Akhbar Cairo

قرار توافقي في الوكالة الذرية يُنهي ملف الضمانات السوري

مجلس محافظي الوكالة الذرية يطوي ملفاً استمر سنوات

اعتمد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، قراراً بتوافق الآراء لإنهاء التعامل مع الملف السوري بصيغته السابقة على جدول أعمال المجلس، وذلك في خطوة جاءت بمبادرة من مصر والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية بصفتها الدول العربية الأعضاء في المجلس. ويعني القرار عملياً إنهاء مفاعيل القرار الذي ظل قائماً منذ عام 2011 بشأن عدم امتثال سوريا لالتزاماتها المرتبطة بالضمانات النووية، مع الإبقاء على التزامات دمشق القانونية كاملة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاق الضمانات الشاملة مع الوكالة.

القرار اكتسب أهمية سياسية ودبلوماسية لافتة، ليس فقط لأنه صدر بالإجماع داخل مجلس يضم 35 دولة، بل لأنه يعكس تحولاً في مقاربة الوكالة للملف السوري من منطق النزاع المفتوح إلى منطق المتابعة الفنية والتعاون الرقابي المستمر. كما يبرز دور القاهرة داخل المؤسسات الدولية المعنية بالحوكمة النووية، في وقت تركز فيه مصر على دعم الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والدفع نحو مقاربات متوازنة في قضايا عدم الانتشار.

ماذا يعني إنهاء الملف السوري داخل المجلس؟

بحسب ما أوردته مصادر دبلوماسية وتقارير متطابقة، فإن القرار الجديد أنهى التحقيق المؤسسي الطويل المرتبط بمخاوف الوكالة من أنشطة نووية سورية سابقة غير معلنة، خاصة ما يتصل بموقع دير الزور الذي قالت الوكالة منذ سنوات إنه كان على الأرجح مفاعلاً نووياً كان يجب التصريح به. لكن إنهاء هذا البند من جدول الأعمال لا يعني إسقاط الرقابة أو إعفاء سوريا من أي التزام مستقبلي؛ فالقرار شدد على أن سوريا لا تزال ملزمة بما تفرضه معاهدة عدم الانتشار واتفاق الضمانات، مع تشجيعها على مواصلة التعاون مع الوكالة، بما في ذلك أعمال الحفر والتحقق الفني في المواقع ذات الصلة.

ومن الناحية الإجرائية، طلب القرار أيضاً من المدير العام للوكالة رافائيل ماريانو جروسي مواصلة إطلاع المجلس على نتائج الأنشطة الجارية في سوريا. وهذا يعني أن الملف لم يختفِ بالكامل من الرادار الدولي، بل انتقل من خانة الأزمة السياسية المفتوحة إلى إطار متابعة فنية أكثر تحديداً.

خلفية الأزمة: من دير الزور إلى قرار 2011

ترجع جذور القضية إلى الموقع الذي دمرته إسرائيل في محافظة دير الزور عام 2007. وبعد سنوات من التقييمات الفنية، خلصت الوكالة في مايو 2011 إلى أن المبنى المدمر كان على الأرجح مفاعلاً نووياً غير مُعلن عنه. وفي يونيو من العام نفسه، تبنى مجلس المحافظين قراراً اعتبر أن تشييد سوريا للمفاعل من دون إعلان، وعدم تقديم المعلومات التصميمية المطلوبة، يمثلان حالة عدم امتثال لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم الانتشار.

ومنذ ذلك الوقت، ظل المجلس “منشغلاً بالمسألة” وفق الصياغات الرسمية، بينما بقيت أسئلة الوكالة قائمة حول الموقع الرئيسي وثلاثة مواقع أخرى يُشتبه في ارتباطها الوظيفي به. وفي تقرير رسمي للوكالة صدر في أغسطس 2024 وكُشف لاحقاً، أُعيد التذكير بأن الملف ظل مفتوحاً بسبب نقص الردود الكاملة والوصول الفني الكافي خلال سنوات الحرب وتعقد الأوضاع الأمنية داخل سوريا.

ما الذي تغيّر في السنوات الأخيرة؟

التحول الأساسي بدأ مع استئناف قنوات التواصل الفني بين دمشق والوكالة. ووفق وثائق الوكالة، شهد عام 2024 خطوات عملية شملت مناقشات فنية مع الجانب السوري وزيارات لموقعين مرتبطين بالتحقيق، إضافة إلى أخذ عينات بيئية وتحقيقات ميدانية أخرى في دمشق وحمص ضمن أنشطة التحقق المعتادة.

