قرار جمهوري يفتح باب انضمام مصر لاتفاقية التجارة التفضيلية
مصر تُتم إجراءات الانضمام إلى اتفاقية التجارة التفضيلية
دخلت مصر خطوة جديدة في مسار توسيع شراكاتها التجارية بعد استكمال الإجراءات الدستورية الخاصة بالانضمام إلى اتفاقية التجارة التفضيلية بين الدول الثماني النامية المعروفة باسم D-8 PTA. وجاء ذلك عقب موافقة مجلس النواب في جلسته العامة يوم 15 يونيو 2026 على قرار رئيس الجمهورية رقم 24 لسنة 2026 بشأن الموافقة على انضمام جمهورية مصر العربية إلى الاتفاقية، إلى جانب بروتوكول تسوية المنازعات الخاص بها.
وبهذا التحرك، تنتقل مصر من إعلان نية التصديق إلى وضع قانوني أكثر تقدمًا داخل هذا الإطار التجاري، في خطوة ترتبط مباشرة بملف تنشيط الصادرات المصرية وتعزيز نفاذها إلى أسواق الدول الأعضاء، خاصة في ظل سعي الحكومة لزيادة تنافسية المنتج المحلي وتوسيع شبكة الاتفاقيات التي تمنح مزايا جمركية وتفضيلية.
ما هي اتفاقية التجارة التفضيلية بين الدول الثماني النامية؟
الاتفاقية تخص دول منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي D-8، وهي: مصر، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وماليزيا، وبنجلاديش، ونيجيريا، وإيران. وتشير بيانات الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن أذربيجان انضمت لاحقًا إلى المنظمة كعضو جديد، بينما تظل الاتفاقية التجارية في أصلها مرتبطة بدول المجموعة الثماني.
وتهدف الاتفاقية إلى خفض التعريفات الجمركية على عدد من السلع، وتقليل الحواجز غير الجمركية، وتيسير حركة التجارة بين الدول الأعضاء، بما يدعم زيادة التبادل التجاري البيني. كما يتضمن المسار المؤسسي للاتفاقية آليات خاصة بالتنفيذ والمتابعة وتسوية المنازعات، وهو ما يفسر إرفاق بروتوكول مستقل لهذا الملف ضمن موافقة مصر.
ووفق ما عُرض أمام البرلمان، فإن الاتفاقية وُقعت في الأصل عام 2006، وبدأ تطبيقها الفعلي عام 2011 لدى عدد من الأطراف المتعاقدة، بينما يأتي انضمام مصر الآن في توقيت تحاول فيه القاهرة تعظيم الاستفادة من الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف وربطها بأهداف التشغيل والإنتاج والتصدير.
كيف جرى المسار المصري حتى الإقرار النهائي؟
المسار لم يبدأ داخل مجلس النواب فقط. ففي نهاية عام 2025 وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على مشروع قرار رئيس الجمهورية الخاص بالانضمام إلى الاتفاقية وبروتوكول تسوية المنازعات، قبل إحالته إلى البرلمان لاستكمال الإجراءات اللازمة.
وفي البرلمان، ناقشت لجنة مشتركة من لجنة الشئون الاقتصادية ومكاتب لجان الخطة والموازنة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والشئون الدستورية والتشريعية نص القرار وتقرير الحكومة بشأنه، قبل أن يوافق المجلس عليه نهائيًا برئاسة المستشار هشام بدوي. كما استعرض النائب طارق شكري، رئيس اللجنة الاقتصادية، فلسفة الاتفاقية وأهدافها الاقتصادية خلال المناقشات العامة.
وتحمل هذه الخطوات أهمية خاصة لأن الاتفاقيات الدولية ذات الطبيعة الاقتصادية تمر في مصر بمراحل واضحة: موافقة حكومية، ثم عرض على البرلمان، ثم التصديق الرئاسي، وصولًا إلى النشر في الجريدة الرسمية لبدء الأثر القانوني الداخلي.
خلفية سياسية واقتصادية: من قمة القاهرة إلى التصديق
التحرك المصري الأخير لا يمكن فصله عن استضافة القاهرة والقمة التي انعقدت في 19 ديسمبر 2024 لمنظمة D-8. ففي كلمته خلال القمة، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) عزم مصر التصديق على اتفاقية التجارة التفضيلية بين الدول الأعضاء، باعتبارها أداة مهمة لرفع مستوى التجارة البينية داخل المجموعة.
