Akhbar Cairo

قمة العلمين الرباعية: لماذا جاء التوقيت حاسمًا؟

قمة رباعية في العلمين وسط لحظة إقليمية ضاغطة

تتجه الأنظار إلى مدينة العلمين الجديدة مع انعقاد قمة رباعية تشاورية تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. ويأتي الاجتماع في توقيت لافت، بالتزامن مع استضافة مصر أعمال الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي في العلمين خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، وهو ما يمنح التحرك المصري بعدًا سياسيًا وقاريًا يتجاوز الإطار الثنائي أو التقليدي.

الإعلان عن القمة صدر عبر المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي، الذي أوضح أن القمة تجمع قادة الدول الأربع في العلمين، بينما أكدت المواد التعريفية الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات أن المدينة تستضيف في الأيام نفسها سلسلة فعاليات إفريقية رفيعة المستوى تحت شعار «أفريقيا على أرض العلمين». هذا التزامن يجعل القمة جزءًا من مشهد أوسع تتحرك فيه القاهرة لتكثيف الحضور المصري في الملفات الإفريقية الحساسة، خاصة في الجوار الشرقي والبحر الأحمر.

ما دلالة التوقيت؟

أهمية التوقيت ترتبط أولًا بأن القمة تنعقد في لحظة تشهد فيها منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تغيرات متسارعة سياسيًا وأمنيًا. فالدول الأربع معنية بصورة مباشرة بمسارات الاستقرار في السودان، وبأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وبالاصطفافات الإقليمية التي أخذت طابعًا أكثر حدة خلال الأسابيع الأخيرة.

كما أن الاجتماع يأتي بعد مسار تنسيقي سابق بين مصر وإريتريا والصومال. ففي 10 أكتوبر 2024 عُقدت في أسمرة قمة ثلاثية جمعت مصر وإريتريا والصومال، وركز بيانها المشترك على دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه، ومتابعة تطورات السودان، والتشاور بشأن أمن البحر الأحمر والتعاون الإقليمي. ثم تبع ذلك اجتماع للجنة الوزارية المشتركة بين الدول الثلاث لمتابعة ما تم الاتفاق عليه. من هنا، تبدو قمة العلمين امتدادًا لبناء سياسي قائم بالفعل، مع إضافة السودان هذه المرة بوصفه طرفًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي.

ومن زاوية مصرية، فإن استضافة العلمين لهذا النوع من اللقاءات تعكس أيضًا توظيف المدينة الجديدة كمنصة للدبلوماسية الرئاسية والاقتصادية معًا، بعد أن تحولت في السنوات الأخيرة إلى مقر لاستضافة قمم وفعاليات دولية وقارية متعددة، وهو ما يرسخ حضورها كواجهة سياسية إلى جانب بعدها العمراني والسياحي.

الملفات الأبرز على الطاولة

1- أمن البحر الأحمر وباب المندب

يُعد هذا الملف في صدارة أولويات القمة، بالنظر إلى أن مصر تعتبر أمن البحر الأحمر جزءًا مباشرًا من أمنها القومي، سواء من زاوية الملاحة الدولية أو من زاوية حماية خطوط التجارة والطاقة. كما أن إريتريا والصومال والسودان جميعها دول مطلة أو مؤثرة في هذا المجال الحيوي، ما يجعل أي تنسيق بينها وبين القاهرة ذا ثقل استراتيجي واضح.

الاهتمام بهذا الملف لا ينفصل عن الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، ولا عن المساعي الإقليمية لتعزيز آليات التشاور بين الدول المشاطئة. وفي السياق نفسه، أشارت متابعات رسمية مصرية حديثة إلى استمرار التعاون مع الصومال في ملفات الأمن البحري ودعم الاستقرار في البحر الأحمر.

2- تطورات الأزمة السودانية

السودان حاضر بقوة في القمة، ليس فقط من خلال مشاركة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولكن لأن الأزمة السودانية نفسها باتت أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار في جوار مصر المباشر. القاهرة تدفع منذ اندلاع الحرب السودانية باتجاه الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها، بينما تمثل مشاركة السودان في هذا اللقاء الرباعي فرصة لتبادل الرؤى مع أطراف إفريقية مطلة على مسرح الأزمة أو متأثرة بتداعياتها.

