كيف تتحدى هجمات الحوثيين منظومة الدفاع الجوي السعودية؟
لماذا لا تكفي المنظومات المتقدمة وحدها؟
رغم أن السعودية بنت خلال السنوات الماضية شبكة دفاع جوي وصاروخي واسعة، فإن الهجمات التي شنها الحوثيون من اليمن أظهرت أن امتلاك أنظمة متطورة لا يعني تحقيق حماية مطلقة بنسبة 100%. فالحرب الحديثة لا تُحسم فقط بنوعية السلاح، بل أيضاً بطريقة استخدامه، وكلفة تشغيله، وعدد الأهداف المهاجمة في وقت واحد، إضافة إلى طبيعة المجال الجغرافي واتساعه.
هذا ما يفسر كيف تمكن الحوثيون من تهديد مواقع داخل المملكة في أكثر من مناسبة، مستفيدين من مزيج من الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وهي أدوات تختلف في سرعة طيرانها وبصمتها الرادارية ومسار اقترابها من الهدف. وقد أكدت بيانات رسمية سعودية على مدى سنوات اعتراض أعداد كبيرة من المقذوفات، ما يعني أن المنظومة الدفاعية كانت فعالة في حالات كثيرة، لكن التحدي ظل قائماً مع الهجمات المركبة والمتكررة.
ما المقصود بالدفاعات السعودية متعددة الطبقات؟
المقصود بهذه العبارة أن المملكة لا تعتمد على وسيلة واحدة فقط، بل على مستويات متداخلة من الرصد والاعتراض. في قلب هذه الشبكة توجد بطاريات باتريوت المخصصة لاعتراض التهديدات الجوية والصاروخية، بينما تعمل السعودية أيضاً على إدخال منظومة ثاد THAAD ضمن بنيتها الدفاعية الأوسع. ووفق شهادة رسمية أمام الكونجرس الأمريكي في مايو 2024، فإن الولايات المتحدة تنفذ صفقة لتسليم سبع بطاريات THAAD إلى السعودية، وأن أول بطارية كانت على مسار بلوغ الجاهزية التشغيلية الأولية في عام 2025، مع تسليم أولى الصواريخ الاعتراضية في يوليو 2023. كما أعلنت وكالة الصناعات العسكرية السعودية GAMI تعاوناً مع لوكهيد مارتن لتوطين أعمال مرتبطة بمنظومة ثاد.
عملياً، تعمل هذه الطبقات مع الرادارات والقيادة والسيطرة والإنذار المبكر. لكن أي دفاع جوي، مهما كان متقدماً، يواجه معضلة أساسية: الهدف المهاجم قد يكون أرخص بكثير من الصاروخ الاعتراضي المستخدم لإسقاطه، وقد يطير على ارتفاعات منخفضة أو يسلك مسارات التفاف تقلل زمن رد الفعل.
كيف يستفيد الحوثيون من نقاط الضغط في الدفاع الجوي؟
1- الهجوم بالإغراق العددي
أحد الأساليب الأكثر فاعلية هو إطلاق عدد من المسيّرات أو المقذوفات في توقيتات متقاربة، بما يضغط على الرادارات ووحدات الاعتراض معاً. الدفاعات الجوية مصممة لاعتراض التهديدات، لكنها تصبح تحت اختبار صعب عندما تتعدد الأهداف وتتباين خصائصها بين مسيّرات صغيرة وصواريخ أسرع أو أعلى تحليقاً.
2- الطيران المنخفض والبصمة المحدودة
المسيّرات وصواريخ كروز لا تتحرك بالضرورة على ارتفاعات كبيرة، وهو ما يصعّب اكتشافها مبكراً مقارنة بصاروخ باليستي يسلك مساراً أعلى وأكثر وضوحاً للرصد. وكلما تأخر الاكتشاف، تقل المسافة والزمن المتاحان للاعتراض.
3- الكلفة غير المتكافئة
تعتمد جماعة الحوثي على وسائل هجومية أرخص نسبياً من الأنظمة الاعتراضية المتقدمة. وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال فقط: هل يمكن إسقاط الهدف؟ بل أيضاً: كم مرة يمكن فعل ذلك من دون استنزاف مكلف؟ وتبرز هذه المعضلة خصوصاً مع الاعتراضات المتكررة لتهديدات منخفضة الكلفة.
4- اتساع مسرح العمليات
السعودية دولة ذات مساحة شاسعة، وتضم بنية تحتية نفطية وصناعية وموانئ ومطارات ومنشآت عسكرية موزعة على نطاق واسع. هذا الاتساع يجعل من المستحيل عملياً تغطية كل نقطة بنفس الكثافة في كل وقت، حتى مع وجود شبكة متعددة الطبقات.
