Akhbar Cairo

قمة لاهاي للناتو: كيف تغيّر أمن أوروبا وما يعنيه ذلك لمصر

قمة لاهاي تفتح مرحلة جديدة في الأمن الأوروبي

لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي يومي 24 و25 يونيو 2025 مجرد اجتماع دوري للحلف، بل لحظة سياسية وعسكرية أعادت ترتيب أولويات الأمن الأوروبي تحت ضغط عاملين واضحين: استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بخطاب أكثر صراحة في مطالبة الأوروبيين بدفع كلفة أكبر للدفاع الجماعي. النتيجة الأبرز كانت تعهد دول الحلف بالوصول إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي والأمني بحلول 2035.

وبحسب ما أعلنه الناتو رسميًا بعد القمة، ينقسم هذا الهدف إلى 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية للجيوش، و1.5% لبنود مرتبطة بالأمن مثل حماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، والجاهزية المدنية، ودعم القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه قفزة كبيرة مقارنة بالهدف القديم البالغ 2% الذي ظل لسنوات محل شد وجذب داخل الحلف.

لماذا رضخت أوروبا لهذه القفزة الآن؟

السبب الأول أمني بحت. فالحلف نفسه قال في لاهاي إن التهديدات لم تعد نظرية: روسيا مستمرة في الحرب، والهجمات السيبرانية والتخريب واستهداف البنية التحتية صارت جزءًا من المشهد الأمني الأوروبي. ولهذا شدد البيان والفعاليات الموازية على الردع، والجاهزية، وتسريع الإنتاج العسكري، وليس فقط زيادة الميزانيات على الورق.

لكن السبب الثاني سياسي وشخصي أيضًا: إدارة العلاقة مع ترامب. تقارير غربية عدة، بينها رويترز ووكالة أسوشيتد برس، وصفت القمة بأنها صيغت إلى حد كبير لتفادي صدام مع الرئيس الأميركي، بعدما جعل منذ سنوات مسألة “تقاسم الأعباء” معيارًا أساسيًا لالتزام واشنطن تجاه الحلفاء. وفي لاهاي، أعلن ترامب صراحة أن ما جرى يمثل “انتصارًا كبيرًا”، بينما أعاد القادة في البيان الختامي التأكيد على الالتزام “الراسخ” بالمادة الخامسة، أي أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع.

هذه المعادلة مهمة: أوروبا وافقت على إنفاق أعلى كي تحافظ على المظلة الأميركية، وترامب منح في المقابل رسالة دعم أوضح للحلف مما كان يخشاه بعض الأوروبيين قبل القمة. بمعنى آخر، لاهاي لم تكن فقط عن أرقام؛ كانت عن شراء قدر أكبر من اليقين السياسي الأميركي.

ما الذي يتغير داخل أوروبا نفسها؟

1) من “دولة الرفاه” إلى “دولة الجاهزية”

رفع الإنفاق إلى 5% بحلول 2035 يعني أن الحكومات الأوروبية ستدخل في مفاضلات صعبة بين الدفاع والإنفاق الاجتماعي والاستثمارات المدنية. وحتى مع توزيع النسبة بين إنفاق عسكري مباشر وإنفاق أمني أوسع، فإن الرسالة واضحة: الأمن عاد ليتقدم على أولويات كثيرة في الموازنات.

2) توسع صناعي وعسكري طويل المدى

قمة لاهاي لم تتحدث فقط عن شراء سلاح، بل عن توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية عبر الأطلسي. وهذا يتقاطع مع مسار أوروبي أوسع داخل الاتحاد الأوروبي. فمجلس الاتحاد الأوروبي أقر في 27 مايو 2025 أداة SAFE بقيمة تصل إلى 150 مليار يورو لتقديم قروض للدول الأعضاء من أجل المشتريات الدفاعية المشتركة، كما عرضت المفوضية الأوروبية في مارس 2025 خطة Readiness 2030 / ReArm Europe التي تتحدث عن إمكانية تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو إضافية للإنفاق الدفاعي حتى 2030.

3) تباينات أوروبية لن تختفي

رغم الاتفاق، لم تدخل كل العواصم القمة بالحماسة نفسها. إسبانيا كانت المثال الأوضح؛ إذ بقيت موضع انتقاد علني من ترامب بعد إعلانها أنها تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلف من دون الوصول فعليًا إلى سقف 5% كما يريده. هذا يكشف أن التوافق الأوروبي على الورق لا يلغي الخلاف حول الكلفة والوتيرة وكيفية الحساب.

