قصف أبو الظهور يشعل سجالًا بين إسرائيل وواشنطن
قصف مطار أبو الظهور يفتح مواجهة سياسية تتجاوز حدود الضربة
تحول استهداف مطار أبو الظهور العسكري في شمال غرب سوريا إلى نقطة اشتعال سياسية ودبلوماسية، بعدما انتقل الجدل من الميدان إلى التصريحات العلنية بين إسرائيل والولايات المتحدة. فالضربة التي استهدفت القاعدة الواقعة في ريف إدلب الشرقي لم تُقرأ فقط باعتبارها عملية عسكرية، بل باعتبارها رسالة مباشرة مرتبطة بالوجود التركي المحتمل في المنطقة وبمحاولة رسم قواعد اشتباك جديدة داخل الساحة السورية.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن أهمية هذه التطورات لا تتعلق بسوريا وحدها، بل بما تكشفه من تغيّر في توازنات الإقليم: إسرائيل ترفع سقف التحذيرات، وواشنطن تحاول منع الانزلاق إلى صدام أوسع، بينما تتمسك أنقرة ودمشق برفض المبررات الإسرائيلية. وفي قلب هذا المشهد برز اسم المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، الذي انتقد الضربة، قبل أن يرد عليه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بلهجة حادة.
ماذا حدث في مطار أبو الظهور؟
بحسب تقارير ميدانية متطابقة، استهدفت غارات إسرائيلية مطار أبو الظهور العسكري خلال الأسبوع الجاري، وأصابت المدرج ومرافق داخل القاعدة من دون الإعلان عن خسائر بشرية. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الضربات جاءت في وقت يتصاعد فيه التوتر حول احتمال استخدام القاعدة في إطار تحركات عسكرية مرتبطة بتركيا داخل سوريا. كما أشارت الوكالة إلى أن القاعدة تقع في موقع استراتيجي قرب التقاء أرياف إدلب وحماة وحلب، ما يفسر حساسيتها العسكرية.
وتفيد المعطيات المنشورة بأن مطار أبو الظهور ليس منشأة عسكرية عادية؛ فقد تعرض خلال سنوات الحرب السورية لدمار واسع، وتناوبت عليه قوى مختلفة، ما أخرجه عمليًا من الخدمة لفترات طويلة. تقارير حديثة أشارت كذلك إلى أن القاعدة لم تستعد جاهزيتها الكاملة بعد، رغم الحديث عن أعمال إعادة تأهيل ومحاولات لإعادة توظيفها ميدانيًا.
توم باراك: الضربة “تصعيد غير ضروري”
الانتقاد الأبرز جاء من توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، الذي عبّر عن قلق واشنطن من الضربة، واعتبرها تصعيدًا غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي. كما نقلت تقارير أمريكية أن باراك قال إن إسرائيل لم تقدم إخطارًا مسبقًا للولايات المتحدة قبل تنفيذ الغارة، وهو ما زاد حساسية الموقف، خصوصًا في ظل وجود مخاوف من احتكاك مباشر مع تركيا إذا فُهم الهجوم على أنه استهداف لتحرك يخصها.
هذه النقطة تحديدًا كانت الأكثر إثارة للجدل؛ لأن مسألة الإخطار المسبق بين الحلفاء في الملفات الحساسة غالبًا ما تُستخدم لقياس مستوى التنسيق الحقيقي. ومن هنا بدا تصريح باراك وكأنه رسالة سياسية مزدوجة: اعتراض على التوقيت من جهة، وتحذير من توسيع دائرة الصدام من جهة أخرى.
كيف رد يسرائيل كاتس؟
الرد الإسرائيلي لم يتأخر. فبحسب ما نقلته أسوشيتد برس، نفى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وجود فجوة كاملة في الإخطار، وقال إن إسرائيل قررت تنبيه مسؤولين كبار في الحكومة السورية. هذا الرد لم يكن مجرد توضيح تقني، بل حمل في جوهره رفضًا للرواية الأمريكية التي أوحت بأن الضربة نُفذت من دون تنسيق أو تنبيه كافٍ.
