Akhbar Cairo

كوشنر يتحدث عن فرصة قريبة لتحريك ملف غزة

تحرك أمريكي جديد يعيد غزة إلى واجهة المشهد

عاد اسم جاريد كوشنر إلى صدارة التطورات المرتبطة بقطاع غزة، بعد مؤشرات صدرت خلال الساعات الأخيرة عن إمكانية حدوث تقدم سياسي وأمني، إذا توافرت خطوات متبادلة بين حركة حماس وإسرائيل. وبحسب تقارير أمريكية متطابقة نُشرت يومي 16 و17 أغسطس 2026، أجرى كوشنر لقاءً نادرًا في القاهرة مع رئيس حركة حماس في غزة خليل الحية، قبل أن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جولة مشاورات هدفت إلى اختبار فرص تحريك المسار المتعثر.

التحرك الجديد يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف الحرب بصورة أكثر استقرارًا، ومع تصاعد التحذيرات من أن الكلفة الإنسانية داخل غزة باتت تتجاوز حدود الاحتمال، بينما لا تزال الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها السلاح والرهائن وترتيبات اليوم التالي، من دون حسم نهائي.

ماذا قال كوشنر؟

المعطيات المتاحة من التغطيات الأمريكية تشير إلى أن كوشنر، الذي برز مجددًا كمبعوث مؤثر في هذا الملف، نقل إلى الجانب الإسرائيلي ضرورة اتخاذ “خطوات صغيرة” لاختبار مدى جدية التزامات حماس في مسألة نزع السلاح أو تقليص القدرات العسكرية. كما عكست الاجتماعات قدرًا من “التفاؤل الحذر” من دون أن تصل إلى مستوى اتفاق نهائي أو إعلان اختراق واضح.

وفي جوهر الرسالة، يبدو أن كوشنر يطرح مقاربة تدريجية تقوم على أن أي انفراجة لن تتحقق عبر إعلان سياسي واسع دفعة واحدة، بل من خلال إجراءات متبادلة تبني حدًا أدنى من الثقة بين خصمين انعدمت الثقة بينهما بالكامل تقريبًا منذ اندلاع الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر 2023.

لقاء نادر مع حماس في القاهرة

أحد أكثر الجوانب لفتًا للانتباه في هذه الجولة هو اللقاء المباشر الذي جمع كوشنر بقياديي حماس في القاهرة يوم الأحد 16 أغسطس 2026، وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس وموقع أكسيوس. وتفيد هذه التقارير بأن الاجتماع تناول ملف نزع السلاح وإمكانية الانتقال إلى ترتيبات جديدة في القطاع، وهو ما يجعل القاهرة مرة أخرى ساحة مركزية للاتصالات المتعلقة بغزة، بحكم دور مصر التقليدي في الوساطة وارتباطها الجغرافي والأمني المباشر بالقطاع.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا التطور يوضح أن مصر لا تزال في قلب أي مسار تفاوضي جدي، سواء تعلق بوقف إطلاق النار، أو إدخال المساعدات، أو التفاهمات المرتبطة بإدارة المعابر، أو مستقبل البنية الأمنية والسياسية في غزة.

اجتماع مع نتنياهو من دون التزام حاسم

بعد محطة القاهرة، انتقل كوشنر إلى لقاء نتنياهو، لكن النتائج المعلنة حتى الآن ظلت ضمن إطار الإشارات الإيجابية المحدودة. وكالة أسوشيتد برس وصفت أجواء الاجتماع الأمريكي الإسرائيلي بأنها حملت قدرًا من التفاؤل، لكن من دون تعهد إسرائيلي واضح بالخطة الأمريكية المطروحة. وهذا يعني أن الحديث عن “تقدم قريب” ما زال مشروطًا بمواقف عملية على الأرض، لا سيما أن إسرائيل تنظر إلى ملف نزع سلاح حماس باعتباره اختبارًا أساسيًا لأي تسوية قابلة للاستمرار.

في المقابل، نقلت تقارير أخرى أن مسؤولين من حماس أبدوا استعدادًا لإعادة طرح التزامات تتعلق بنزع السلاح أو بجعل غزة أقل عسكرة، لكن هذه الإشارات لم تتحول بعد إلى آلية تنفيذية معلنة أو جدول زمني واضح، وهو ما يفسر الحذر الشديد في ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية على السواء.

