كوريا الشمالية تصعّد باختبار ناري يخلط الصواريخ والطائرات
كوريا الشمالية تعلن مناورة هجومية مشتركة بالذخيرة الحية
دخلت شبه الجزيرة الكورية جولة جديدة من التوتر، بعدما أعلنت بيونغ يانغ، الاثنين 14 سبتمبر 2026، تنفيذ مناورة هجومية بالذخيرة الحية شاركت فيها وحدات مختارة من خمس تشكيلات مدفعية وصاروخية مشتركة في الجيش الشعبي الكوري. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، فإن التدريب لم يقتصر على نوع واحد من السلاح، بل جمع بين صواريخ تكتيكية، وطائرات مسيّرة هجومية، وراجمات صواريخ متعددة كبيرة العيار، وصاروخ كروز تكتيكي، في إشارة واضحة إلى اتجاه كوريا الشمالية نحو دمج أكثر من منصة هجومية ضمن ضربة واحدة.
هذا التطور يأتي في توقيت حساس بالنسبة للأمن الإقليمي في شرق آسيا، خاصة أنه تزامن مع انتهاء مناورة ثلاثية جمعت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، وهي تدريبات تنظر إليها بيونغ يانغ باستمرار باعتبارها تهديدًا مباشرًا لها ومقدمة محتملة لتصعيد عسكري أوسع.
ما الذي حدث ميدانيًا؟
هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية أعلنت، صباح السبت 12 سبتمبر 2026، أنها رصدت إطلاق عدة صواريخ باليستية قصيرة المدى من منطقة وونسان على الساحل الشرقي لكوريا الشمالية، في نحو الساعة 5:20 صباحًا بالتوقيت المحلي. وأضافت أن الصواريخ قطعت مسافة تقارب 250 كيلومترًا قبل أن تسقط في البحر الشرقي، المعروف أيضًا باسم بحر اليابان.
وفي اليوم نفسه لم تكشف بيونغ يانغ فورًا عن تفاصيل الإطلاق، قبل أن تعود وسائل إعلامها الرسمية بعد يومين لتصف ما جرى بأنه «تدريب ضارب بالنيران» شاركت فيه وحدات من مستويات مختلفة داخل الجيش الشعبي الكوري، مع التركيز على ما قالت إنه اختبار لأنظمة قيادة وتحكم مدمجة بين أنواع متعددة من الأسلحة.
وبحسب الرواية الكورية الشمالية، فإن المناورة هدفت إلى رفع الجاهزية القتالية وتحسين القدرة على تنفيذ ضربات مركزة ومتزامنة. أما مراقبون عسكريون في سيول، فيرون أن الجمع بين الصواريخ الباليستية وراجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة يعكس محاولة عملية لاختبار إغراق الدفاعات الجوية المعادية بعدة تهديدات في وقت واحد.
خمس وحدات مشتركة وأنظمة هجومية متنوعة
أهم ما يميز المناورة الأخيرة هو صياغتها الرسمية: وسائل الإعلام الكورية الشمالية قالت إن وحدات فرعية مختارة من خمس وحدات مدفعية وصاروخية مشتركة شاركت في التدريب. هذه النقطة تمنح الخبر بعدًا أكبر من مجرد تجربة إطلاق منفصلة، لأنها توحي بتنسيق بين تشكيلات متعددة وليس تحرك وحدة واحدة فقط.
كما أشارت التقارير إلى إدخال ما وصفته بيونغ يانغ بـ«أنظمة قتالية جديدة»، شملت:
- طائرات مسيّرة هجومية بأنواع مختلفة.
- صاروخ كروز تكتيكي.
- راجمات صواريخ متعددة كبيرة العيار ذات تأثير حراري ضاغط.
- صواريخ باليستية تكتيكية.
هذه التوليفة ليست تفصيلًا عابرًا؛ فهي تعكس مسارًا واضحًا لدى كوريا الشمالية لتوسيع أدوات الردع التقليدي وغير التقليدي، مع التركيز على الضربات السريعة والمركبة. وفي مارس 2026، كانت بيونغ يانغ قد أعلنت أيضًا تنفيذ تدريب بالنيران شاركت فيه راجمات فائقة الدقة من عيار 600 ملم، وقالت آنذاك إن المقذوفات أصابت هدفًا جزيريًا على مسافة 364.4 كيلومترًا، في رسالة ميدانية مرتبطة بقدرة الاستهداف بعيد المدى داخل مسرح العمليات الإقليمي.
