Akhbar Cairo

قصف قرب مستشفى شهداء الأقصى: بين الرواية العسكرية وحماية الصحة

قصف بجوار مستشفى منهك.. ولماذا لا تكفي الرواية العسكرية وحدها؟

عاد مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح إلى قلب الجدل بعد حديث الجيش الإسرائيلي عن استهداف مخازن قال إنها ضمت بنادق كلاشنيكوف وعبوات ناسفة ومعدات عسكرية أخرى، مع زعم أن منشأة ملاصقة للمستشفى استُخدمت مخبأً لعناصر من حركة حماس. لكن في قضايا من هذا النوع، لا يقف النقاش عند حدود البيان العسكري، لأن نقطة الاشتباك هنا ليست مبنى عادياً، بل محيط منشأة صحية تعمل أصلاً تحت ضغط هائل في وسط قطاع غزة.

ومن زاوية تحليلية، فإن السؤال الأدق ليس فقط: هل كانت الضربة موجهة إلى هدف عسكري؟ بل أيضاً: ما حجم الأدلة القابلة للتحقق؟ وما الذي يعنيه استهداف موقع ملاصق لمستشفى يستقبل الجرحى والنازحين ويعاني من ضغط متواصل على الأسرة والطواقم والإمدادات؟ هذه الأسئلة تهم القارئ المصري مباشرة، لأن أي نقاش حول الحرب في غزة لا ينفصل في القاهرة عن ملفي الإغاثة الإنسانية وحماية المدنيين، ولا عن الجدل الأوسع بشأن حدود المشروعية العسكرية عندما تصبح المستشفيات ومحيطها مسرحاً للنار.

ما الذي أمكن التحقق منه؟

المتاح للتحقق من مصادر دولية موثوقة يؤكد أن مستشفى شهداء الأقصى يقع في دير البلح وسط قطاع غزة، وأنه من بين المستشفيات التي تعرضت مراراً لضغوط واستهدافات في سياق الحرب، كما أنه ظل خلال 2025 واحداً من المستشفيات التي وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها مثقلة بتدفق المصابين، خصوصاً مع موجات النزوح نحو دير البلح وخان يونس. كما توثق دراسات وتقارير صحية دولية أن المستشفى لعب دوراً محورياً خلال الحرب في استقبال إصابات الرضوح والجراحة الطارئة، وأنه عمل في بيئة أقرب إلى الاستنزاف الدائم منها إلى الخدمة الطبية الطبيعية.

كذلك، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الخاصة بالوضع الصحي في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى أن النظام الصحي في غزة كان عند نقطة الانكسار، مع تراجع المخزون الدوائي واختناق سلاسل الإمداد، فيما حذرت المنظمة من أن المستشفيات الكبرى المتبقية تؤدي وظائف تتجاوز قدرتها الفعلية. وتكتسب دير البلح تحديداً حساسية إضافية لأن تدمير مستودعات أو مرافق لوجستية فيها، سواء كانت صحية أو مدنية أو ملاصقة لمرافق صحية، ينعكس سريعاً على الخدمة الطبية وعلى فرص بقاء الجرحى قيد العلاج.

أما بخصوص الزعم المحدد بأن المستهدف كان مخزناً للسلاح ملاصقاً للمستشفى، فلم يتيسر التحقق المستقل من تفاصيله الميدانية على نحو يسمح بالجزم بطبيعة المحتويات أو استخدام المبنى وقت الضربة. وفي التغطيات المرتبطة بالمستشفى خلال الحرب، برز نمط متكرر: ادعاءات إسرائيلية باستخدام محيط المرافق الطبية لأغراض عسكرية، يقابلها نزاع مستمر حول كفاية الأدلة وحول أثر العمليات على المدنيين والرعاية الصحية. هذه الفجوة بين الادعاء والإثبات ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي لب المسألة السياسية والقانونية.

لماذا يظل محيط المستشفى منطقة فائقة الحساسية؟

في الحروب التقليدية، قد يبدو النقاش حول «الهدف العسكري» كافياً لإغلاق الملف. لكن عندما يكون الهدف المعلن ملاصقاً لمستشفى، فإن الحسابات تتبدل. المستشفيات لا تُقاس فقط بجدرانها، بل أيضاً بممرات الإسعاف، وساحات الانتظار، والمخازن، ومناطق إيواء النازحين، وخطوط الإمداد التي تحفظ الحد الأدنى من عمل غرف الطوارئ. لذلك فإن ضرب منشأة قريبة جداً من مستشفى قد يعطل الوظيفة الصحية حتى لو لم يُصَب المبنى الرئيسي مباشرة.

وفي حالة مستشفى شهداء الأقصى، فإن هذا الاستنتاج ليس افتراضاً نظرياً. تقارير متعددة وثقت سابقاً قصفاً أو أضراراً أو حالات ذعر ونزوح وإرباك في محيط المستشفى، ما يؤكد أن مفهوم “الاستهداف غير المباشر” للمرفق الصحي صار واقعاً متكرراً في غزة. وبالنسبة إلى القارئ في مصر، فإن هذه النقطة مهمة لأن أثر الضربة لا يُقاس فقط بعدد القتلى أو بحرائق اللحظة، بل بما إذا كانت تترك المستشفى قادراً على استقبال الجرحى في اليوم التالي.