أوكرانيا: بند حاضر لكن أقل بروزًا

من نتائج لاهاي اللافتة أيضًا أن دعم أوكرانيا استمر، لكن بصياغة أقل مركزية مما كان في قمم سابقة. الناتو أعلن أن الحلفاء قدموا 99% من مجمل المساعدات العسكرية التي تلقتها كييف منذ الغزو الروسي الشامل في 2022، وأنهم تعهدوا هذا العام بأكثر من 35 مليار يورو إضافية من المساعدات الأمنية. مع ذلك، لاحظت تغطيات غربية أن حضور الملف الأوكراني في المشهد العام للقمة كان أكثر انضباطًا وأقل صدامية، بما ينسجم مع أولوية الحفاظ على وحدة الحلف أمام ترامب.

لماذا يهم هذا القارئ المصري؟

أولًا: لأن أمن أوروبا ينعكس على شرق المتوسط

أي إعادة تسليح واسعة في أوروبا تعني تركيزًا أكبر على أمن البحر الأسود، وخطوط الطاقة، والموانئ، والربط اللوجستي والعسكري. ومصر، بحكم موقعها في شرق المتوسط وقناة السويس وعلاقاتها المتشعبة مع أوروبا والولايات المتحدة، ليست خارج هذا المجال. كل تغير في خريطة الإنفاق العسكري الأوروبي ينعكس على أولويات الشراكات، وحركة التصنيع العسكري، وتأمين سلاسل الإمداد والطاقة.

ثانيًا: لأن المال الذي يذهب للدفاع قد يضغط على الاقتصاد الأوروبي

أوروبا هي الشريك التجاري والاستثماري الأكبر لمصر في ملفات كثيرة، من الصادرات والطاقة إلى السياحة والتحويلات المرتبطة بسوق العمل. وإذا اضطرت الحكومات الأوروبية إلى توسيع الإنفاق الدفاعي بسرعة، فقد ينعكس ذلك على النمو، والديون، وأولويات الإنفاق الخارجي. هذا لا يعني تراجعًا تلقائيًا في العلاقات مع القاهرة، لكنه يعني بيئة أوروبية أكثر حذرًا في المال العام وأكثر تشددًا في ترتيب الأولويات.

ثالثًا: لأن سوق السلاح والتكنولوجيا سيتغير

إذا ضخت أوروبا مئات المليارات في الدفاع خلال العقد المقبل، فسنشهد موجة طلب كبيرة على الذخائر، والدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية. هذه ليست قصة أوروبية داخلية فقط؛ إنها تحول في سوق عالمي يؤثر في الأسعار، وسلاسل التوريد، وفرص الشراكات مع دول متوسطية وعربية بينها مصر.

رابعًا: لأن علاقة أوروبا بترامب ستؤثر في ملفات المنطقة

كلما زاد اعتماد الأوروبيين على تسوية خلافاتهم مع ترامب عبر تقديم تنازلات في ملف الدفاع، زادت أهمية السؤال: ماذا سيطلب البيت الأبيض لاحقًا في ملفات التجارة، والطاقة، والشرق الأوسط؟ من هنا، فإن قمة لاهاي ليست حدثًا بعيدًا؛ إنها مؤشر على شكل العلاقة الأميركية الأوروبية التي ستؤثر بدورها في أزمات المتوسط، والهجرة، وأسعار الطاقة، وحتى أولويات الانخراط الغربي في المنطقة.

الخلاصة: أوروبا تدفع أكثر لتضمن أميركا أكثر

أهم ما كشفته قمة لاهاي أن أوروبا دخلت مرحلة الدفاع المكلف لا بوصفه خيارًا مؤجلًا، بل كواقع سياسي جديد. رفع الإنفاق إلى 5% بحلول 2035، وتوسيع أدوات التمويل الأوروبية مثل SAFE، والسعي إلى إرضاء ترامب من دون خسارة المظلة الأطلسية، كلها مؤشرات إلى أن القارة تعيد تعريف أمنها على أساس أقل مثالية وأكثر براغماتية.

من منظور مصري، المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت أوروبا ستشتري دبابات أكثر أو تزيد عدد جنودها، بل بما يعنيه ذلك لاقتصادها، وعلاقتها بواشنطن، وأمن المتوسط، وأسواق الطاقة والتسليح. لهذا تبدو قمة لاهاي حدثًا عالميًا بامتياز، لكنه أيضًا حدث له أثر مباشر وغير مباشر على البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر.

  • القرار المركزي: رفع مستهدف الإنفاق الدفاعي والأمني في الناتو إلى 5% بحلول 2035.
  • المعادلة السياسية: الأوروبيون يدفعون أكثر مقابل ضمان التزام أميركي أوضح بالحلف.
  • الأثر الأوسع: توسع صناعي عسكري أوروبي، وضغوط على الموازنات، وتداعيات على المتوسط والطاقة والأسواق.