كندا تتوقع نزاعًا تجاريًا طويلًا مع أمريكا بعد 2026
تصعيد جديد في العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وأوتاوا
تتجه كندا إلى التعامل مع خلاف تجاري مرشح للاستمرار مع الولايات المتحدة، في تطور يعكس تراجعًا واضحًا في مستوى الثقة بين شريكين ارتبطا لعقود بأحد أكبر مسارات التجارة في العالم. التقديرات المتداولة داخل الدوائر الكندية تشير إلى أن المواجهة الحالية قد لا تنتهي سريعًا، بل ربما تمتد إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقررة في نوفمبر 2026، خاصة مع دخول الرسوم الجمركية والضغوط السياسية في صلب الحسابات الانتخابية بواشنطن.
الملف لا يقتصر على خلاف عابر حول سلع محددة، بل يرتبط بإعادة تعريف أوسع للعلاقة التجارية بين البلدين، وبمراجعة اتفاقية كندا-الولايات المتحدة-المكسيك المعروفة اختصارًا باسم CUSMA، التي دخلت مرحلة مراجعة مشتركة في 1 يوليو 2026. وتقول الحكومة الكندية إنها تتحرك لتخفيف الرسوم القائمة، واحتواء الرسوم الجديدة، والدفاع عن مصالح العمال والمزارعين والشركات الكندية في جولة تفاوض تبدو أكثر تعقيدًا من السابق.
من يقود الموقف الكندي؟
يقود المشهد السياسي في أوتاوا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي تؤكد الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء أنه تولى المنصب في مارس 2025 بوصفه رئيس الوزراء الرابع والعشرين لكندا. وفي الملف التجاري اليومي، يتصدر الوزير دومينيك لوبلان، المسؤول عن ملف التجارة بين كندا والولايات المتحدة، المشاورات مع المقاطعات والقطاع الخاص وفريق التفاوض الكندي.
البيانات الرسمية الصادرة في أغسطس 2026 تظهر أن لوبلان وكبيرة المفاوضين التجاريين جانيس شاريت عقدا اجتماعات متتالية مع الوزراء الإقليميين واللجان الاستشارية الاقتصادية مع اقتراب مهلة 19 أغسطس 2026. وفي هذه الاجتماعات شددت الحكومة الكندية على العمل لإزالة الرسوم القطاعية القائمة والحصول على إعفاء من الرسوم الجديدة التي كانت واشنطن تخطط لفرضها بموجب Section 338، بالتوازي مع إحراز تقدم نحو تحديث CUSMA.
ما الذي فجّر الأزمة الأخيرة؟
بحسب تغطيات إخبارية حديثة، تعثرت المحادثات التجارية بين الجانبين في أغسطس 2026، ثم دخلت العلاقة مرحلة أكثر توترًا مع التهديد بفرض رسوم أمريكية مرتفعة وصلت في بعض المسارات إلى 50% على عدد من الواردات الكندية. وتوضح التقارير أن هذا النوع من الرسوم لا يبقى مجرد أداة ضغط دبلوماسي، بل يتحول سريعًا إلى عبء على المستوردين في الولايات المتحدة، الذين يسعون غالبًا إلى تمرير الكلفة إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى.
كما تُظهر التسلسل الزمني للأزمة أن النزاع الحالي ليس منفصلًا عن موجة أوسع من الرسوم التي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدامها خلال ولايته الثانية، سواء عبر إجراءات طالت واردات السيارات أو عبر أدوات قانونية قديمة استندت إليها الإدارة الأمريكية لتشديد الضغوط التجارية. وقد أدى ذلك إلى اتساع الشكوك الكندية بشأن مدى استقرار قواعد التجارة مع الجار الأكبر.
لماذا تتوقع كندا صراعًا أطول من دورة الأخبار؟
التفسير الكندي يقوم على عاملين رئيسيين. الأول اقتصادي: لأن الرسوم المتبادلة لا تُرفع عادة بسرعة إذا ارتبطت بمفاوضات أوسع حول الاتفاقيات التجارية والوصول إلى الأسواق. والثاني سياسي: لأن البيت الأبيض والحزب الجمهوري يواجهان انتخابات تجديد نصفي في نوفمبر 2026، ما يجعل أي تنازل تجاري واسع قبل الاقتراع خطوة حساسة داخليًا، خصوصًا إذا كانت الرسوم تُسوَّق أمريكيًا باعتبارها دفاعًا عن الصناعة المحلية.
