Akhbar Cairo

قراءة مصرية في دعم أمن السعودية: ما وراء تصريحات سمير راغب

دعم أمن السعودية في الرؤية المصرية: رسالة تتجاوز ساحة اليمن

أعادت تصريحات العميد سمير راغب، الخبير العسكري والاستراتيجي، تسليط الضوء على واحدة من القضايا الحساسة في السياسة الإقليمية المصرية، وهي حدود ومسارات دعم القاهرة لأمن المملكة العربية السعودية. جوهر هذا الطرح، كما يفهم من الموقف المصري العام، لا يرتبط بفكرة الانخراط في حرب برية داخل اليمن بقدر ما يرتبط باعتبارات الأمن القومي المصري، وحماية التوازن العربي، وتأمين الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب.

الزاوية المصرية في هذا الملف ليست جديدة. فالقاهرة تنظر منذ سنوات إلى استقرار الخليج، وعلى رأسه أمن السعودية، باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تخص الأمن القومي العربي، لا مجرد تضامن سياسي عابر. وهذا المعنى ظهر بوضوح في بيانات ومشاورات رسمية مصرية-سعودية متعاقبة أكدت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وارتباط الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية بينهما على نحو وثيق.

ماذا قال سمير راغب؟

التقدير الذي طرحه العميد سمير راغب يقوم على أن كلفة عدم مساندة المملكة قد تكون أعلى من كلفة المشاركة في حمايتها. وهذه الصياغة تعكس فكرة شائعة في المدارس الاستراتيجية المصرية: أن التهديد حين يقترب من دوائر النفوذ العربية الأساسية، أو من طرق التجارة والطاقة والملاحة، فإنه ينعكس تلقائيًا على الداخل المصري، سواء في الاقتصاد أو الأمن أو الاستقرار الإقليمي.

ورغم أن التصريح جاء في سياق الحديث عن الدفاع عن أمن السعودية، فإن القراءة الدقيقة للمشهد تُظهر أن المقصود ليس الدفع نحو تدخل بري تقليدي، بل التأكيد على أن مصر تتحرك عادة ضمن مزيج من الردع السياسي، والتنسيق العربي، والدعم الدبلوماسي والعسكري المحسوب، مع تجنب التورط في سيناريوهات استنزاف مفتوحة.

الموقف الرسمي المصري: دعم ثابت وتنسيق معلن

البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية خلال 2025 و2026 عكست بوضوح هذا النهج. ففي البيان المشترك للجنة المتابعة والتشاور السياسي المصرية السعودية، الذي عُقد في الرياض يوم 21 أبريل 2025 برئاسة الدكتور بدر عبد العاطي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، شدد الجانبان على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وعلى توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني. كما تناولت المشاورات ملفات إقليمية ملحة، بينها غزة واستقرار المنطقة عمومًا.

وفي أكثر من مناسبة لاحقة، أكدت الخارجية المصرية دعمها الكامل للمملكة العربية السعودية في مواجهة أي تهديدات تمس أمنها أو سيادتها. كما أدانت القاهرة الاعتداءات التي استهدفت السعودية، بما في ذلك الهجمات التي تهدد المنشآت المدنية أو أمن الملاحة في البحر الأحمر والممرات الدولية. وفي اجتماع تشاوري رباعي صدر في 22 سبتمبر 2026، جددت مصر والسعودية وتركيا وباكستان إدانة الاعتداءات الحوثية على المملكة، مع التأكيد على حق السعودية في الدفاع عن أراضيها وأهمية سلامة الملاحة البحرية.

لماذا يرتبط أمن السعودية بالمصلحة المصرية؟

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو السؤال مباشرًا: لماذا تعتبر القاهرة أن أمن السعودية مسألة مصرية أيضًا؟ الإجابة تبدأ من الجغرافيا ولا تنتهي عند الاقتصاد. فمصر دولة مطلة على البحر الأحمر، وتعتمد بشكل جوهري على استقرار خطوط الملاحة في هذا المسار الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، فضلًا عن ارتباطه المباشر بقناة السويس.

أي اضطراب ممتد في باب المندب أو جنوب البحر الأحمر ينعكس على حركة السفن، وتكاليف التأمين، وتدفقات الشحن، وهي عوامل تؤثر بدورها على الاقتصاد المصري. لهذا لم يكن غريبًا أن يربط خبراء مصريون، ومنهم سمير راغب، بين التهديدات التي تصدر من الساحة اليمنية وبين آثارها المباشرة على المصالح المصرية، خصوصًا حين تتصل بحرية الملاحة أو استهداف منشآت حيوية في الخليج.