ومن المرجح أن يناقش القادة تداعيات الحرب على الأمن الحدودي، وحركة النزوح واللجوء، وتأثير استمرار الصراع على التوازنات داخل القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وبالنسبة لمصر، فإن أي تحرك جماعي داعم لخفض التصعيد في السودان يحمل قيمة إضافية، خاصة إذا ارتبط بمواقف سياسية منسقة بدلًا من التحركات المنفردة.

3- القرن الإفريقي وإعادة ترتيب التوازنات

الملف الثالث يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات داخل القرن الإفريقي نفسه. فمصر عززت خلال الفترة الأخيرة تعاونها مع الصومال على نحو ملحوظ، وأكدت مرارًا دعمها الكامل لسيادة مقديشيو ووحدة أراضيها. وتُظهر بيانات «مصر وأفريقيا» التابعة للهيئة العامة للاستعلامات أن العلاقات المصرية الصومالية شهدت زخمًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا خلال 2024 و2026، بما في ذلك توسع التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب والنقل البحري والاستثمار.

أما إريتريا، فهي شريك مهم في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتربطها بالقاهرة علاقات سياسية متنامية. ولهذا فإن جمع مصر وإريتريا والصومال مع السودان في قمة واحدة يرسل إشارة إلى وجود رغبة في بلورة مساحة تشاور بين دول ترى أن استقرار الإقليم يجب أن يُصاغ من داخل المنطقة، لا أن يُترك فقط لتجاذبات خارجية.

4- مياه النيل والقلق من التوترات الإقليمية

رغم أن البيانات الأولية للقمة ركزت بصورة أوسع على القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فإن ملف مياه النيل يظل حاضرًا في خلفية المشهد، خصوصًا من منظور الأمن القومي المصري. فالتطورات السياسية في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي كثيرًا ما تتقاطع مع حسابات القاهرة المرتبطة بالأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القمة مخصصة لهذا الملف وحده، لكنها تنعقد في بيئة إقليمية تجعل التشاور بين العواصم الأربع مهمًا لفهم المشهد الأوسع، سواء من زاوية الاستقرار أو من زاوية منع انتقال التوترات السياسية إلى ملفات الموارد والممرات المائية.

لماذا تستضيف مصر القمة في العلمين تحديدًا؟

اختيار العلمين ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. فالمدينة باتت خلال 2026 مركزًا لفعاليات إفريقية بارزة، من بينها قمة «النيباد» ومنتدى «العلمين - أفريقيا للأعمال» والاجتماع التنسيقي لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي. ووفق الهيئة العامة للاستعلامات، استضافت المدينة هذه الفعاليات في إطار رؤية مصر لتعزيز التكامل القاري وربط السياسة بالاقتصاد والتنمية.

هذا السياق يمنح القمة الرباعية معنى إضافيًا: فهي لا تُعقد في عزلة عن الأجندة الإفريقية، بل على هامش تجمع قاري أوسع، بما يتيح للقاهرة توصيل رسالتين في وقت واحد؛ الأولى أن مصر لاعب سياسي رئيسي في قضايا الأمن الإقليمي، والثانية أنها تربط هذا الدور بمشروعات تعاون وتنمية وشبكات مصالح داخل القارة.

ماذا يمكن أن تخرج به القمة؟

من المبكر الحديث عن مخرجات تفصيلية قبل صدور البيان الختامي، لكن المؤكد أن مجرد انعقاد القمة الرباعية بهذا التشكيل يحمل دلالة سياسية مهمة. فهو يعكس تقاربًا في تقدير المخاطر بين الدول الأربع، ويؤشر إلى أن القاهرة تتحرك لبناء مسار تشاوري منتظم مع شركاء أفارقة ترتبط مصالحهم مباشرة بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي واستقرار السودان.

وإذا نجح اللقاء في تثبيت آلية متابعة أو تنسيق دوري، فسيكون ذلك تطورًا لافتًا في بنية التفاعلات الإقليمية المحيطة بمصر. أما بالنسبة للداخل المصري، فإن القمة تعزز صورة العلمين الجديدة كمدينة لا تستضيف فقط الفعاليات الاقتصادية والسياحية، بل باتت أيضًا منصة لاستقبال اجتماعات سياسية من الوزن الثقيل على مستوى القارة.

في المحصلة، تبدو قمة العلمين الرباعية أكثر من مجرد اجتماع تشاوري عابر. إنها اختبار جديد لقدرة مصر على تحويل ثقلها الدبلوماسي إلى شبكات تفاهم إقليمي في واحدة من أكثر دوائر الجوار حساسية وتعقيدًا.