كيم جونغ أون في قلب المشهد
رغم أن التقرير الأحدث ركز على تفاصيل الأسلحة والوحدات، فإن اسم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يظل حاضرًا في خلفية هذا النوع من الرسائل السياسية والعسكرية. كيم، الذي يقود السياسة الدفاعية والتسليحية في البلاد، دأب خلال السنوات الماضية على الإشراف المباشر على تجارب صاروخية ومناورات نارية، باعتبارها جزءًا من خطاب الردع الموجه إلى سيول وواشنطن وطوكيو.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الحضور لا تتعلق بالشخص فقط، بل بكونه مؤشرًا على أن اختبارات السلاح في كوريا الشمالية ليست مجرد أنشطة عسكرية دورية، بل رسائل سياسية محسوبة بدقة، تُربط غالبًا بتوقيتات إقليمية ودولية، سواء كانت مناورات مشتركة لخصومها أو قممًا سياسية مرتقبة بين القوى الكبرى.
لماذا الآن؟
التوقيت يبدو وثيق الصلة بمناورة Freedom Edge الثلاثية التي أنهتها كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 في المياه الدولية شرق وجنوب جزيرة جيجو الكورية الجنوبية. ووفق ما أعلنته سيول، استمرت التدريبات خمسة أيام، فيما اعتبرتها بيونغ يانغ استفزازًا عسكريًا جديدًا.
ومن اللافت أن هذا التصعيد جاء أيضًا بعد أسابيع من تقليص مناورات Ulchi Freedom Shield السنوية بين واشنطن وسيول. فرغم هذا التقليص، لم تعتبر كوريا الشمالية الخطوة كافية لخفض التوتر، بل واصلت لهجتها الرافضة، ثم تبعتها بإطلاقات صاروخية جديدة. هذا يعني أن بيونغ يانغ لا تنظر فقط إلى حجم التدريبات، بل إلى استمرار بنيتها السياسية والعسكرية أصلًا.
كوريا الجنوبية من جهتها قالت إن أجهزتها الاستخباراتية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، كانت تتابع التحركات الكورية الشمالية منذ المراحل المبكرة، وإنها شاركت المعلومات ذات الصلة مع اليابان، في إطار التعاون الأمني الثلاثي المتزايد في مواجهة برنامج كوريا الشمالية الصاروخي.
ماذا تقول سيول وما دلالة المدى؟
المسافة التي أعلنتها سيول، وهي نحو 250 كيلومترًا، تحمل دلالة عسكرية مهمة؛ إذ تشير إلى أن هذه المنظومات مصممة لتهديد أهداف داخل كوريا الجنوبية، بما في ذلك مواقع عسكرية وقواعد تستخدمها القوات الأمريكية هناك. ولذلك ترى المؤسسات الأمنية في سيول أن كل تجربة من هذا النوع لا تُقرأ كخبر منفصل، بل كجزء من تطوير متدرج لقدرات الضربات القصيرة والمتوسطة داخل الإقليم.
وفي المقابل، تبقى مزاعم كوريا الشمالية بشأن دقة الإصابة أو كفاءة بعض الأنظمة الجديدة صعبة التحقق بشكل مستقل، بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات داخل البلاد. لكن المؤكد أن وتيرة الاختبارات لم تتباطأ، وأن بيونغ يانغ لا تزال تستخدم مزيجًا من التجارب العسكرية والخطاب السياسي لفرض حضورها على طاولة التوازنات الآسيوية.
ما الذي يعنيه هذا للعالم؟
الخبر لا يخص الكوريتين وحدهما. فكل تصعيد عسكري في شمال شرق آسيا ينعكس على حسابات الأمن الدولي، خصوصًا مع تشابك الملف الكوري الشمالي مع ملفات أمريكية وصينية وروسية أوسع. كما أن استمرار اختبارات الصواريخ والطائرات المسيّرة يزيد من تعقيد أي محاولات لإحياء الدبلوماسية النووية، التي ظلت متعثرة خلال السنوات الأخيرة.
ومن زاوية تغطية «العالم»، فإن التطور الأخير يثبت أن كوريا الشمالية ما زالت تراهن على سياسة إظهار القوة بالنار الحية، ليس فقط لتأكيد الردع، بل أيضًا لإرسال رسالة بأن قدرتها على تنفيذ ضربات مركبة تتطور تقنيًا وتنظيميًا. وبينما تواصل سيول وواشنطن وطوكيو تعزيز التنسيق الدفاعي، يبدو أن بيونغ يانغ ترد بالطريقة التي تجيدها أكثر: استعراض القوة العسكرية تحت عنوان الجاهزية الكاملة.