قوات حليفة لأديس أبابا تعلن توسيع سيطرتها في تيجراي
تقدم ميداني جديد في تيجراي وسط تعقيدات إقليمية متزايدة
تشهد منطقة تيجراي في شمال إثيوبيا تطورات عسكرية متسارعة، بعدما أعلنت قوات متحالفة مع الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا تحقيق تقدم جديد داخل الإقليم، مؤكدة أنها ستواصل عملياتها حتى بسط السيطرة على كامل المنطقة. ويأتي هذا الإعلان في لحظة شديدة الحساسية، مع تجدد القتال على نحو يقوض تفاهمات السلام التي أوقفت الحرب السابقة في نوفمبر 2022، ويعيد القرن الأفريقي إلى دائرة التوتر المفتوح.
وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس خلال الأيام الأخيرة، قال القائد إرمياس أبابو، أحد قادة ما يعرف باسم قوات سلام تيجراي المتحالفة مع الحكومة الإثيوبية، إن هذه القوات واصلت التقدم بعد انسحاب خصومها من مواقع رئيسية داخل الإقليم. وأشارت تقارير الوكالة إلى أن القوات الحليفة للحكومة دخلت ميكيلي، عاصمة تيجراي، يوم الأحد 4 أكتوبر 2026، عقب إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي سحب قواتها من المدينة. كما ذكرت الوكالة أن القوات نفسها سيطرت على أبي عدي في منطقة تمبيان بعد ظهر الخميس 8 أكتوبر 2026، ثم على إيداغا هاموس في وقت مبكر من الجمعة 9 أكتوبر 2026.
ما الذي تغيّر على الأرض؟
التبدل الأبرز في المشهد الميداني تمثل في انتقال ميزان السيطرة داخل عدد من المراكز الحيوية في تيجراي خلال أقل من أسبوع. فبعدما كانت ميكيلي تمثل الثقل السياسي والإداري للإقليم، أصبحت الآن تحت وجود أمني تقوده قوات متحالفة مع الحكومة، في وقت دفعت فيه الشرطة الفيدرالية الإثيوبية بعناصرها داخل المدينة ودعت السكان، عبر مكبرات الصوت، إلى المساعدة في “استعادة النظام” وتسهيل قيام إدارة جديدة.
هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل ينعكس كذلك على الحياة اليومية. تقارير ميدانية أشارت إلى أن بعض الأسواق بدأت تعود تدريجياً إلى العمل في ميكيلي، بينما ظلت مؤسسات ومكاتب حكومية عدة مغلقة، وسط مخاوف من انفلات أمني وأعمال نهب، وهو ما يعكس هشاشة الوضع رغم تقدم القوات الموالية لأديس أبابا.
خلفية الصراع: من اتفاق بريتوريا إلى تجدد القتال
لفهم التطورات الحالية، لا بد من العودة إلى اتفاق السلام الموقع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر 2022، الذي أنهى حرباً مدمرة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. تلك الحرب، التي اندلعت في نوفمبر 2020، خلفت كلفة إنسانية ومادية هائلة، ووضعت إثيوبيا تحت ضغوط أفريقية ودولية كبيرة.
لكن الهدنة التي بدت في حينها خطوة نحو الاستقرار لم تصمد بصورة كاملة. فوفق تقارير حديثة، عاد القتال للتصاعد اعتباراً من 23 سبتمبر 2026، بعد أشهر من التوتر السياسي والأمني. ومع استئناف المعارك، دخلت أطراف جديدة أو عادت إلى الواجهة، سواء عبر الاتهامات المتبادلة أو من خلال التحركات العسكرية على الحدود، وهو ما زاد من تعقيد المشهد.
دور آبي أحمد والحسابات الفيدرالية
الحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد تبدو حريصة على تأكيد أنها تستعيد زمام المبادرة في الشمال، لا سيما في المناطق التي تحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة مثل ميكيلي. وبالنسبة لأديس أبابا، فإن ترك الملف الأمني في تيجراي بيد قوات محلية حليفة، مثل قوات سلام تيجراي، قد يوفر نموذجاً أقل كلفة من الانتشار العسكري الفيدرالي المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بشرعية الإدارة المقبلة وقدرتها على فرض الاستقرار طويل الأمد.
وتشير تقديرات محللين نقلتها تقارير دولية إلى أن هذه القوات تضم عناصر سابقة من التشكيلات المسلحة في تيجراي لكنها أعادت تموضعها سياسياً وعسكرياً في صف الحكومة الفيدرالية، ما يجعلها لاعباً مؤثراً في مرحلة ما بعد استعادة المدن الرئيسية.
