قرار جمهوري يقر استضافة مصر للمركز الدولي للأسماك
مصر تعتمد رسميًا اتفاقية استضافة المركز الدولي للأسماك
دخلت اتفاقية استضافة جمهورية مصر العربية للمركز الدولي لإدارة الموارد والأحياء المائية ICLARM، المعروف عالميًا باسم WorldFish أو «المركز الدولي للأسماك»، مرحلة جديدة من الإقرار الرسمي بعد نشر قرار رئيس الجمهورية رقم 108 لسنة 2026 في الجريدة الرسمية، وهو القرار الصادر بتاريخ 21 فبراير 2026 والمتعلق بالموافقة على الاتفاقية، بعد استكمال المسار الدستوري والبرلماني الخاص بها.
ويحمل هذا التطور أهمية تتجاوز الصياغة القانونية المعتادة، لأنه يثبت استمرار استضافة مصر لإحدى أهم المؤسسات البحثية الدولية العاملة في مجالات الثروة السمكية والاستزراع المائي، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي، وفرص العمل، وتطوير الإنتاج في الريف المصري، خصوصًا في المحافظات التي تشهد نشاطًا واسعًا في المزارع السمكية.
ما الذي صدر رسميًا؟
بحسب ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار الجمهوري بالموافقة على اتفاقية استضافة مصر للمركز الدولي لإدارة الموارد والأحياء المائية «ICLARM»/المركز الدولي للأسماك، كما ورد أن القرار نُشر في الجريدة الرسمية في 24 سبتمبر 2026. وأوضحت متابعات برلمانية أن مجلس النواب وافق على القرار في جلسته المنعقدة يوم 30 يونيو 2026، بما استكمل الحلقة التشريعية اللازمة لدخوله حيز النفاذ الداخلي.
ومن الناحية العملية، فإن هذه الموافقة تعني تثبيت الإطار القانوني الذي تعمل من خلاله المؤسسة الدولية داخل مصر، بما يسمح بمواصلة البرامج البحثية والتدريبية والتعاون المؤسسي مع الجهات المصرية المعنية بالثروة السمكية والاستزراع المائي.
لماذا يهم القرار مصر؟
أهمية القرار تنبع من أن WorldFish ليست جهة رمزية أو مكتب تمثيل محدود النشاط، بل مؤسسة بحثية دولية غير هادفة للربح وعضو في منظومة CGIAR العالمية المعنية بالبحوث الزراعية والغذائية. وتوضح بيانات CGIAR أن المؤسسة تتخذ من بينانج في ماليزيا مقرًا رئيسيًا، ولها مكاتب تشغيلية في عدة دول من بينها مصر، حيث يقع مكتبها البحثي في العباسة بمركز أبو حماد في محافظة الشرقية.
وبالنسبة لمصر، يكتسب وجود هذا المركز وزنًا خاصًا لأن البلاد تعد من أكبر منتجي الاستزراع السمكي في أفريقيا والشرق الأوسط، بينما يوفّر المركز قاعدة للبحث والتدريب وبناء القدرات، بما يخدم تطوير سلاسل القيمة السمكية ورفع كفاءة المزارع وتحسين التغذية السمكية وصحة الأسماك والقدرة على التكيّف مع التغيرات المناخية.
استضافة ممتدة وشراكة قديمة
المعطيات المنشورة من WorldFish تشير إلى أن مصر تستضيف المركز منذ 1997، وأن الاتفاقية الجديدة تأتي لتمديد الاستضافة 25 عامًا إضافية. كما أوضحت المؤسسة في ديسمبر 2025 أن التجديد يشمل استمرار استضافة مركز العباسة للبحوث والتدريب في محافظة الشرقية، باعتباره محورًا رئيسيًا للأبحاث التطبيقية والتدريب في مجال الاستزراع السمكي الذكي مناخيًا.
ووفق البيانات نفسها، ساهمت الشراكة المصرية مع WorldFish في دعم تحول مصر إلى قوة بارزة في الإنتاج السمكي المستزرع، مع الإشارة إلى زيادة الإنتاج بنحو 12 ضعفًا خلال 25 عامًا. ورغم أن هذا الرقم يعبّر عن قراءة المؤسسة لمسار النمو طويل الأجل، فإنه يعكس بوضوح لماذا تراهن الدولة على استمرار التعاون مع المراكز الدولية المتخصصة في هذا القطاع.
العباسة.. الموقع الأهم في الاتفاقية
يُعد مركز العباسة للبحوث والتدريب في الشرقية القلب العملي لهذه الاستضافة. وتظهر بيانات CGIAR أن الموقع يقع في أبو حماد بعنوان Abbassa P.O. 44662، وأنه يعمل كمحطة بحثية ضمن الأصول التي توفرها الدولة المضيفة. هذا التثبيت مهم محليًا لأنه يضع محافظة الشرقية في صلب شبكة تعاون علمي دولي مرتبطة بإنتاج الغذاء المائي وتدريب الكوادر الفنية والبحثية.