وفي التطور الأحدث والأكثر حسماً، ذكرت تقارير صحفية دولية منشورة يوم 9 سبتمبر 2026 أن السلطات السورية الجديدة بعد إطاحة بشار الأسد في ديسمبر 2024 سمحت لمفتشي الوكالة بالوصول إلى مواقع نووية سابقة مشتبه بها. وخلال زيارة جروسي وفريق من كبار المفتشين إلى سوريا في أغسطس 2026، جرت متابعة أعمال الحفر في موقع دير الزور، كما تمت زيارة مواقع إضافية مرتبطة بتصنيع الوقود وتخزينه وأنشطة كان مخططاً لها لإعادة المعالجة. وتشير هذه التقارير كذلك إلى أن الوكالة وضعت تحت إجراءات المراقبة نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي عُثر عليها في موقع سوري غير مُعلن سابقاً، بينها 55 طناً على هيئة قضبان وقود.

هذه المعطيات فسرت لماذا رأت دول المجلس أن إنهاء الصيغة القديمة للملف بات ممكناً: فهناك تعاون مستجد، وأنشطة تحقق قائمة، ومعلومات تُرفع دورياً إلى المجلس، بدلاً من جمود استمر قرابة عقدين.

الدور المصري والعربي في القرار

يحمل القرار أيضاً دلالة خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تشغل عضوية مجلس المحافظين للفترة 2024-2026، وتؤكد في مواقفها الرسمية أن عمل الوكالة يجب أن يجمع بين دعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والحفاظ على مصداقية نظام عدم الانتشار. وتوضح وزارة الخارجية المصرية أن القاهرة تنظر إلى عضويتها الحالية باعتبارها فرصة لتعزيز أولويات المنطقة العربية داخل الوكالة، وبينها الأمن والأمان النوويان وقضية إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.

كما أن التحرك العربي الرباعي داخل مجلس المحافظين ليس جديداً من حيث التنسيق. فقد أظهرت بيانات رسمية مصرية حديثة تعاوناً بين مصر والأردن والمغرب والسعودية في ملفات مطروحة أمام المجلس، بما يعكس وجود آلية عمل مشتركة للدول العربية الأعضاء عند التعامل مع القضايا النووية ذات البعد الإقليمي.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ المصري؟

بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا يتوقف مغزى القرار عند الشأن السوري وحده. فالملف يرتبط مباشرة بمستقبل نظام عدم الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وهي مسألة تمثل أولوية دبلوماسية مصرية ممتدة منذ عقود. كما أن أي تطور داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يهم القاهرة في ظل انخراطها المتزايد في مشروعات الطاقة النووية السلمية، وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة، الذي تؤكد الجهات المصرية المختصة أنه يُنفذ وفق معايير الوكالة في السلامة والأمان والرقابة.

ومن زاوية أوسع، يبعث القرار برسالة مفادها أن معالجة الملفات النووية الشائكة لا تتم فقط عبر الضغوط السياسية، بل أيضاً عبر التحقق الفني، وإتاحة الوصول للمفتشين، والالتزام بالقواعد الدولية. وهذا المسار، إن استمر، قد يدعم الاستقرار في منطقة تعيش أصلاً على وقع توترات أمنية مزمنة وملفات انتشار معقدة.

ما التالي بعد القرار؟

رغم أن مجلس المحافظين أسدل الستار على البند السوري بالشكل الذي ظل قائماً منذ 2011، فإن المرحلة المقبلة ستظل خاضعة لاختبار التنفيذ. فالوكالة ستواصل أعمال المتابعة، وسوريا ستظل مطالبة بتقديم ما يلزم من تعاون ومعلومات ووصول ميداني، بينما يحتفظ المجلس بحقه في مراجعة أي تطورات جديدة إذا ظهرت معطيات تستدعي ذلك.

بالتالي، يمكن القول إن القرار يمثل إغلاقاً سياسياً لمرحلة قديمة أكثر منه إنهاءً نهائياً لكل الأسئلة الفنية. لكنه في الوقت نفسه يعد مؤشراً على أن الملف السوري داخل الوكالة دخل منعطفاً جديداً، ساهمت فيه الدبلوماسية العربية، وفي مقدمتها التحرك المصري، ضمن مشهد دولي شديد الحساسية تجاه قضايا الضمانات النووية والرقابة على المواد والمنشآت ذات الصلة.

  • تاريخ القرار: الأربعاء 9 سبتمبر 2026
  • الدول العربية مقدمة المشروع: مصر والأردن والمغرب والسعودية
  • الهيئة المعنية: مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • جوهر القرار: إنهاء مفاعيل قرار 2011 الخاص بعدم امتثال سوريا مع استمرار التزاماتها القانونية والرقابية
  • الموقع الأبرز في القضية: دير الزور