Akhbar Cairo

كيف ينظم قانون العمل الأهلي جمع التبرعات في مصر؟

قواعد واضحة لجمع التبرعات تحت مظلة القانون

أعاد قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 رسم الإطار القانوني الذي تعمل من خلاله الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر، ومن بين أهم الملفات التي نظمها بدقة ملف جمع التبرعات، باعتباره من أكثر الجوانب اتصالًا بثقة المواطنين وبسلامة توجيه الأموال إلى الأغراض الاجتماعية والتنموية المعلنة. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في بلد يضم نحو 35 ألف جمعية أهلية مسجلة وموفقة أوضاعها، وفق تصريحات رسمية لوزارة التضامن الاجتماعي خلال 2025، وهو ما يعكس حجم القطاع الأهلي واتساع تأثيره في المحافظات والقرى والمراكز.

وبحسب القانون، لا يترك أمر جمع الأموال أو التبرعات لاجتهاد كل جمعية بمفردها، بل يربطه بإجراءات ترخيص ومتابعة من الجهة الإدارية المختصة، بما يضمن أن تكون عملية تلقي الأموال وإنفاقها خاضعة للرقابة والشفافية والمساءلة.

ما الذي يقوله القانون المصري بشأن جمع التبرعات؟

النصوص المنظمة في قانون 149 لسنة 2019 تؤكد أن الجمعية الأهلية يجوز لها جمع التبرعات، لكن ذلك لا يتم بشكل مطلق، وإنما بعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية. كما يضع القانون قواعد خاصة بالدعوة العامة لجمع المال، سواء كانت التبرعات نقدية أو عينية، وسواء جرت بالوسائل التقليدية أو عبر الوسائط الرقمية.

وتبرز هنا أهمية المادة التي تناولت الدعوة العامة للتبرع، إذ تلزم من يوجه دعوة للجمهور لجمع التبرعات - في غير إطار مؤسسات المجتمع الأهلي المرخصة - بإخطار الجهة الإدارية خلال ثلاثة أيام عمل كحد أقصى من تاريخ توجيه الدعوة، مع توضيح الغرض منها. ولا يجوز التصرف في ما يُجمع من أموال إلا بعد الحصول على تصريح، مع تقديم بيان بإجمالي التبرعات وأوجه الصرف والمستندات الدالة على ذلك.

وزارة التضامن الاجتماعي شددت أيضًا في بيان رسمي منشور في 1 مايو 2022 على أن جمع التبرعات عبر المنصات الإلكترونية، مثل صفحات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، يخضع هو الآخر لنفس المبدأ: لا جمع للأموال من دون تصريح. وأوضحت الوزارة أن من يخالف ذلك يعرّض نفسه للمساءلة القانونية، وأن الأموال التي تُجمع بالمخالفة أو دون تصريح تؤول إلى صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية.

لماذا يركز القانون على الترخيص المسبق؟

الهدف الأساسي من اشتراط الترخيص ليس التضييق على العمل الأهلي، وإنما حماية المتبرعين وضمان وصول الأموال إلى مصارفها المعلنة. فالدولة، ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي ومديرياتها، تسعى إلى التفرقة بين العمل الأهلي المنظم والحملات العشوائية أو غير المعلومة المصدر، خصوصًا مع الانتشار الواسع للتبرعات الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة.

هذا التنظيم يكتسب أهمية إضافية في ظل توسع دور المجتمع المدني في تنفيذ مبادرات تنموية وخدمية داخل مصر. فوزارة التضامن أكدت في أكثر من مناسبة أن مؤسسات المجتمع الأهلي شريك أساسي في خطط التنمية والحماية الاجتماعية، كما أعلنت موافقتها خلال عام 2024 على 1637 منحة للجمعيات الأهلية بإجمالي يتجاوز 14.5 مليار جنيه، مقارنة بـ1186 منحة فقط خلال 2023 بإجمالي تخطى 5.5 مليار جنيه. وهذه الأرقام تعكس حجم التمويل المتداول داخل القطاع، وبالتالي الحاجة إلى ضوابط دقيقة في جمع وإنفاق الأموال.

كيف تُطبق القواعد على الجمعيات والأفراد؟

أولًا: بالنسبة للجمعيات الأهلية

إذا رغبت جمعية أهلية في جمع تبرعات من داخل مصر، فإن عليها أن تتحرك عبر القنوات القانونية المعتمدة لدى وزارة التضامن الاجتماعي أو المديريات التابعة لها في المحافظات. ويتعين أن يكون الغرض من جمع التبرعات واضحًا ومتسقًا مع أهداف الجمعية المشهرة، وأن تكون هناك قدرة على إثبات أوجه الصرف لاحقًا بالمستندات.