أمثلة بارزة كشفت طبيعة التهديد
من أبرز الوقائع التي أظهرت خطورة هذا النمط من الهجمات، ما حدث في 25 مارس 2022 عندما استهدفت هجمات منشآت طاقة داخل السعودية، بينها منشأة تابعة لـأرامكو السعودية (@saudiaramco على إنستغرام) في جدة. وذكرت تقارير متقاطعة أن الهجوم أصاب محطة لتوزيع المنتجات البترولية وأدى إلى حريق في خزانين من دون تسجيل خسائر بشرية، بينما شوهدت سحابة دخان كثيفة فوق المدينة. كما جاء ذلك قبل سباق جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1 في جدة، ما لفت الانتباه دولياً إلى قدرة الهجمات على الوصول إلى أهداف حساسة حتى في أوقات الفعاليات الكبرى.
وتؤكد وثائق وتقارير رسمية سعودية سابقة أن المملكة تعرضت مراراً لهجمات بصواريخ باليستية وطائرات بدون طيار منذ سنوات الحرب في اليمن، وأن عدداً كبيراً منها تم اعتراضه. وقد أشارت وكالة الأنباء السعودية في بيانات سابقة إلى اعتراض الدفاعات الجوية صواريخ كانت متجهة نحو مدن ومحافظات سعودية، كما تحدثت بيانات رسمية لاحقة عن استمرار اتخاذ الإجراءات لحماية الأجواء والمصالح الوطنية.
هل المشكلة في السلاح أم في طبيعة التهديد؟
المشكلة ليست بالضرورة في قصور كامل للمنظومات، بل في أن التهديد نفسه تطور. فباتريوت، على سبيل المثال، صُمم أساساً لمواجهة طيف محدد من التهديدات الجوية والصاروخية، لكنه يواجه بيئة أشد تعقيداً عندما تكون الهجمات هجينة وتجمع بين مسيّرات صغيرة وصواريخ متعددة الاتجاهات. لهذا تميل الدول إلى دمج مزيد من وسائل الدفاع القصير المدى والحرب الإلكترونية والرادارات المحسنة مع الأنظمة التقليدية بعيدة المدى.
ومن هذا المنطلق، تبدو إضافة ثاد إلى البنية السعودية خطوة لتعزيز القدرة ضد الصواريخ الباليستية على الارتفاعات الأعلى، لكنها ليست حلاً سحرياً منفرداً ضد جميع أنواع الهجمات، خصوصاً المسيّرات المنخفضة أو الهجمات المشبعة عددياً. ففعالية أي طبقة دفاعية تبقى مرتبطة بالتكامل مع الطبقات الأخرى وسرعة تبادل البيانات بينها.
ما الذي يعنيه ذلك إقليمياً؟
بالنسبة للقارئ المصري، تكشف هذه التطورات أن أمن الخليج والبحر الأحمر بات مرتبطاً بصورة مباشرة بطبيعة الحروب غير المتماثلة في المنطقة. فالهجمات التي تنطلق بأدوات محدودة الكلفة يمكن أن تؤثر في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة الملاحة، وحتى المزاج الاستثماري الإقليمي. وقد شددت السعودية في يناير 2024 على أهمية حماية أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر وحرية الملاحة فيها، باعتبارها مصلحة دولية تتجاوز حدود الصراع اليمني نفسه.
الخلاصة
نجاح الحوثيين في اختراق بعض حلقات الردع لا يعني غياب الدفاع السعودي، بل يعكس حقيقة أكثر تعقيداً: الدفاعات المتعددة الطبقات تقلل الخطر لكنها لا تلغيه نهائياً. وعندما يكون الخصم قادراً على المناورة بين المسيّرات والصواريخ، واستغلال الكلفة المنخفضة، والضرب من زوايا ومسارات متنوعة، يصبح التحدي دفاعياً واستخباراتياً في آن واحد. لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت السعودية تمتلك دفاعات قوية، بل كيف تطور هذه الدفاعات باستمرار لمواجهة تهديد يتغير أسرع من القواعد التقليدية للحرب.
- أبرز أدوات الحوثيين: طائرات مسيّرة، صواريخ باليستية، وصواريخ كروز.
- أهم عناصر الدفاع السعودي: باتريوت، رادارات إنذار مبكر، وتوسيع بنية THAAD.
- العقدة الأساسية: هجمات منخفضة الكلفة مقابل اعتراضات مرتفعة الكلفة، مع اتساع مساحة الأهداف المحتملة.