كيف تُوازن الصين بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة؟
كيف يمكن قراءة الموقف الصيني في أزمة سد النهضة؟
يثير السؤال عن الموقف الصيني بين مصر وإثيوبيا اهتمامًا واسعًا في مصر، خصوصًا مع استمرار تعثر التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي. ومن خلال تتبع البيانات الرسمية الصادرة من القاهرة وبكين، يتضح أن الصين لا تتبنى انحيازًا معلنًا لأي من الطرفين، لكنها تتحرك وفق معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين المصالح الاقتصادية والحضور السياسي في أفريقيا والحرص على عدم خسارة الشركاء الرئيسيين.
بالنسبة إلى القاهرة، تبقى قضية السد ملفًا مرتبطًا مباشرة بالأمن القومي والمائي. وتؤكد الجهات المصرية الرسمية أن حصة مصر المائية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وأن أي إجراءات أحادية من جانب إثيوبيا تمثل تهديدًا خطيرًا لمصالح دولتي المصب، خاصة مع استمرار أديس أبابا في سياسات الملء والتشغيل دون اتفاق نهائي.
أولًا: لماذا تحرص الصين على التوازن؟
السبب الأول يعود إلى ثقل العلاقات المصرية الصينية. فالعلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة زخمًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا، وتصفها الحكومتان بأنها شراكة استراتيجية شاملة. وخلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين يوم 29 مايو 2024، شددت بكين على رغبتها في تعميق التعاون مع مصر في مجالات البنية التحتية والصناعة والطاقة والزراعة والاستثمار، كما أكدت دعمها لدور مصر الإقليمي والدولي.
في المقابل، ترتبط الصين أيضًا بشراكة مهمة مع إثيوبيا، التي تُعد واحدة من أبرز شركائها في شرق أفريقيا، كما أنها تحظى بأهمية خاصة داخل الإطار الأفريقي الأوسع، سواء من خلال استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أو عبر مشاركتها الفاعلة في منتدى التعاون الصيني الأفريقي. وخلال لقاء شي جين بينغ مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في بكين في 4 سبتمبر 2024، وصفت بكين العلاقات مع إثيوبيا بأنها نموذج للتعاون الصيني الأفريقي.
هذا التوازي يفسر لماذا تميل الصين إلى خطاب دبلوماسي محسوب: عدم التصعيد، دعم الحوار، وتجنب الاصطفاف العلني.
ثانيًا: ماذا تقول الوقائع عن سد النهضة نفسه؟
الموقف المصري الرسمي ظل ثابتًا في الاعتراض على الإجراءات الإثيوبية الأحادية. وفي 1 سبتمبر 2024، وجهت مصر خطابًا إلى مجلس الأمن رفضت فيه تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي بشأن المرحلة الخامسة من ملء السد، واعتبرت تلك السياسات مخالفة لقواعد القانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015، وكذلك للبيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن في 15 سبتمبر 2021.
من هنا، فإن أي قراءة للموقف الصيني يجب أن تبدأ من حقيقة أن بكين تتعامل مع نزاع طويل ومعقد، طرفاه دولتان ترتبط بهما بعلاقات مهمة. لذلك، لا تبدو الصين مستعدة لتبنّي رواية مصرية كاملة ضد إثيوبيا، ولا في الوقت نفسه لإعطاء غطاء سياسي مفتوح للإجراءات الأحادية الإثيوبية.
ثالثًا: ما المحددات الأساسية للموقف الصيني؟
1- الشراكة الاستراتيجية مع مصر
القاهرة بالنسبة لبكين ليست مجرد شريك تجاري، بل دولة محورية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وزارة الخارجية المصرية أعلنت في أكثر من مناسبة خلال 2024 و2025 اعتزازها بمرور أكثر من عشر سنوات على تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، مع السعي إلى توسيع التعاون في الاستثمار والبنية الأساسية والطاقة الجديدة والمتجددة. هذا يمنح مصر وزنًا معتبرًا في حسابات الصين.
2- المصالح الاقتصادية والسياسية مع إثيوبيا
إثيوبيا، من جانب آخر، تمثل للصين بوابة مهمة داخل أفريقيا وضمن مبادرات التعاون الصيني الأفريقي. كما أن بكين تنظر إلى أديس أبابا باعتبارها شريكًا له مكانة سياسية على مستوى القارة. ولهذا يصعب تصور أن تضحي الصين بهذه العلاقة عبر تبني موقف حاد في نزاع السد.