كما أن القانون واللائحة التنفيذية، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 104 لسنة 2021 والمنشورة في يناير 2021، وضعا إطارًا أوسع لحوكمة العمل الأهلي، سواء في ما يتعلق بالإخطار، أو مباشرة الأنشطة، أو الرقابة المالية والإدارية، أو تنظيم العلاقة بين الجمعيات والوزارة.

ثانيًا: بالنسبة للأفراد والكيانات غير المرخصة

الأمر أكثر حساسية حين يتعلق بأفراد أو صفحات إلكترونية أو مبادرات غير مقيدة كجمعية أو مؤسسة أهلية. فمجرد الدعوة العامة للتبرع باسم حالة إنسانية أو مشروع خيري لا يمنح صاحبها حق التصرف في الأموال دون إخطار وتصريح. وهذا ينطبق على الدعوات التي تُنشر عبر فيسبوك أو إنستجرام أو واتساب أو غيرها من المنصات الرقمية، وفق ما أوضحته وزارة التضامن صراحة.

وبالتالي، فإن أي حملة تبرعات عامة داخل مصر تحتاج إلى سند قانوني واضح، خاصة إذا كانت موجهة للجمهور وتستهدف جمع أموال أو مساعدات عينية على نطاق واسع.

دور وزارة التضامن الاجتماعي في الرقابة والمتابعة

تتولى وزارة التضامن الاجتماعي الإشراف على هذا الملف من خلال البنية التنظيمية التي أقرها قانون العمل الأهلي، بما في ذلك الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي والوحدات التابعة لها. ويشمل دورها فحص الطلبات، والتأكد من مشروعية النشاط، ومتابعة أوجه الإنفاق، ومراجعة المستندات عند اللزوم.

هذا الدور الرقابي لا ينفصل عن توجه أوسع داخل الدولة نحو حوكمة القطاع الأهلي وتعزيز التحول الرقمي في الخدمات والإجراءات. وفي نهاية 2024، كانت وزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة مايا مرسي قد أكدت في أكثر من مناسبة أهمية تمكين مؤسسات المجتمع المدني وتطوير آليات العمل المشترك، بما يضمن تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

كما عقدت الوزارة في 15 ديسمبر 2024 الاجتماع الأول لمجلس إدارة صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية بعد تشكيله، في خطوة تعكس الاهتمام الرسمي ببناء منظومة مؤسسية متكاملة لدعم القطاع ومتابعة موارده.

ماذا يعني ذلك للمتبرع المصري؟

بالنسبة للمواطن، فإن الرسالة الأهم هي ضرورة التحقق قبل التبرع. فوجود ترخيص أو تصريح رسمي لجمع التبرعات يمنح المتبرع قدرًا أكبر من الثقة في أن أمواله ستذهب إلى الهدف المعلن، وأن الجهة القائمة على الحملة خاضعة للمراجعة. كما أن الاعتماد على جمعيات ومؤسسات معروفة ومشهرة يقلل من مخاطر إساءة استخدام التبرعات.

وفي المقابل، فإن القانون يمنح الجمعيات الجادة مساحة للعمل، لكنه يطالبها بالالتزام بالإفصاح والانضباط المالي. وهذه المعادلة تبدو ضرورية في ظل اتساع احتياجات المجتمع وارتفاع الاعتماد على المبادرات الأهلية في ملفات مثل الرعاية الاجتماعية، ومساندة الأسر الأولى بالرعاية، والخدمات الصحية، ودعم التعليم، والتنمية المحلية.

خلاصة المشهد

يمكن القول إن قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 لم يكتفِ بالسماح للجمعيات الأهلية بجمع التبرعات، بل ربط هذا الحق بسلسلة من الإجراءات التي تستهدف الشفافية والانضباط وحماية المال العام والخاص. ومع تطور أدوات التبرع وانتقال كثير من الحملات إلى الفضاء الإلكتروني، أصبحت مسألة التصريح والرقابة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وفي السياق المصري، لا يبدو تنظيم جمع التبرعات مجرد مسألة إجرائية، بل جزءًا من تصور أوسع لإدارة العمل الأهلي باعتباره شريكًا في التنمية، على أن يتم ذلك ضمن قواعد قانونية واضحة تحفظ ثقة المجتمع، وتمنح الجهات الجادة فرصة أكبر للعمل المؤسسي الفعّال.

أبرز النقاط في القانون باختصار

  • الجمعيات الأهلية يجوز لها جمع التبرعات بعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية.
  • الدعوة العامة للتبرع خارج الإطار المرخص تستوجب إخطار الجهة الإدارية خلال ثلاثة أيام عمل.
  • التصرف في الأموال المجموعة لا يجوز إلا بعد الحصول على تصريح رسمي.
  • التبرعات الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تخضع للقواعد نفسها.
  • الأموال المجموعة بالمخالفة قد تؤول إلى صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
  • اللائحة التنفيذية صدرت بقرار رئيس الوزراء رقم 104 لسنة 2021 لاستكمال تنظيم الإجراءات والضوابط.