وفي هذا السياق، نقلت تقارير أمريكية وكندية أن بعض المسؤولين والسياسيين في كندا يرون أن على بلادهم الاستعداد لمواجهة ممتدة، وأن تغير موازين القوة في واشنطن بعد الانتخابات قد يؤثر على وتيرة التهدئة، لكنه لا يضمن نهاية فورية للنزاع. هذا يعني أن الشركات على جانبي الحدود تستعد حاليًا لسيناريو أكثر طولًا، وليس لمجرد أزمة قصيرة الأجل.
أرقام تشرح حجم الرهان
أهمية الملف تعود إلى ضخامة التبادل التجاري نفسه. فبحسب مكتب الممثل التجاري الأمريكي، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة وكندا في 2025 نحو 872.3 مليار دولار. كما تؤكد بيانات الجانب الأمريكي أن كندا ظلت واحدة من أكبر شريكين تجاريين للولايات المتحدة.
ومن الجهة الكندية، تُظهر بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن 71.7% من صادرات السلع الكندية في 2025 ذهبت إلى الولايات المتحدة، انخفاضًا من 75.9% في 2024، ما يعكس بداية مسار تنويع نسبي للأسواق لكنه يؤكد في الوقت نفسه استمرار الاعتماد الكبير على السوق الأمريكية. كما تراجعت حصة الواردات الكندية من الولايات المتحدة إلى 58.8% في 2025 مقارنة بـ62.3% في 2024.
وتوضح تقارير كندية رسمية أخرى أن التجارة السلعية بين البلدين انخفضت في 2025، وأن الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأمريكية صعدت بوتيرة أسرع، وهو ما دفع أوتاوا إلى تكثيف الحديث عن تنويع الشركاء التجاريين لتخفيف التعرض للصدمات القادمة من واشنطن.
كيف يهم هذا القارئ في مصر؟
رغم أن النزاع يدور في أمريكا الشمالية، فإن انعكاساته أوسع من الحدود الثنائية. أي اضطراب مستمر بين واشنطن وأوتاوا قد يؤثر على أسعار بعض السلع الصناعية والزراعية، وعلى سلاسل إمداد ترتبط بالطاقة والمعادن والسيارات والغذاء. وبالنسبة لقراء مصر، فإن هذا النوع من التوتر بين اقتصادين كبيرين يظل مؤشرًا مهمًا على اتجاهات التجارة العالمية، خصوصًا في وقت تسعى فيه دول كثيرة إلى حماية أسواقها وإعادة ترتيب مصادر الاستيراد والتصنيع.
كما أن استمرار المواجهة قد يضيف ضغوطًا جديدة على مناخ التجارة الدولية، في وقت لا تزال فيه الأسواق تتابع تأثير الرسوم المرتفعة على التضخم وتكلفة النقل والتوريد. ولهذا تبدو الأزمة الكندية-الأمريكية أكثر من مجرد خلاف حدودي؛ إنها اختبار جديد لمدى قدرة الاتفاقيات التجارية الحديثة على الصمود أمام الحسابات السياسية الداخلية.
السيناريوهات المقبلة
- استمرار التفاوض دون اختراق سريع: وهو السيناريو الأقرب إذا بقيت الرسوم أداة ضغط انتخابية في الولايات المتحدة.
- تسويات جزئية قطاعية: مثل تخفيف الرسوم على سلع محددة مع إبقاء الخلاف الأكبر قائمًا ضمن مراجعة CUSMA.
- توسيع التنويع الكندي: عبر دفع الصادرات إلى أسواق غير أمريكية، وهو اتجاه بدأت بيانات 2025 تعكسه بالفعل.
الخلاصة أن كندا لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها موجة عابرة، بل كاختبار طويل للعلاقة الاقتصادية مع أهم شريك تجاري لها. ومع اقتراب انتخابات الكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2026، تبدو أوتاوا مقتنعة بأن التهدئة الشاملة قد تحتاج وقتًا أطول، وأن إدارة الخسائر الاقتصادية صارت جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية، إلى أن تتضح ملامح التوازن السياسي الجديد في واشنطن.