Akhbar Cairo

كيف قد يعيد نبيل فهمي تشكيل نفوذ مصر عربياً؟

تعيين جديد يضع القاهرة مجدداً في قلب العمل العربي

يدخل السفير نبيل فهمي إلى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية اعتباراً من 1 يوليو 2026، بعد اعتماد مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري تعيينه لمدة خمس سنوات خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو 2026. القرار أُعلن بعد اجتماع المجلس في عمّان يوم 22 يونيو 2026، ورحبت به القاهرة رسمياً باعتباره خطوة جديدة في مسار القيادة المصرية للعمل العربي المشترك.

أهمية الخطوة لا تتعلق فقط باسم شاغل المنصب، بل بالتوقيت أيضاً. فالجامعة العربية، التي تأسست في القاهرة عام 1945 وتضم 22 دولة عربية، تواجه لحظة إقليمية مزدحمة بالأزمات: الحرب في غزة، اضطرابات البحر الأحمر، النزاع في السودان، الانقسام الليبي، وتحديات الأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم في مصر: كيف يمكن أن ينعكس وجود نبيل فهمي على نفوذ القاهرة الإقليمي؟

لماذا يحمل اسم نبيل فهمي وزناً خاصاً؟

فهمي ليس دبلوماسياً طارئاً على المشهد. فهو وزير خارجية مصر الأسبق بين يوليو 2013 ويونيو 2014، وسفير سابق لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، ولدى اليابان بين 1997 و1999. كما أسس كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2009، ويشغل صفة العميد المؤسس الفخري لها. هذا المزيج بين الخبرة الحكومية والبعد الأكاديمي يمنحه صورة مختلفة عن مجرد مدير بيروقراطي لمؤسسة إقليمية.

اللافت أيضاً أن الرئاسة المصرية، خلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع فهمي يوم 21 يونيو 2026، أشارت إلى أن المرشح المصري طرح تصورات لـتطوير أداء الجامعة العربية وصياغة رؤية استراتيجية متقدمة، مع التشديد على تعزيز دور الجامعة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. هذه الإشارة مهمة لأنها توحي بأن القاهرة لا تنظر إلى المنصب باعتباره رمزياً فقط، بل كمنصة لإعادة تعريف وظيفة الجامعة نفسها.

كيف قد تستفيد مصر سياسياً؟

1) تثبيت مركز القاهرة كعاصمة القرار العربي المؤسسي

منذ عودة مقر الجامعة إلى القاهرة عام 1990 بعد إعادة مصر إلى المنظمة في 1989، ظل منصب الأمين العام أحد أدوات الثقل المصري الناعم في الإقليم. ومع تولي فهمي المنصب، تستعيد مصر هذا الامتداد بشخصية معروفة داخل دوائر الدبلوماسية الدولية، ما يمنح القاهرة قدرة أكبر على تجميع المواقف العربية لا مجرد استضافتها.

المنصب لا يعني أن مصر ستفرض قراراتها على 22 دولة، لكن وجود أمين عام مصري ينسجم مع الرؤية الرسمية في القاهرة يسهّل صياغة أولويات النقاش العربي، واختيار الملفات التي تُدفع إلى الصدارة، وطريقة إدارة التوازنات بين العواصم الخليجية والمغاربية والمشرقية.

2) تحسين موقع مصر في ملفات الوساطة

مصر تتحرك بالفعل في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، لكن قيادة الجامعة تمنحها بعداً مؤسسياً إضافياً. فإذا نجح فهمي في تنشيط أدوات المتابعة السياسية داخل الجامعة، فقد تتمكن القاهرة من تحويل بعض أدوارها من وساطة ثنائية إلى مظلة عربية أوسع. وهذا مهم خصوصاً في القضايا التي تحتاج غطاءً جماعياً، مثل دعم الدولة الفلسطينية، حماية وحدة السودان، أو تثبيت مسارات التسوية في ليبيا.

ميزة فهمي هنا أنه قادم من خلفية تفاوضية تركز على الأمن الإقليمي ونزع السلاح والدبلوماسية متعددة الأطراف، وهي ملفات قد تساعده على إعطاء الجامعة صوتاً أكثر تماسكاً في التعامل مع القوى الدولية.

