كوشنر يلتقي قيادة حماس ومصر تواصل دفع مسار وقف النار
تحرك أمريكي جديد يفتح جولة تفاوض حساسة حول مستقبل غزة
دخل ملف الحرب في قطاع غزة مرحلة سياسية جديدة بعد لقاء نادر جمع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر بقيادي حركة حماس خليل الحية في مصر، في محاولة لدفع مسار التهدئة المتعثر وبحث ترتيبات المرحلة التالية داخل القطاع. ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة بالنسبة للقاهرة، التي تواصل لعب دور الوسيط الرئيسي في جهود وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وتهيئة الأرضية لأي مسار سياسي أو إنساني لاحق.
وبحسب ما أكدته وكالة أسوشيتد برس في تقرير منشور يوم 16 أغسطس 2026، فإن كوشنر عقد اجتماعًا استمر أكثر من ساعتين مع خليل الحية، بحضور مسؤولين من دول الوساطة، بينهم ممثلون عن مصر وقطر وتركيا. وأشارت الوكالة إلى أن اللقاء جاء ضمن مسعى أمريكي لإنقاذ خريطة طريق مدعومة من واشنطن تقوم على نزع سلاح حماس تدريجيًا مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية وبدء انسحاب إسرائيلي من القطاع. كما ذكرت أن كوشنر كان يستعد لعقد لقاء لاحق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ما الذي أمكن التحقق منه من الرواية المتداولة؟
المعلومة الأساسية التي أمكن التثبت منها هي أن اللقاء بين كوشنر والحية جرى بالفعل في مصر، وأنه يندرج ضمن مفاوضات أوسع بشأن وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب. كما أمكن التحقق من أن جوهر المحادثات يدور حول مسألتي نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، وهما العقدتان الأبرز في المفاوضات الحالية. أما التفاصيل المنسوبة إلى نقاشات بعينها، مثل طلب تخزين السلاح داخل غزة أو الإصرار على نقله إلى خارج القطاع، فلم يتسنَّ تأكيدها من مصادر أولية موثوقة ومعلنة، لذلك لا يمكن الجزم بها باعتبارها حقيقة ثابتة.
وتوضح أسوشيتد برس أن حماس طالبت، خلال هذه الجولة، بأن توقف إسرائيل هجماتها وأن تعود إلى ما يُعرف بـالخط الأصفر داخل القطاع قبل بدء تنفيذ أي ترتيبات جديدة، في حين تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها لن تنسحب من مواقعها قبل إتمام نزع سلاح الحركة بالكامل. كما أشارت الوكالة إلى أن القوات الإسرائيلية تسيطر حاليًا على نحو 60% من مساحة غزة، بينما كان نتنياهو قد تحدث في مايو عن الانتقال إلى سيطرة تصل إلى 70%.
مصر في قلب الوساطة.. موقف ثابت وتحركات مستمرة
بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا التطور لا يمكن فصله عن الدور الذي تضطلع به القاهرة منذ بداية الحرب. فوزارة الخارجية المصرية أكدت في أكثر من مناسبة استمرار العمل مع قطر والولايات المتحدة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى استمرار احتلال قطاع غزة أو تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.
وفي إفادات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية المصرية خلال الأسابيع الأخيرة، شدد الوزير بدر عبد العاطي على أن مصر تواصل جهود الوساطة بالتوازي مع الدفع نحو فتح المعابر، وإدخال المساعدات دون عراقيل، والتأسيس لمرحلة تعافٍ مبكر وإعادة إعمار. كما أكدت الخارجية رفض القاهرة القاطع لأي سيناريو يستهدف غلق معبر رفح أو فرض وقائع دائمة تعرقل التسوية السياسية.
وتشير بيانات مصرية رسمية كذلك إلى أن القاهرة لا تنظر إلى التهدئة بوصفها إجراءً مؤقتًا فقط، بل تربطها بمسار أوسع يشمل إعادة الإعمار، والإبقاء على الفلسطينيين داخل أرضهم، ومنع تصفية القضية الفلسطينية تحت أي عنوان. وفي هذا السياق، تحدثت الخارجية المصرية عن التحضير لاستضافة مؤتمر دولي للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة فور توافر الظروف المناسبة لوقف النار.
