Akhbar Cairo

قراءة مصرية: لماذا ترى طهران نفسها أقوى في التفاوض؟

تشدد إيراني جديد.. ورسالة تفاوض من موقع قوة

يكتسب حديث السفير ياسر عثمان، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أهمية خاصة في توقيت إقليمي شديد الحساسية، بعدما قرأ طرح محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، لشروط تفاوضية تجاه واشنطن باعتباره مؤشرًا على أن طهران لم تعد تتعامل مع المسار السياسي من زاوية الدفاع فقط، بل من منطلق اعتقاد متزايد بأنها تملك أوراق ضغط فعلية تسمح لها بالسعي إلى فرض إيقاعها الخاص على أي تفاوض مقبل.

عثمان، خلال ظهوره في برنامج "منتصف النهار" الذي تقدمه الإعلامية هاجر جلال على قناة القاهرة الإخبارية، انطلق من فكرة أساسية مفادها أن اللغة الإيرانية الأخيرة لم تعد لغة البحث عن مخرج سريع بقدر ما أصبحت لغة اختبار لموازين القوة، ومحاولة لترجمة المكاسب السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى شروط تفاوضية أعلى سقفًا.

ما الذي يدعم هذا التصور الإيراني؟

القراءة الأقرب لفهم هذا الموقف هي أن طهران تبني تقديرها على أكثر من مستوى في وقت واحد. أول هذه المستويات يتعلق ببنية القرار داخل النظام الإيراني نفسه. فمحمد باقر ذو القدر يشغل منذ مارس 2026 منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو موقع محوري في الربط بين المؤسستين الأمنية والسياسية، ما يجعل أي إشارات تصدر عنه ذات وزن يتجاوز التصريحات الإعلامية العادية.

كما أن تقارير تحليلية غربية متخصصة رأت أن تعيين ذو القدر في هذا المنصب عكس رغبة إيرانية في وضع شخصية أمنية صلبة في قلب إدارة الملفات الحساسة، بما فيها أي تفاوض مع الولايات المتحدة، وهو ما يعزز الانطباع بأن طهران تريد مفاوضًا يعبّر عن أولويات المؤسسة الأمنية بوضوح أكبر من أي مرحلة سابقة.

1- الإحساس بامتلاك أوراق ضغط إقليمية

من أبرز العوامل التي تفسر هذا التقدير الإيراني، استمرار ربط طهران بين الملف التفاوضي وبين معادلات الأمن الإقليمي، خصوصًا ما يتعلق بالملاحة والطاقة. فالتصريحات الإيرانية المتكررة خلال 2026 أظهرت تمسكًا واضحًا باعتبار مضيق هرمز ورقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن التفاوض الأوسع مع واشنطن. وفي هذا السياق، شددت أطراف إيرانية رسمية على أن إدارة أمن الملاحة في المضيق ترتبط بمفهوم السيادة والمصالح الوطنية الإيرانية.

هذه النقطة شديدة الأهمية بالنسبة للقارئ المصري، لأن أي توتر ممتد في هرمز لا يظل شأنًا خليجيًا فقط، بل ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، وعلى تكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تمس اقتصاد المنطقة بأكملها، بما فيها مصر التي تتابع عن قرب أثر اضطراب التجارة والطاقة على الأسواق الدولية.

2- خطاب "لا تراجع" كأداة تفاوض

في مايو 2026، قال ذو القدر في رسالة علنية إن إيران "لن تتراجع"، وهو خطاب يعكس، على الأقل سياسيًا، أن طهران تحاول تثبيت صورة الطرف القادر على الصمود لا الطرف الباحث عن تهدئة بأي ثمن. هذا النوع من الرسائل لا يوجَّه إلى الداخل الإيراني فقط، بل إلى المفاوض الأمريكي أيضًا، ومفاده أن أي اتفاق محتمل يجب أن يراعي حدود القوة الإيرانية وشروطها، لا أن يُبنى على تصور استسلام أو تراجع أحادي.

ومن منظور تحليلي، فإن رفع سقف الخطاب قبل التفاوض أو أثناءه ليس جديدًا في السياسة الإيرانية، لكنه يكتسب وزنًا أكبر عندما يصدر عن مسؤول أمني بهذا المستوى، وفي لحظة إقليمية تشهد تجاذبًا حادًا حول الملاحة والعقوبات وترتيبات ما بعد المواجهات الأخيرة.