  • أولًا: السعودية تمثل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا عربيًا محوريًا.
  • ثانيًا: أي تهديد لأمن الخليج يضغط على أسواق الطاقة والنقل والتأمين.
  • ثالثًا: أمن البحر الأحمر وباب المندب يخص مصر بصورة مباشرة.
  • رابعًا: التنسيق المصري السعودي عنصر أساسي في إدارة أزمات الإقليم.

بين الدعم العسكري والحرب البرية

واحدة من النقاط المهمة في النقاش العام هي الخلط بين الدفاع عن أمن السعودية وبين المشاركة في حرب برية داخل اليمن. الخبرة المصرية الحديثة تميل إلى الفصل بين الأمرين. فالقاهرة دعمت، ولا تزال، مبدأ حماية أمن الخليج ورفض الاعتداء على أراضي السعودية، لكنها في الوقت نفسه تفضل أن يكون التعامل مع الأزمات الإقليمية منضبطًا بحسابات دقيقة تمنع الانزلاق إلى نزاعات طويلة ومكلفة.

وهذا ينسجم مع ما قاله سمير راغب في تصريحات أخرى خلال 2026، حين تحدث عن أن المقاربة المصرية تجاه الصراعات الإقليمية اتسمت بـالعقلانية، وأن القاهرة تركز على نزع فتيل الأزمات ومنع اتساعها. هذه المقاربة تمنح مصر مساحة للتحرك كدولة دعم واستقرار، لا كطرف يسعى إلى توسيع ساحات الحرب.

القاهرة والرياض: شراكة تتجاوز اللحظة

العلاقة بين مصر والسعودية لا تُقرأ فقط من زاوية رد الفعل على أزمة بعينها. ففي 15 سبتمبر 2026، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة، وأكد الجانبان خلال اللقاء دعم أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، وهو ما يعكس اتساع أجندة التنسيق بين البلدين لتشمل الأمن البحري والاستقرار الإقليمي.

كما أن البيان الرسمي الصادر عن مشاورات أبريل 2025 تحدث عن أهمية إطلاق مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، بما يدعم تطوير التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والأمنية. هذا يعني أن الحديث عن أمن السعودية في الخطاب المصري لا ينفصل عن بنية مؤسسية أوسع، تتعامل مع العلاقة باعتبارها شراكة استراتيجية طويلة المدى.

ما الذي تعنيه هذه التصريحات للمشهد المصري؟

داخليًا، يعكس هذا النوع من التصريحات حضور المدرسة المصرية التي تربط بين الأمن الوطني وحدود التأثير خارج الحدود. فالمسألة هنا ليست مجرد تضامن مع دولة شقيقة، بل قراءة تعتبر أن الفراغ في الإقليم مكلف، وأن ترك التهديدات تتضخم قرب البحر الأحمر أو الخليج قد يفتح الباب لتداعيات تمتد إلى الاقتصاد المصري والأمن البحري والتوازن العربي.

ومن ثم، فإن الرسالة الأساسية في تصريحات سمير راغب يمكن تلخيصها في أن مصر حين تؤكد دعمها لأمن السعودية، فهي لا تتحدث فقط من باب العلاقات الثنائية، بل من منظور أوسع يرى أن حماية الاستقرار العربي، ومنع استهداف المملكة، وصون حرية الملاحة، كلها ملفات متشابكة تمس المصلحة المصرية المباشرة.

خلاصة المشهد

القراءة الأقرب للواقع أن مصر لا تدفع نحو حرب برية جديدة في اليمن، لكنها في المقابل ترفض أي تصور يفصل بين أمن السعودية وأمن المنطقة. وبين هذين الحدين تتحرك السياسة المصرية: دعم ثابت للمملكة، وتنسيق سياسي وأمني معلن، وتمسك بحماية البحر الأحمر والممرات الدولية، مع الحذر من الانجرار إلى صراعات استنزاف مفتوحة.

لهذا تبدو عبارة أن تبعات عدم الدعم قد تكون أصعب من المشاركة تعبيرًا عن منطق استراتيجي مصري معروف: الوقاية المبكرة، وحماية التوازن العربي، ومنع انتقال الخطر إلى المجال الحيوي المصري. وفي إقليم شديد الاضطراب، تبقى هذه المقاربة واحدة من أبرز مفاتيح فهم الموقف المصري من أمن السعودية والخليج.