Akhbar Cairo

قومي حقوق الإنسان: مصلحة الطفل أساس قانون الأحوال الشخصية

المجلس القومي لحقوق الإنسان يعيد فتح النقاش حول قانون الأحوال الشخصية

عاد مشروع قانون الأحوال الشخصية في مصر إلى واجهة النقاش العام، بعدما كثف المجلس القومي لحقوق الإنسان جلسات الاستماع المخصصة لمراجعة فلسفة القانون المقترح وآثاره الاجتماعية، مع تشديد واضح على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون المعيار الحاكم في كل المواد المرتبطة بالنفقة والحضانة والرؤية والولاية التعليمية والصحية.

وبحسب ما نشره الموقع الرسمي للمجلس، فقد واصل المجلس في 28 يونيو 2026 جلسات الاستماع المتعلقة بمشروع القانون، كما خُصصت في اليوم نفسه جلسة ثانية بعنوان يرتبط مباشرة بمشروع قانون الأحوال الشخصية، ما يعكس أن الملف بات من أولويات النقاش الحقوقي والتشريعي في هذه المرحلة، بالتوازي مع مناقشات أوسع داخل المؤسسات الرسمية في مصر.

لماذا يكتسب الملف هذه الأهمية الآن؟

الأهمية لا ترتبط فقط بتعديل مواد قانونية متفرقة، بل بمحاولة صياغة رؤية أكثر توازنًا للعلاقة بين الأب والأم بعد الانفصال، بما يقلل من تحول النزاع الأسري إلى معركة قضائية مفتوحة يدفع الأطفال ثمنها الأكبر. هذا التوجه ظهر بوضوح في الورقة المفاهيمية التي نوقشت خلال فعالية نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان تحت عنوان "نحو قانون للأحوال الشخصية يحقق العدالة ويدعم الروابط الأسرية".

الورقة، وفق ما تداولته تغطيات صحفية مصرية، تنطلق من فكرة أن الطلاق لا ينبغي أن يعني انتهاء مسؤولية الرعاية المشتركة، بل إعادة تنظيمها بصورة قانونية أوضح، بحيث يبقى الطفل في قلب المعادلة، لا على هامشها. ومن هنا جاء التركيز على ملفات شديدة الحساسية مثل النفقة، وتنظيم الرؤية أو التواصل، والولاية التعليمية، وامتداد ذلك إلى الولاية الصحية وما يتصل بقرارات العلاج والمتابعة الطبية.

النفقة.. من الحكم القضائي إلى التنفيذ الفعلي

أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في المجتمع المصري هو ملف النفقة، ليس فقط من زاوية صدور الأحكام، بل من ناحية سرعة التنفيذ وضمان عدم تضرر الأطفال من تعثر السداد. وفي هذا السياق، طرحت الورقة المفاهيمية التي ناقشها المجلس أهمية تفعيل صندوق تأمين الأسرة ليقوم بصرف النفقة فورًا للمستحقين بعد صدور الأحكام، على أن تتولى الدولة لاحقًا تحصيلها من الطرف الملزم قانونًا.

هذا المقترح ينسجم مع اتجاه تشريعي أوسع في مشروع قانون الأسرة الجديد، الذي أُحيل من الحكومة إلى مجلس النواب في 2026، ويستهدف توحيد وتنظيم الأحكام المتفرقة في قوانين الأحوال الشخصية ضمن صياغة أكثر شمولًا. ووفق تقارير صحفية مصرية حديثة، فإن المشروع الحكومي المقدم للبرلمان يضم 355 مادة موضوعية إلى جانب مواد الإصدار، في محاولة لبناء إطار موحد لمسائل الأسرة بدل استمرار التشتت بين عدة قوانين ونصوص.

الرؤية والاستضافة.. من ساعات محدودة إلى علاقة أسرية أوسع

في ملف الرؤية، يدور النقاش حاليًا حول مدى كفاية النظام التقليدي الذي يقصر التواصل بين الطفل والطرف غير الحاضن على فترات محدودة. الورقة التي ناقشها المجلس القومي لحقوق الإنسان طرحت بوضوح فكرة الانتقال من نظام الرؤية التقليدي إلى نظام الاستضافة، بما يسمح بعلاقة أكثر طبيعية واستمرارًا بين الطفل وكلا والديه بعد الانفصال.

الهدف هنا، وفق الطرح الحقوقي، ليس تغليب مصلحة أحد الطرفين على الآخر، بل الحد من الأثر النفسي والاجتماعي للنزاع على الأبناء، مع وضع ضمانات قانونية تمنع الإخلال بالمواعيد أو استغلال الحق في الاستضافة على نحو يهدد استقرار الطفل. كما تضمن النقاش الحديث عن دور الأجداد واتساع مفهوم الروابط الأسرية في البيئة المصرية، حيث لا يقتصر احتياج الطفل غالبًا على علاقة مباشرة بالأبوين فقط.