الرواية الإسرائيلية في الميزان

تقول إسرائيل، في حالات كثيرة مشابهة، إن جماعات مسلحة تستخدم البنية المدنية، بما فيها محيط المستشفيات، لأغراض قتالية أو للاحتماء. هذا الخطاب ليس جديداً، وقد تكرر في ملفات عدة تتعلق بمستشفيات غزة. لكن المعضلة أن الإثبات العام لا يساوي الإثبات في الحالة المحددة. حتى لو وُجدت سوابق أو ادعاءات أوسع، يبقى مطلوباً في كل حادثة على حدة تقديم ما يبرر الضربة، وإظهار أن الأذى المتوقع للمدنيين والمنظومة الصحية لم يكن مفرطاً مقارنة بالهدف العسكري المعلن.

ومن منظور تحليلات الرأي، يمكن القول إن إسرائيل تواجه مشكلة متزايدة في الإقناع الدولي كلما اقتربت العمليات من المستشفيات. السبب ليس سياسياً فقط، بل بصري وأخلاقي أيضاً: صور المرضى والنازحين والطواقم المستنزفة تحوّل أي خطاب عسكري إلى مادة اختبار قاسية أمام الرأي العام. ولهذا فإن مجرد القول إن المخزن كان يحتوي أسلحة لا يحسم الجدل، ما لم تتوافر قرائن مستقلة ويمكن تدقيقها، وهو ما لم يظهر على نحو كافٍ في المعلومات المتاحة للتحقق حتى الآن.

دير البلح ومعادلة “الملاذ غير الآمن”

تكشف الوقائع الأوسع في وسط غزة أن دير البلح لم تعد تُقرأ كمجرد نقطة جغرافية، بل كرمز لمعادلة أشد تعقيداً: الأماكن التي يقصدها المدنيون والجرحى بحثاً عن النجاة تتحول بدورها إلى مساحات مكشوفة للخطر. منظمة الصحة العالمية تحدثت عن موجات نزوح جديدة نحو دير البلح وخان يونس، وعن مستشفيات مثقلة بالمصابين، بينما وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعماً تقنياً ومائياً لمستشفيات من بينها مستشفى الأقصى، بما يعكس أهمية هذا المرفق في شبكة البقاء الصحي داخل القطاع.

هنا تتجاوز القضية سؤال “ماذا كان داخل المخزن؟” إلى سؤال أكبر: هل بقي في غزة فضاء صحي محصن فعلاً من منطق الحرب؟ إذا كانت الإجابة العملية تميل إلى النفي، فذلك يعني أن كل ضربة قرب مستشفى، حتى حين تُبرر عسكرياً، تضيف طبقة جديدة من تقويض الثقة في فكرة الحماية نفسها.

ماذا يعني ذلك سياسياً وقانونياً؟

سياسياً، يفاقم هذا النوع من الضربات الشكوك حول قدرة أي طرف على الفصل بين الضغط العسكري ومتطلبات حماية المدنيين. وقانونياً، تبقى المرافق الصحية مشمولة بحماية خاصة، ولا تسقط هذه الحماية بسهولة أو بمجرد الادعاء. وحتى في حال وجود استخدام عسكري غير مشروع لموقع قريب من مستشفى، فإن ذلك لا يلغي تلقائياً واجب التحقق والاحتياط والتناسب.

في النقاش العربي، وخصوصاً في مصر، تبدو هذه القضية أكثر من مجرد خبر ميداني. هي اختبار لمصداقية الخطاب الدولي كله: هل ما زالت قواعد حماية المستشفيات قابلة للتطبيق في غزة، أم أنها تحولت إلى نصوص تُستدعى في البيانات وتغيب في الميدان؟

خلاصة الرأي

لا توجد، استناداً إلى المعلومات التي أمكن التحقق منها، أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بأن المنشأة الملاصقة لمستشفى شهداء الأقصى كانت بالفعل مخزناً عسكرياً بالوصف الذي قدمه الجيش الإسرائيلي. المؤكد، في المقابل، أن المستشفى نفسه يعمل داخل بيئة صحية وإنسانية شديدة الهشاشة، وأن أي استهداف في جواره يحمل أثراً يتجاوز نقطة الضربة إلى المنظومة الطبية كلها.

لهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط إن كانت إسرائيل قد دمرت “مستودعات طبية” أو “مخازن سلاح”، بل ما إذا كان الاقتراب المتكرر من محيط المستشفيات صار سياسة تبتلع الفرق بين الهدف العسكري والضرر الإنساني. وفي ظل الانهيار الصحي المستمر في غزة، تبدو الإجابة أكثر قتامة من أي بيان عسكري مختصر.