحاجة إلى مراجعة الأولويات الاقتصادية في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ضغوط الأسعار، وتكاليف الاستيراد، ومتطلبات الحماية الاجتماعية، مع ضرورة الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة.
الوقائع الأساسية هنا واضحة: مجلس النواب افتتح دور الانعقاد العادي الثاني يوم الخميس 1 أكتوبر 2026، من مقره في العاصمة الإدارية الجديدة، استنادًا إلى قرار رئيس الجمهورية رقم 398 لسنة 2026 بدعوة المجلس للانعقاد، بينما ألقى المستشار هشام بدوي كلمته الافتتاحية بهذه المناسبة بعد أقل من عام على انتخابه رئيسًا للمجلس في 12 يناير 2026 بحصوله على 521 صوتًا. هذه المعطيات تمنح أي قراءة سياسية للكلمة وزنًا مؤسسيًا لا يمكن تجاهله.
من الرسالة السياسية إلى المعنى الاقتصادي
الشهابي لم يتوقف عند الجانب الإنشائي في الخطاب البرلماني، بل قرأ التأكيد على أن تطوير الدولة والحفاظ على مقدراتها مسؤولية وطنية بوصفه تمهيدًا لمرحلة تشريعية يفترض أن تقترب أكثر من الملفات الاقتصادية المعيشية. وهذه القراءة تبدو منطقية إذا وضعناها بجوار ما قاله هشام بدوي نفسه عن أن المجلس يضع الاقتصاد الوطني في مقدمة أولوياته خلال دور الانعقاد الثاني، مع التشديد على تشريعات رصينة ورقابة مسؤولة تستجيب لطموحات المواطنين.
في هذا السياق، تصبح دعوة الشهابي إلى إنهاء الاعتماد المفرط على الاستيراد وتعزيز الاعتماد على الذات جزءًا من نقاش أوسع داخل المجال العام المصري: كيف يمكن تخفيف الضغط على العملة الأجنبية، ودعم الصناعة المحلية، وتقليل هشاشة السوق أمام التقلبات الخارجية، من دون الوقوع في شعارات عامة أو وصفات انعزالية؟
لماذا يظل ملف الاستيراد حاضرًا بقوة؟
السبب بسيط: الاقتصاد المصري ما زال يتحمل كلفة مرتفعة لاستيراد سلع ومستلزمات إنتاج ومدخلات تشغيل واسعة النطاق، في وقت تسعى فيه الدولة إلى زيادة الصادرات وتحسين هيكل النمو. وتظهر بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أن عجز الميزان التجاري ظل حاضرًا، إذ أشارت مذكرة الناتج المحلي للربع الرابع من العام المالي 2024/2025 إلى صادرات بنحو 476.5 مليار جنيه مقابل واردات تقارب 782 مليار جنيه خلال الربع نفسه، بما يعني عجزًا تجاوز 300 مليار جنيه. صحيح أن اتساع الواردات قد يعكس في بعض الأحيان تعافي النشاط الاقتصادي، لكنه يكشف أيضًا عن استمرار الاعتماد الكبير على الخارج في تلبية احتياجات الإنتاج والاستهلاك.
من هنا يمكن فهم لماذا يعود خطاب “الاعتماد على الذات” إلى الواجهة في تصريحات عدد من السياسيين والبرلمانيين. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في ترديد المصطلح، بل في تحويله إلى حزمة سياسات محددة: دعم التصنيع العميق، توسيع القاعدة التصديرية، زيادة المكوّن المحلي، رفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتحسين بيئة الاستثمار الصناعي والزراعي.
البرلمان بين الخطاب والتشريع
قراءة الشهابي تكتسب أهمية إضافية لأن مجلس النواب، بحكم اختصاصاته، ليس ساحة للخطابة فقط، بل مؤسسة تصنع الإطار التشريعي الذي يمكن أن يسهّل أو يعرقل هذا التحول. وعندما يتحدث رئيس المجلس عن مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون، فإن المعنى العملي لذلك هو أن اللجان النوعية، وعلى رأسها اللجان الاقتصادية والخطة والموازنة والصناعة، مطالبة بترجمة هذا الاتجاه إلى أدوات تشريعية ورقابية قابلة للتنفيذ.
المرحلة الحالية تفرض على البرلمان المصري، في تقديري، ثلاثة مسارات متوازية:
- أولًا: مراجعة التشريعات المنظمة للاستثمار والإنتاج بما يخفف الكلفة والبيروقراطية أمام المصنعين.