ويعكس هذا السجال اختلافًا واضحًا في طريقة إدارة الملف السوري بين تل أبيب وواشنطن. فإسرائيل تنظر إلى أي تموضع عسكري جديد قرب حدودها أو في مناطق ترى أنها تمس ميزان الردع باعتباره تهديدًا ينبغي إجهاضه مبكرًا، بينما تبدو الإدارة الأمريكية أكثر حرصًا على منع التصعيد مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وعلى تجنب انفجار مواجهة ثلاثية تضم إسرائيل وتركيا وسوريا.
البعد التركي في الأزمة
جوهر القضية لا ينفصل عن أنقرة. فعدة تقارير أفادت بأن وفدًا تركيًا زار القاعدة قبل وقت قصير من تعرضها للقصف، وهو ما أعطى انطباعًا بأن مطار أبو الظهور قد يدخل ضمن ترتيبات أمنية أو لوجستية جديدة في الشمال السوري. ورغم عدم صدور تأكيد تركي تفصيلي بشأن طبيعة المهمة، فإن إسرائيل قدمت الضربة باعتبارها خطوة لمنع انتشار تركي تعتبره مهددًا لأمنها.
في المقابل، تحدثت تقارير عن نفي أمريكي لوجود تحركات تركية بالصيغة التي روّجت لها إسرائيل، أو على الأقل عن غياب تأكيد أمريكي علني للرواية الإسرائيلية الكاملة. وهذا التباين في التوصيف مهم؛ لأنه يوضح أن الخلاف لا يدور فقط حول القصف نفسه، بل حول تفسير ما كان يجري على الأرض قبل الضربة.
موقف دمشق وتداعياته الإقليمية
دمشق دانت الهجوم واعتبرته اعتداءً على السيادة السورية، وأرسلت رسائل احتجاج إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالبة بوقف الانتهاكات الإسرائيلية والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974. ويشير هذا المسار إلى أن سوريا تحاول تدويل الواقعة سياسيًا، حتى لو كانت موازين القوة الميدانية لا تسمح برد عسكري مباشر.
وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل حسابات ما بعد الحرب في غزة مع ترتيبات النفوذ في سوريا، ومع التوتر المتصاعد أصلًا بين إسرائيل وتركيا. لذلك، فإن أي ضربة من هذا النوع لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي تتركه، بل بما إذا كانت تؤسس لمرحلة جديدة من الاشتباك غير المباشر بين القوى المتنافسة على الأرض السورية.
هل تتجه الأزمة إلى مزيد من التصعيد؟
حتى الآن، تبدو واشنطن معنية بإنشاء آلية تمنع سوء التقدير بين إسرائيل وتركيا وسوريا، وفق ما نُقل عن توم باراك. هذه الإشارة مهمة لأنها تعني أن الإدارة الأمريكية ترى خطرًا حقيقيًا في تحوّل الحوادث العسكرية المحدودة إلى مواجهة أوسع، خصوصًا إذا تكررت الضربات قرب مناطق تتحرك فيها أطراف عدة في وقت واحد.
أما إسرائيل، فتبدو مصممة على تثبيت معادلة ردع استباقي داخل سوريا، حتى لو اصطدمت هذه السياسة بتحفظات أمريكية علنية. وفي حال استمرت الشكوك الإسرائيلية بشأن أي دور تركي في إعادة تأهيل قواعد أو بنى عسكرية سورية، فإن احتمالات تكرار الضربات ستظل قائمة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الهش أصلًا في الشمال السوري.
أبرز النقاط في الأزمة
- الضربة: استهدفت مدرج ومرافق في مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب.
- الموقف الأمريكي: توم باراك وصف الغارة بأنها تصعيد غير ضروري.
- الرد الإسرائيلي: يسرائيل كاتس رفض رواية غياب الإخطار بالكامل.
- العامل التركي: تقارير تحدثت عن زيارة وفد تركي للقاعدة قبل القصف.
- الموقف السوري: إدانة رسمية وتحرك دبلوماسي لدى الأمم المتحدة.
خلاصة المشهد أن قصف مطار أبو الظهور لم يعد مجرد خبر عسكري عابر، بل أصبح اختبارًا جديدًا لعلاقة إسرائيل بواشنطن، ولمستوى التوتر مع تركيا داخل الساحة السورية. وبين التحذيرات الأمريكية والإصرار الإسرائيلي، تبقى سوريا ساحة مفتوحة لرسائل القوة، في وقت لا تبدو فيه المنطقة قريبة من تهدئة مستقرة.