لماذا تبدو هذه الجولة شديدة الحساسية؟
الحساسية هنا نابعة من أن المفاوضات لم تعد مقتصرة على هدنة إنسانية قصيرة، بل انتقلت إلى بحث شكل السلطة والأمن والسلاح داخل القطاع بعد الحرب. ووفق تقرير أسوشيتد برس، فإن خريطة الطريق الأمريكية تتضمن تسليم أسلحة حماس إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية يفترض أن تتولى إدارة الشؤون اليومية في غزة، إلا أن هذه اللجنة لم تدخل القطاع بعد. كما أن الحركة تربط تسليم أسلحتها الثقيلة بقيام دولة فلسطينية، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية.
من هنا، يمكن فهم سبب تعثر التقدم في المفاوضات رغم تعدد الوسطاء. فكل طرف يتعامل مع ملف غزة من زاوية مختلفة: حماس تركز على وقف الحرب والانسحاب، وإسرائيل تضع نزع السلاح الكامل كشرط مسبق، بينما تحاول مصر وشركاؤها تجسير هذه الفجوة لمنع انهيار المسار السياسي والإنساني معًا.
أبرز النقاط التي تحكم المشهد الحالي
- لقاء مباشر نادر بين جاريد كوشنر وخليل الحية في مصر يوم 16 أغسطس 2026.
- خريطة طريق أمريكية تقوم على نزع السلاح تدريجيًا مقابل وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي.
- تمسك مصري باستمرار الوساطة ورفض التهجير واستمرار الاحتلال أو غلق معبر رفح.
- ربط إعادة الإعمار بوقف إطلاق النار وبدء التعافي المبكر تحت مظلة دولية.
- خلاف جوهري حول توقيت وآلية نزع سلاح حماس قبل أي انسحاب إسرائيلي كامل.
الزاوية المصرية: الأمن القومي والبعد الإنساني
في مصر، لا يُنظر إلى هذه المفاوضات باعتبارها حدثًا خارجيًا بعيدًا، بل باعتبارها ملفًا يمس الأمن القومي المصري مباشرة، خصوصًا مع اتصال قطاع غزة الجغرافي بمعبر رفح، وما يرتبط بذلك من أعباء إنسانية وأمنية وسياسية. ولهذا تكرر القاهرة في خطابها الرسمي ضرورة التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ورفض أي محاولات لفرض تهجير قسري، مع التشديد على أن إعادة إعمار القطاع يجب أن تتم بما يضمن بقاء الفلسطينيين على أرضهم.
كما تؤكد التصريحات المصرية الرسمية أن استمرار المساعدات ليس بديلًا عن الحل السياسي، وأن أي ترتيبات لـ"اليوم التالي" في غزة يجب أن ترتبط بمسار يؤدي في النهاية إلى حل الدولتين. وهذا الموقف يمنح القاهرة مساحة تحرك تجمع بين البعد الإنساني العاجل والبعد السياسي الأوسع، وهو ما يفسر استمرار التواصل المصري المكثف مع الأطراف العربية والدولية المعنية.
إلى أين تتجه المفاوضات؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على اختراق نهائي، لكن مجرد انعقاد هذا اللقاء في مصر يعكس أن قنوات التفاوض ما زالت مفتوحة، وأن الوسطاء لم يغلقوا الباب أمام إمكانية التقدم. وإذا نجحت القاهرة، بالتنسيق مع الدوحة وواشنطن، في تقريب المواقف حول قضايا السلاح والانسحاب والإدارة المدنية، فقد تمهد هذه الجولة لمرحلة أقل اشتعالًا في القطاع.
لكن في المقابل، فإن الفجوة ما زالت واسعة. فالمعضلة المركزية لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بمن يملك القرار الأمني داخل غزة بعد الحرب، ومن يضمن تنفيذ أي اتفاق على الأرض. وبين هذين السؤالين، ستظل مصر لاعبًا رئيسيًا في إدارة أخطر ملفات المنطقة، بحكم الجغرافيا والخبرة السياسية وصلاتها المباشرة بكل الأطراف.