3- محاولة تحويل الميدان إلى مكسب سياسي

القيادة الإيرانية تبدو حريصة على تسويق أي قدرة على الصمود أو المناورة على أنها دليل على فشل الضغوط الأمريكية في كسر إرادتها. ومن هنا يمكن فهم سبب تمسكها بخطاب يوحي بأن الزمن لا يعمل ضدها بالكامل، وأن لديها ما يكفي من الأدوات لتعقيد الحسابات الأمريكية، سواء عبر الملف النووي أو النفوذ الإقليمي أو موقعها الجغرافي الحساس.

السفير ياسر عثمان يقرأ هذه المعادلة باعتبارها أساسًا لتقدير إيراني جديد: إذا كانت واشنطن تريد تفاوضًا يخفف التوتر ويضمن الاستقرار، فإن طهران ستسعى إلى الدخول إلى الطاولة وهي مقتنعة بأنها صاحبة حاجة أقل إلى التنازل السريع، وبالتالي قادرة على فرض شروط أصعب أو على الأقل اختبار مدى استعداد الطرف الآخر لتقديم مقابل حقيقي.

لكن هل اليد العليا محسومة فعلًا؟

رغم وجاهة هذا التقدير الإيراني من زاوية امتلاك أوراق ضغط، فإن الحديث عن "يد عليا" مطلقة يظل محل نقاش. فالولايات المتحدة ما زالت تملك أدوات مؤثرة، في مقدمتها العقوبات، والقدرة على الحشد الدبلوماسي والعسكري، فضلًا عن التأثير الواسع في النظام المالي العالمي. كما أن أي تصعيد طويل في هرمز أو الإقليم يحمّل إيران أيضًا كلفة مباشرة وغير مباشرة.

بمعنى آخر، ما تفعله طهران على الأرجح ليس إعلان انتصار نهائي، بل إدارة تفاوض على قاعدة رفع الثمن. فهي تريد أن تقول إن العودة إلى التفاهمات أو الترتيبات الأمنية لن تتم بلا مقابل، وإن الملفات لم تعد قابلة للفصل السهل بين الأمن والاقتصاد والسيادة الإقليمية.

ماذا يعني ذلك عربيًا ومصريًا؟

من الزاوية العربية، تعني هذه المقاربة الإيرانية أن المنطقة قد تبقى لفترة داخل مساحة رمادية: لا انفراج كامل ولا انفجار شامل. هذه المنطقة الوسطى عادة ما تكون الأكثر إرباكًا للأسواق ولحسابات الدول، لأنها تُبقي احتمالات التوتر قائمة دون أن تتحول إلى حرب مفتوحة أو تسوية مستقرة.

أما بالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا النوع من الرسائل الإيرانية ليست مسألة بعيدة، لأن القاهرة تنظر تقليديًا إلى استقرار الإقليم بوصفه جزءًا من أمنها القومي الاقتصادي والسياسي. وكلما تعقدت معادلة التفاوض بين طهران وواشنطن، ارتفعت حساسية ملفات الشحن والطاقة وأسعار السلع ومزاج الأسواق العالمية، وهي كلها عناصر ترتبط بشكل أو بآخر بالوضع الداخلي في دول المنطقة.

خلاصة المشهد

خلاصة ما طرحه السفير ياسر عثمان أن تشدد محمد باقر ذو القدر لا ينبغي قراءته كتصعيد لفظي عابر، بل كإشارة إلى ذهنية إيرانية ترى أن لحظتها التفاوضية الحالية أفضل من السابق. هذه الذهنية تستند إلى موقع جغرافي حساس، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات، وبنية قرار تميل إلى دمج الأمن بالسياسة الخارجية، فضلًا عن قناعة بأن واشنطن ليست في وضع يسمح لها بتجاهل الكلفة الإقليمية لأي انسداد طويل.

ومع ذلك، فإن ترجمة هذا الشعور الإيراني إلى مكاسب فعلية ستظل رهينة عاملين: أولًا مدى قدرة طهران على الحفاظ على تماسك أوراقها دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وثانيًا مدى استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بأن التفاوض هذه المرة قد لا يجري بالشروط القديمة نفسها. وبين هذين العاملين، ستبقى المنطقة تترقب ما إذا كانت لغة الشروط الصلبة ستقود إلى صفقة جديدة، أم إلى جولة أخرى من شد الحبل السياسي والأمني.