3) فتح نافذة أقوى على واشنطن والعواصم الكبرى

بحكم عمله سفيراً في واشنطن لقرابة تسع سنوات، يملك فهمي شبكة علاقات وخبرة مباشرة في مخاطبة المؤسسات الأمريكية. بالنسبة لمصر، هذا قد يفيد في لحظة تتقاطع فيها الملفات العربية مع حسابات الولايات المتحدة وأوروبا في قضايا الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي. وجود شخصية تعرف كيف تتحدث بلغة الدبلوماسية الغربية قد يساعد الجامعة على عرض الموقف العربي بشكل أكثر فاعلية، وفي الوقت نفسه يعزز صورة مصر كوسيط يمكن التواصل معه.

أين يمكن أن يظهر التغيير عملياً؟

غزة والقضية الفلسطينية

يصعب الحديث عن أي تحول في النفوذ المصري من دون التوقف عند غزة. القاهرة تظل لاعباً مركزياً بحكم الجغرافيا واتفاقات التهدئة ومعبر رفح. وإذا استطاع فهمي تحويل الجامعة إلى منصة أكثر انتظاماً في الحشد السياسي والإنساني والدبلوماسي للقضية الفلسطينية، فإن ذلك سيعطي مصر ميزة إضافية: قيادة الملف ليس فقط ميدانياً، بل أيضاً على مستوى الشرعية العربية الجماعية.

السودان وليبيا

استقرار جوار مصر المباشر يظل أولوية أمن قومي. الجامعة العربية كانت حاضرة في الملفين السوداني والليبي، لكن تأثيرها ظل متفاوتاً. ما قد يغيره فهمي هو أسلوب المتابعة، عبر بناء آلية أكثر انتظاماً بين الجامعة والدول المعنية والمنظمات الإقليمية الأخرى. إن حدث ذلك، فسيصب في مصلحة مصر التي تبحث عن تقليل كلفة الفوضى على حدودها الجنوبية والغربية.

الاقتصاد والعمل العربي المشترك

أحد أكثر العناصر لفتاً في التصريحات الرسمية المصرية هو تركيز فهمي على الدور الاقتصادي والاجتماعي للجامعة. هذا يلامس احتياجات القارئ المصري مباشرة: التجارة، الاستثمار، الأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد. صحيح أن الجامعة ليست مؤسسة تنفيذية بحجم الاتحاد الأوروبي، لكن مجرد دفع أجندة عربية أكثر عملية في النقل والطاقة والربط اللوجستي يمكن أن يمنح مصر مساحة أوسع لتسويق نفسها كمركز إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات.

ما القيود التي ستواجهه؟

رغم ما سبق، لا ينبغي المبالغة. نفوذ الأمين العام يبقى مرتبطاً بإرادة الدول الأعضاء. الجامعة العربية تاريخياً تعكس توازنات النظام العربي أكثر مما تعيد تشكيله وحدها. لذلك فإن نجاح نبيل فهمي لن يُقاس بالخطب أو الرمزية، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة أمور ملموسة:

  • تقليل فجوة الانقسام العربي في الملفات الكبرى.
  • تحويل الجامعة إلى منصة متابعة لا مجرد منصة بيانات.
  • ربط السياسي بالاقتصادي بما يخلق مصلحة مشتركة للدول الأعضاء.

كما أن الرجل يرث مؤسسة تعمل في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب، ما يعني أن أي تحرك سيحتاج إلى توافقات معقدة، خصوصاً بين العواصم العربية الكبرى.

ماذا يعني ذلك لمصر في المدى المتوسط؟

إذا نجح فهمي في بدء ولاية نشطة منذ 1 يوليو 2026، فقد تكسب مصر ثلاث فوائد متراكمة: تعزيز مكانتها كعاصمة للعمل العربي المؤسسي، رفع قدرتها على إدارة الأزمات من خلال مظلة جماعية، وتحسين صورتها كقوة إقليمية تمزج بين الدبلوماسية والأمن والاقتصاد. أما إذا بقيت الجامعة أسيرة البيانات التقليدية، فسيظل أثر التعيين محدوداً في حدود الرمزية السياسية.

لكن المؤكد حتى الآن أن تعيين نبيل فهمي، وهو الأمين العام التاسع للجامعة العربية، يفتح أمام القاهرة فرصة نادرة لإعادة تعريف نفوذها الإقليمي من داخل مؤسسة عربية مقرها القاهرة نفسها. وفي منطقة تتغير بسرعة، قد تكون قيمة هذه الفرصة في كيفية استثمارها أكثر من المنصب ذاته.