- ثانيًا: تشديد الرقابة على الأسواق وممارسات الاحتكار والتلاعب، حتى لا تتحول أعباء الاستيراد إلى ذريعة دائمة لرفع الأسعار.
- ثالثًا: دفع الحكومة إلى سياسات أكثر وضوحًا في إحلال الواردات، لا سيما في القطاعات التي تملك فيها مصر فرصًا واقعية مثل الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية وبعض المدخلات الزراعية.
هل يتعارض الاعتماد على الذات مع الحماية الاجتماعية؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا، إذا أُدير الملف بذكاء. فالدولة المصرية لا تواجه فقط تحدي خفض فاتورة الاستيراد، بل أيضًا تحدي حماية الفئات الأكثر تأثرًا بأي إصلاح اقتصادي. ولهذا تبدو الإشارة إلى البعد الاجتماعي ضرورية عند مناقشة أطروحات من هذا النوع. وتؤكد وزارة المالية أن موازنة العام المالي 2026/2027 خصصت نحو 832.3 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية، بنمو سنوي 12%، من بينها 175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية يستفيد منها أكثر من 60 مليون مواطن، و55.3 مليار جنيه لبرامج مثل تكافل وكرامة والضمان الاجتماعي ومعاش الطفل، بما يغطي أكثر من 4.7 مليون أسرة.
هذا يعني أن أي حديث عن إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاستيراد لا يمكن فصله عن شبكة الأمان الاجتماعي. فالتصنيع المحلي وزيادة الإنتاج لن يؤتيا ثمارهما السياسية والاجتماعية إذا تُرك المواطن وحده في مواجهة موجات الغلاء خلال الفترة الانتقالية.
ماذا تكشف لهجة الشهابي سياسيًا؟
سياسيًا، تكشف تصريحات ناجي الشهابي عن محاولة لوضع النقاش الاقتصادي في قلب الأجندة البرلمانية، بدل الاكتفاء بمساندة عامة لخطاب الدولة. فهو لا يعارض من خارج المشهد، بل يقدّم نفسه من داخل المؤسسات بوصفه داعمًا لخط اقتصادي أكثر ميلًا إلى الإنتاج المحلي. وهذه زاوية مهمة في قسم تحليلات ورأي، لأنها تبرز كيف يعيد بعض الفاعلين السياسيين صياغة مواقفهم داخل معادلة عنوانها: دعم الدولة، مع المطالبة في الوقت نفسه بتغيير أدوات إدارة الاقتصاد.
كما أن لهجة الشهابي تلتقي مع اتجاه سياسي أوسع يزداد حضوره في مصر منذ سنوات، يقوم على الربط بين الأمن القومي والقدرة الاقتصادية الذاتية. فالمسألة لم تعد مجرد أرقام تجارة خارجية، بل باتت مرتبطة بقدرة الدولة على الصمود أمام الاضطرابات الإقليمية وسلاسل الإمداد العالمية والضغوط التضخمية.
بين الطموح والواقع
مع ذلك، يبقى من المهم تجنب التبسيط. فمصر لا تستطيع، عمليًا، الاستغناء عن الاستيراد، ولا ينبغي أن يكون هذا هو الهدف أصلًا. الهدف الأكثر واقعية هو ترشيد الاعتماد على الواردات في المجالات التي يمكن تعميق الإنتاج المحلي فيها، مع الحفاظ على انفتاح الاقتصاد على التكنولوجيا والمواد الخام ومدخلات الإنتاج التي تحتاجها الصناعة نفسها. بعبارة أخرى، الاعتماد على الذات في الحالة المصرية لا يعني الانغلاق، بل يعني بناء قدرة داخلية أكبر على الإنتاج والمنافسة والتصدير.
من هنا تبدو تصريحات الشهابي مهمة بقدر ما تفتح نقاشًا جادًا حول أولويات دور الانعقاد الجديد: هل ينجح البرلمان في الانتقال من توصيف التحديات إلى بناء توافق سياسي وتشريعي حول اقتصاد أقل هشاشة أمام الخارج؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة تحت القبة.
الخلاصة: ما طرحه ناجي الشهابي ليس مجرد تعليق عابر على كلمة افتتاحية، بل محاولة لتثبيت أولوية اقتصادية واضحة داخل المشهد النيابي: تقليل الارتهان للاستيراد، ودفع الدولة نحو إنتاج محلي أقوى، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي. وبينما تمنح كلمة هشام بدوي غطاءً سياسيًا عامًا لهذا الاتجاه، فإن الحكم النهائي سيظل مرهونًا بما إذا كانت هذه الرسائل ستتحول إلى تشريعات فعالة وسياسات قابلة للقياس على الأرض.