العقدة الحقيقية: السلاح والرهائن واليوم التالي

رغم أن العنوان الأبرز هو احتمال حدوث انفراجة، فإن واقع التفاوض أكثر تعقيدًا. فملف غزة لا يتعلق فقط بوقف نار مؤقت، بل بثلاث قضايا متشابكة:

  • أولًا: مستقبل سلاح حماس والفصائل المسلحة، وهو مطلب تعتبره إسرائيل جوهريًا.
  • ثانيًا: ملف الرهائن والمحتجزين، الذي لا يزال عنصر ضغط داخلي كبير داخل إسرائيل.
  • ثالثًا: شكل الإدارة المدنية والأمنية في غزة بعد أي تسوية، وهل ستكون فلسطينية داخلية أم بإسناد عربي ودولي أوسع.

ومن هنا، فإن أي حديث عن تقدم قريب يظل، حتى الآن، أقرب إلى فتح نافذة تفاوضية جديدة منه إلى إعلان اتفاق مكتمل الأركان.

الوضع الإنساني يضغط على الجميع

بعيدًا عن الحسابات السياسية، تدفع الأزمة الإنسانية في غزة كل الأطراف نحو البحث عن مخرج. الأمم المتحدة ومؤسساتها الإنسانية واصلت خلال صيف 2026 التحذير من تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والخدمية. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى انهيار واسع في قدرات النظام الصحي داخل القطاع، بينما تؤكد تحديثات الأمم المتحدة أن الوصول الإنساني ما زال يواجه عراقيل كبيرة، مع استمرار النزوح والدمار ونقص الإمدادات الأساسية.

كما أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة بنداء الطوارئ لعام 2026 أن آثار الحرب الممتدة منذ 2023 ما زالت تضرب البنية الصحية والاجتماعية في غزة بقوة، مع احتياجات متفاقمة لدى الأطفال والجرحى والمرضى، ومع استمرار الضغط على المستشفيات ونقاط الرعاية الأولية. هذه المعطيات تجعل أي تقدم سياسي، حتى لو كان محدودًا، موضع ترقب واسع إقليميًا ودوليًا.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟

بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل التحركات الجديدة عن اعتبارات الأمن القومي والحدود ومعبر رفح وملف المساعدات الإنسانية. كما أن أي تفاهمات تخص غزة سيكون لها أثر مباشر على المشهد الإقليمي، بدءًا من استقرار الحدود، مرورًا بمستقبل الدور العربي في إعادة الإعمار، وصولًا إلى فرص استعادة مسار سياسي أوسع للقضية الفلسطينية.

ومن منظور قسم العالم، فإن القصة لا تتعلق فقط بجولة اتصالات عابرة، بل بتجربة دبلوماسية تحاول اختبار ما إذا كان يمكن تحويل التفاهمات الجزئية إلى مسار أكثر ثباتًا، في واحدة من أكثر بؤر الصراع حساسية في العالم اليوم.

هل نحن أمام اختراق فعلي؟

الإجابة المختصرة: ليس بعد. المؤكد هو أن هناك تحركًا حقيقيًا، ولقاءات مباشرة نادرة، ورسائل أمريكية أكثر وضوحًا بشأن ضرورة وجود تعاون متبادل بين حماس وإسرائيل. لكن المؤكد أيضًا أن الطريق إلى اتفاق شامل ما زال طويلًا، وأن أي تفاؤل يجب أن يبقى مضبوطًا بالوقائع لا بالتوقعات.

حتى الآن، تبدو أفضل قراءة للمشهد هي أن كوشنر فتح بابًا جديدًا للحركة، مستفيدًا من قنوات اتصال معقدة تمتد بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن. غير أن نجاح هذا الباب في التحول إلى انفراجة فعلية سيتوقف على ما إذا كانت الأطراف مستعدة للانتقال من الرسائل السياسية إلى خطوات قابلة للتحقق على الأرض.

وبينما يترقب العالم نتائج هذه الجهود، تبقى الحقيقة الأهم أن غزة لم تعد تحتمل جولات طويلة من الانتظار. لذلك فإن أي تقدم، ولو كان تدريجيًا، قد يكتسب قيمة استثنائية إذا ساهم في تخفيف المعاناة، وفتح المجال أمام ترتيبات أكثر استقرارًا في المرحلة المقبلة.