كما يركز المركز، بحسب WorldFish، على ملفات شديدة الصلة بالسوق المصرية، منها تحسين أداء البلطي النيلي، وتطوير الأعلاف، ورفع كفاءة النظم الإنتاجية، وتعزيز شمول النساء في سلاسل القيمة، إلى جانب دراسات الاستدامة البيئية واستخدام التقنيات الملائمة للمناخ.
ماذا قدم المركز لمصر حتى الآن؟
من أبرز ما نُشر عن نتائج التعاون المصري مع WorldFish خلال السنوات الأخيرة تطوير سلالة العباسة من البلطي النيلي، وهي إحدى النتائج البحثية التي تتعامل معها المؤسسة باعتبارها نموذجًا لتحسين الإنتاجية وتقليل الأثر البيئي. كما أشارت المؤسسة إلى أن برامجها التدريبية من خلال مركز العباسة وصلت منذ 1999 إلى أكثر من 15 ألف مستفيد من أكثر من 100 دولة، بينهم باحثون ومزارعون ومرشدون زراعيون وشباب ونساء عاملات في تجارة الأسماك.
كذلك برز دور المركز في التعاون مع جهات مصرية مثل مركز البحوث الزراعية والمعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية وشركاء آخرين، سواء في مجالات البحث العلمي أو التدريب أو وضع تصورات لتطوير القطاع على المدى المتوسط والطويل.
دلالات سياسية واقتصادية للقرار
سياسيًا، يعكس القرار استمرار توجه الدولة المصرية نحو تثبيت الشراكات الدولية التي ترتبط بالأمن الغذائي والبحث العلمي التطبيقي، لا سيما في القطاعات التي تمس الإنتاج المحلي وفرص التصدير والتشغيل. كما أن موافقة مجلس النواب ثم نشر القرار في الجريدة الرسمية يمنحان الاتفاقية سندًا قانونيًا واضحًا ومعلنًا.
اقتصاديًا، يتقاطع القرار مع احتياجات مصر لزيادة كفاءة إنتاج الغذاء، خصوصًا في ظل ضغوط المياه والطاقة وكلفة الأعلاف وتحديات المناخ. وتعمل الأبحاث المرتبطة بالاستزراع السمكي عادة على ملفات عملية مثل تحسين السلالات، وتقليل الفاقد، ورفع معدلات التحويل الغذائي، وتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق التي تفرض اشتراطات جودة وسلامة أعلى.
ما التالي بعد الموافقة؟
المؤشرات المتاحة من WorldFish توضح أن المرحلة المقبلة مرشحة للتركيز على عدة محاور، من بينها:
- استمرار التحسين الوراثي للبلطي النيلي وتوسيع الاستفادة من السلالات المحسنة.
- تطوير أعلاف أكثر كفاءة وأقل تكلفة بما يساعد المزارع السمكية المصرية.
- دعم متطلبات التصدير والشهادات للمزارع السمكية التي تستهدف أسواقًا خارجية.
- التوسع في التطبيقات المرتبطة بالمناخ والطاقة داخل سلاسل القيمة السمكية.
- تعزيز إجراءات الصحة الحيوية وجودة الإنتاج بالتعاون مع الجهات الوطنية.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت CGIAR إطلاق شراكة جديدة يقودها WorldFish مع دعم من ACIAR للعمل على الاستزراع السمكي الذكي مناخيًا في مصر ونيجيريا، بالتعاون مع مركز البحوث الزراعية والمعمل المركزي لبحوث الاستزراع المائي وشركاء من القطاع الخاص، وهو ما يوضح أن وجود المركز في مصر لا يقتصر على اتفاقية استضافة، بل يرتبط بخط مشروعات قائم بالفعل ويتوسع.
خلاصة المشهد
قرار الموافقة على استضافة مصر للمركز الدولي للأسماك ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل خطوة تؤكد بقاء مصر منصة إقليمية للبحث والتدريب في مجال الأحياء المائية والاستزراع السمكي. وبينما تبدو لغة القرارات الرسمية مقتضبة بطبيعتها، فإن ما وراءها يكشف عن ملف يرتبط بالأمن الغذائي والتنمية الريفية والبحث العلمي وفرص الاستثمار في قطاع يزداد وزنه عامًا بعد عام داخل الاقتصاد المصري.
ومع استمرار عمل المركز في العباسة بمحافظة الشرقية وتمديد الاستضافة لسنوات طويلة مقبلة، تبدو الرسالة الأوضح أن مصر تريد الحفاظ على موقعها ليس فقط كمنتج كبير للأسماك المستزرعة، بل أيضًا كمركز معرفة وتدريب وبحث يخدمها ويخدم المنطقة المحيطة بها.