3- التمسك بمبدأ عدم التدخل
السياسة الخارجية الصينية تقوم تقليديًا على رفض التدخل المباشر في النزاعات الثنائية الداخلية أو الإقليمية، مع تفضيل الحلول التفاوضية. وفي ملف سد النهضة، ظهر هذا الاتجاه في دعم الصين لفكرة تسوية الخلافات عبر الحوار والتفاوض بدلًا من تدويل الأزمة أو تحويلها إلى ساحة استقطاب دولي.
4- الحفاظ على صورتها كشريك لأفريقيا كلها
الصين لا تريد أن تبدو وكأنها منحازة ضد دولة أفريقية لصالح أخرى، خاصة في ظل توسع حضورها في القارة. ومن ثم، فإنها تميل إلى لغة عمومية تتحدث عن التنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي، بدلًا من الدخول في تفاصيل قانونية قد تُغضب أحد الطرفين.
رابعًا: هل يفيد هذا التوازن مصر؟
من زاوية مصرية، قد يبدو الموقف الصيني أقل حسمًا مما تأمله القاهرة في ملف يمس الأمن المائي مباشرة. لكن في الوقت نفسه، فإن الحفاظ على مستوى مرتفع من التنسيق مع بكين يظل مهمًا، لأن الصين عضو دائم في مجلس الأمن، وصوتها له وزن سياسي في أي تحرك دولي يتعلق بالنزاع.
كما أن تنامي العلاقات المصرية الصينية يمنح القاهرة مساحة أكبر لشرح موقفها القانوني والسياسي للصين بشكل مباشر. وهذا يفسر استمرار اللقاءات والاتصالات الرسمية بين الجانبين. ففي 4 يونيو 2025، استقبل وزير الخارجية والهجرة الدكتور بدر عبد العاطي المسؤول الصيني تشاي جون، مبعوث الحكومة الصينية الخاص للشرق الأوسط، في لقاء عكس استمرار الزخم في العلاقات الثنائية، وإن كان البيان المعلن ركز على ملفات إقليمية أوسع.
خامسًا: أين تقف الصين عمليًا؟
عمليًا، يمكن القول إن الصين تقف في منطقة وسط: لا تؤيد التصعيد المصري ضد إثيوبيا علنًا، ولا تمنح إثيوبيا تأييدًا صريحًا لخطواتها الأحادية. والأرجح أن بكين ترى أن مصلحتها تكمن في استمرار دورها كشريك مقبول لدى الطرفين، لا كطرف في النزاع.
هذا يعني أن الرهان المصري على الصين ليس رهانًا على انحياز، بقدر ما هو رهان على تفهم المصالح المصرية ومنع تحول الموقف الصيني إلى داعم للرؤية الإثيوبية. وفي السياسة الدولية، أحيانًا يكون منع الخصم من كسب تأييد قوة كبرى إنجازًا بحد ذاته.
خلاصة المشهد
إذا أردنا فهم محددات الموقف الصيني بين مصر وإثيوبيا، فالمعادلة تبدو واضحة: الصين حريصة على مصر كشريك استراتيجي كبير، وحريصة في الوقت نفسه على إثيوبيا كشريك أفريقي مهم. لذلك فهي تتمسك بخطاب التوازن، وتفضل التفاوض، وتتجنب التورط في اصطفاف علني.
بالنسبة لمصر، يظل التحدي قائمًا في كيفية توظيف قوة العلاقات مع بكين لدفعها نحو موقف أكثر اقترابًا من المطالب المصرية المرتبطة باتفاق قانوني ملزم يحمي الحقوق المائية. أما بالنسبة للصين، فالأولوية تبدو حتى الآن هي إدارة التوازن لا حسم الانحياز.
- مصر ترى السد قضية أمن قومي ومائي.
- إثيوبيا تواصل التمسك بحقها في استكمال المشروع وتشغيله.
- الصين تحافظ على علاقات قوية مع الطرفين وتفضل الحل التفاوضي.
- النتيجة: موقف صيني محسوب، أقرب إلى الحياد العملي منه إلى الدعم الصريح لأي طرف.