كما أظهرت مخرجات الاجتماعات الوزارية اللاحقة، ومنها الاجتماعات التي استضافتها مصر في ديسمبر 2025، تركيزًا واضحًا على تسريع تفعيل الاتفاقية وتطوير الأدوات الجمركية المرتبطة بها. وصرح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المهندس حسن الخطيب آنذاك بأن الاتفاقية تمثل ركيزة أساسية لدفع التجارة داخل المجموعة، وهو ما ينسجم مع المسار الذي تُكمله القاهرة الآن على المستوى التشريعي والتنفيذي.
ماذا يعني الانضمام للاقتصاد المصري؟
من الناحية العملية، لا يعني الانضمام أن كل السلع ستدخل فورًا من دون رسوم، لأن مثل هذه الاتفاقيات تعتمد عادة على قوائم سلع وقواعد منشأ وجداول زمنية للتخفيضات. لكن الأثر الأهم يتمثل في توسيع مساحة التفاوض التجاري أمام مصر، ومنح المصدرين المصريين إطارًا رسميًا يمكن البناء عليه لزيادة الحضور في أسواق كبيرة من حيث السكان والطلب.
وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تؤكد في عرضها للاتفاقيات التجارية أن هذه الأطر تساعد على تحسين نفاذ الصادرات، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، وجذب استثمارات تستفيد من المزايا التفضيلية. لذلك يُنظر إلى اتفاقية D-8 بوصفها إضافة جديدة داخل خريطة أوسع تضم اتفاقات مثل الكوميسا، والشراكة المصرية الأوروبية، وأغادير، واتفاقات التجارة الحرة الأخرى التي تعتمد عليها مصر في تنويع منافذها التجارية.
كما أن الاتفاقية قد تكتسب أهمية أكبر بالنسبة لقطاعات صناعية وزراعية تبحث عن أسواق بديلة أو مكملة، خاصة إذا جرى تفعيلها بالتوازي مع تحسين الخدمات اللوجستية، وتيسير الإفراجات الجمركية، وتوفير معلومات أوضح للشركات عن السلع المستفيدة وقواعد المنشأ المطلوبة.
أرقام وأهداف تضع الاتفاقية في سياق أوسع
بحسب ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات عن رؤية المجموعة، فإن دول D-8 تستهدف رفع قيمة التجارة البينية إلى ما لا يقل عن 10% من إجمالي تجارتها الخارجية أو إلى نحو 500 مليار دولار بحلول عام 2030. وهذا الهدف يوضح أن الاتفاقية ليست إجراءً بروتوكوليًا فقط، بل جزء من خطة أوسع لتحويل التعاون السياسي داخل المجموعة إلى مسار اقتصادي قابل للقياس.
وبالنسبة لمصر، فإن هذا المسار يتسق مع الخطاب الحكومي الذي يربط بين الاتفاقيات التجارية وملفات النمو المستدام وتحسين الميزان التجاري وخلق فرص العمل. وقد أشارت المناقشات البرلمانية إلى أن الاتفاقية يمكن أن تسهم في توسيع الأعمال وتحسين بيئة الاستثمار، وإن كان تحقق هذه النتائج عمليًا سيظل مرهونًا بسرعة التفعيل وكفاءة التنفيذ.
ما الذي يجب متابعته بعد القرار؟
المرحلة التالية الأهم ليست سياسية بقدر ما هي فنية. فالسوق المصرية ستحتاج إلى متابعة ما إذا كانت الجهات المختصة ستعلن قوائم السلع المشمولة بالتخفيضات، وكيفية تطبيق قواعد المنشأ، وآليات الاستفادة للمستوردين والمصدرين، ودور مصلحة الجمارك والهيئات الرقابية في تحويل النص القانوني إلى إجراءات تشغيلية واضحة.
كذلك سيكون من المهم رصد ما إذا كانت الحكومة ستربط الاتفاقية بخطط ترويج الصادرات إلى أسواق مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان ونيجيريا وبنجلاديش، وهي أسواق ذات ثقل سكاني واستهلاكي يمكن أن تمثل فرصًا للمنتج المصري إذا جرى التعامل معها ضمن استراتيجية قطاعية محددة.
خلاصة المشهد
انضمام مصر إلى اتفاقية التجارة التفضيلية بين الدول الثماني النامية يمثل خطوة قانونية واقتصادية لها دلالة تتجاوز الصياغات الرسمية. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بتوقيع أو تصديق، بل بإضافة أداة جديدة إلى سياسة مصر التجارية في لحظة تبحث فيها الدولة عن أسواق أوسع للصادرات، وشراكات أكثر تنوعًا، وموقع أكثر فاعلية داخل تجمعات الجنوب العالمي. وإذا انتقل القرار سريعًا من الورق إلى التطبيق، فقد تتحول الاتفاقية إلى نافذة مهمة أمام التجارة المصرية خلال السنوات المقبلة.