الولاية التعليمية.. النص القائم والنقاش التشريعي الجديد

من بين أكثر النقاط حضورًا في الجدل المصري مسألة الولاية التعليمية. ووفق المادة 54 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدلة بالقانون 126 لسنة 2008، فإن الولاية التعليمية تكون للحاضن، وعند الخلاف على ما يحقق مصلحة الطفل الفضلى يُرفع الأمر إلى رئيس محكمة الأسرة بصفته قاضيًا للأمور الوقتية.

هذا النص ظل محورًا لعدد كبير من المنازعات العملية أمام محاكم الأسرة، خصوصًا في حالات تعطل نقل الملف المدرسي أو التحويل أو سداد المصروفات أو الاعتراض على نوع التعليم. ولهذا اقترحت الورقة التي ناقشها المجلس إما جعل الولاية التعليمية مشتركة بين الأبوين، أو إسنادها تلقائيًا إلى الحاضن بصورة أكثر وضوحًا، منعًا لتعطيل المسار الدراسي للطفل بسبب الخلافات الممتدة بين الأب والأم.

وفي السياق نفسه، سبق أن شددت السفيرة مشيرة خطاب، رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان، في مداخلة منشورة على موقع المجلس، على أن مشروع قانون الأحوال الشخصية يجب أن يرتكز على إيلاء المصلحة الفضلى للطفل الاعتبار الواجب في القرارات المؤثرة على الأسرة، مؤكدة أن حرمان الطفل من التعليم يعد من أسوأ أشكال العنف الأسري.

وماذا عن الولاية الصحية؟

رغم أن الولاية الصحية لا تحظى دائمًا بالقدر نفسه من الاهتمام الإعلامي مقارنة بالنفقة أو الرؤية، فإنها تمثل في الواقع مسألة شديدة الحساسية، خاصة في حالات العلاج العاجل، والعمليات الطبية، واتخاذ قرارات المتابعة الصحية للأطفال بعد الانفصال. لذلك برزت المطالبة بإدراج معالجة أكثر دقة لهذا الملف داخل مشروع القانون الجديد، حتى لا يبقى الطفل رهينة تضارب الصلاحيات أو بطء الإجراءات.

المقاربة الحقوقية هنا تنطلق من أن التعليم والصحة ليسا مجرد حقوق فرعية، بل عنصران أساسيان في حماية الطفل، وبالتالي فإن أي نزاع حولهما يجب أن يُحسم سريعًا وفق معيار المصلحة الفضلى، لا وفق رغبة الانتقام المتبادل بين الطرفين.

القاضي الواحد والوساطة الأسرية

من المقترحات اللافتة أيضًا في الورقة المفاهيمية الدعوة إلى تطبيق آلية القاضي الواحد، بحيث يتولى قاضٍ واحد الفصل في جميع الآثار المترتبة على الطلاق في حكم شامل، بدل تشتت الأسرة بين عدة دعاوى ومحاكم وإجراءات. الفكرة تستهدف تقليل الزمن القضائي، وخفض كلفة النزاع، والحد من تضارب الأحكام في المسائل المرتبطة ببعضها.

كما جرى التأكيد على أهمية الوساطة الأسرية قبل الوصول إلى التقاضي الكامل، عبر جلسات دعم نفسي واجتماعي ومحاولات تسوية ودية، مع وضع خطة رعاية واضحة لما بعد الانفصال. هذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات الأفريقية والعربية، ومنها مصر، حيث تمتد آثار النزاع الأسري إلى الدائرة العائلية الأوسع، وتؤثر على الاستقرار الاجتماعي بصورة مباشرة.

نقاش مصري بأبعاد أفريقية أوسع

ورغم أن مشروع القانون يخص الداخل المصري، فإن زاوية الاهتمام به لا تنفصل عن نقاش أوسع في القارة الأفريقية حول حقوق الطفل بعد الانفصال، وسبل تحديث تشريعات الأسرة بما يوازن بين المرجعيات القانونية والاجتماعية والواقع المتغير. لهذا يكتسب تطور النقاش في مصر أهمية تتجاوز الحدود الوطنية، خصوصًا مع ثقلها القانوني والمؤسسي في المنطقة.

الخلاصة أن الرسالة الأبرز الصادرة عن جلسات المجلس القومي لحقوق الإنسان هي أن الطفل ليس طرفًا تابعًا في نزاع الكبار، بل هو صاحب المصلحة الأولى التي يجب أن تُبنى عليها النصوص والإجراءات والتنفيذ. وبين النفقة والرؤية والولاية التعليمية والصحية، يبدو أن المعركة الحقيقية في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ليست فقط حول توزيع الحقوق بين الأبوين، بل حول قدرة الدولة على إنتاج قانون أكثر عدالة واستقرارًا للأسرة المصرية.