إريتريا تعود إلى المشهد
أحد أخطر أبعاد الأزمة الحالية يتمثل في الاتهامات المرتبطة بالدور الإريتري. ففي تقارير نشرت يومي 8 و10 أكتوبر 2026، تحدث إرمياس أبابو عن دخول عناصر إريترية إلى بلدات داخل تيجراي، بينها أديغرات وإيداغا هاموس. وفي المقابل، نفت أسمرة هذه الروايات، بينما أكدت السلطات الإثيوبية أمام مجلس الأمن أنها تتحرك دفاعاً عن النفس في مواجهة ما وصفته بتجاوزات إريترية عبر الحدود.
هذا التطور يثير مخاوف حقيقية من تحول النزاع مجدداً إلى أزمة عابرة للحدود. فالعلاقة بين إثيوبيا وإريتريا شهدت خلال السنوات الماضية تحولات حادة، من التقارب العسكري ضد خصوم مشتركين إلى التوتر المتزايد على خلفية حسابات النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر. وبالنسبة لمصر، وللقراء في المنطقة العربية عموماً، فإن أي تصعيد جديد في هذا الملف ستكون له أصداء مباشرة على أمن واستقرار القرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط بتوازنات مائية وتجارية واستراتيجية شديدة الحساسية.
لماذا يهم ما يجري في تيجراي القارئ المصري؟
الملف الإثيوبي لا ينفصل بالنسبة للمتابع المصري عن الصورة الأوسع في شرق أفريقيا. فإثيوبيا دولة محورية في حوض النيل، وأي اضطراب ممتد داخلها ينعكس على معادلات الإقليم، سواء من ناحية الأمن، أو الهجرة والنزوح، أو مسارات التجارة، أو العلاقات بين دول الجوار. ومن ثم فإن ما يحدث في تيجراي ليس مجرد نزاع محلي بين الحكومة المركزية وخصومها، بل أزمة تحمل آثاراً تتجاوز الحدود الإثيوبية إلى مجمل التوازنات الأفريقية.
كما أن عودة العمليات العسكرية في شمال إثيوبيا تعني عملياً تعثر الجهود التي كانت تراهن على تثبيت السلام وإعادة الإعمار بعد حرب 2020-2022. وفي حال استمرار التقدم العسكري من دون تسوية سياسية مقبولة، فقد تدخل المنطقة في دورة جديدة من السيطرة الميدانية المؤقتة، يليها فراغ إداري أو أمني يزيد معاناة المدنيين.
المشهد الإنساني والسياسي المقبل
حتى الآن، يركز الخطاب الصادر عن القوات المتحالفة مع الحكومة على فكرة “تحرير الإقليم” واستكمال بسط السيطرة. غير أن نجاح هذا الهدف، إن تحقق عسكرياً، لن يكون كافياً وحده لضمان الاستقرار. فتيجراي لا تزال تعاني من آثار حرب سابقة مدمرة، والبنية الإدارية والخدمية في عدد من المناطق تعرضت لإنهاك شديد، بينما يحتاج السكان إلى ضمانات أمنية فعلية وعودة الخدمات الأساسية بصورة منتظمة.
سياسياً، ستظل الأسئلة مطروحة حول شكل السلطة المحلية المقبلة في الإقليم، وحدود دور الحكومة الفيدرالية، وإمكان إحياء مسار تفاوضي جديد مع القوى التي انسحبت من المدن لكنها لم تختفِ من المشهد. كما سيبقى العامل الإقليمي، خصوصاً ما يتعلق بإريتريا، محدداً رئيسياً لمسار التصعيد أو التهدئة.
خلاصة التطورات
- 4 أكتوبر 2026: دخول قوات متحالفة مع الحكومة الإثيوبية إلى ميكيلي بعد انسحاب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.
- 8 أكتوبر 2026: تقارير عن السيطرة على أبي عدي، مع اتهامات بدخول قوات إريترية إلى مناطق داخل تيجراي.
- 9 أكتوبر 2026: الشرطة الفيدرالية تتحرك في ميكيلي لإعادة فرض النظام، مع الإعلان عن السيطرة على إيداغا هاموس.
- 10 أكتوبر 2026: إثيوبيا تبلغ مجلس الأمن أنها تتخذ إجراءات دفاعاً عن النفس، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع الحرب.
في المحصلة، تبدو تيجراي أمام مرحلة مفصلية جديدة: تقدم عسكري واضح للقوات الحليفة لأديس أبابا، لكن مع واقع سياسي وإنساني معقد لا تزال نهاياته مفتوحة. وبينما تتابع العواصم الأفريقية والدولية المشهد بحذر، يظل السؤال الأهم: هل يتحول هذا التقدم إلى استقرار دائم، أم أن الإقليم مقبل على فصل جديد من الصراع؟