كيم جونج أون يؤكد تعميق الشراكة مع روسيا وسط توترات دولية
كيم جونج أون يشدد على توثيق التعاون مع موسكو
جدّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون تأكيده أن بلاده ماضية في تعميق التعاون مع روسيا، في رسالة حملت دلالات سياسية واضحة بشأن مستوى التقارب الحالي بين بيونغ يانغ وموسكو. وجاءت الإشارة الجديدة في رد بعثه كيم إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد تهنئة روسية بمناسبة الذكرى الثامنة والسبعين لتأسيس كوريا الشمالية في 9 سبتمبر/أيلول 2026، وفق ما أوردته وكالة يونهاب نقلاً عن وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، كما أكدت تقارير دولية أن الرسالة تضمنت تعهداً بمواصلة توسيع العمل المشترك بين البلدين.
الرسالة تعكس استمرار اللغة السياسية التي تستخدمها بيونغ يانغ عند الحديث عن علاقتها مع موسكو، إذ تربط بين التعاون الثنائي وبين ما تصفه بالدفاع عن العدالة والسلام في مواجهة أوضاع دولية معقدة. وبالنسبة للمتابع العربي، ولا سيما القارئ المصري، فإن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل التوازنات في شرق آسيا، وتأثير الحرب في أوكرانيا على شبكات التحالفات الدولية.
من التقارب الدبلوماسي إلى شراكة أوسع
التطور الحالي ليس حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن مسار تصاعدي في العلاقات الروسية الكورية الشمالية خلال العامين الأخيرين. ففي 19 يونيو/حزيران 2024 أجرى بوتين محادثات في بيونغ يانغ مع كيم جونج أون، وتوّجت الزيارة بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، بحسب الموقع الرسمي للكرملين، الذي نشر كذلك أمراً رئاسياً روسياً بشأن التوقيع على المعاهدة في 18 يونيو/حزيران 2024.
ومنذ ذلك الحين، تتحدث موسكو وبيونغ يانغ بصورة متكررة عن توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي 7 سبتمبر/أيلول 2026 افتتح الجانبان أول جسر بري جديد بينهما فوق نهر تومين، في خطوة وصفتها وسائل إعلام كورية بأنها بنية تحتية أساسية لتنشيط التعاون بين البلدين، بينما اعتبرها مراقبون مؤشراً عملياً على انتقال الشراكة من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى المشاريع اللوجستية العابرة للحدود.
لماذا يكتسب هذا التقارب أهمية خاصة الآن؟
تزايد الاهتمام الدولي بهذه العلاقة لأن توقيتها يرتبط ببيئة استراتيجية شديدة الحساسية: الحرب المستمرة في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، والضغوط المفروضة على كوريا الشمالية بسبب برنامجها الصاروخي والنووي. وتقول تقارير نشرتها وكالات دولية إن موسكو وبيونغ يانغ اقتربتا بصورة ملحوظة، مع حديث متكرر عن تعاون عسكري واقتصادي أوسع تحت مظلة اتفاق الدفاع المتبادل.
كما تشير تقديرات اقتصادية نقلتها تقارير إقليمية إلى أن التعاون مع روسيا أصبح عاملاً مهماً في دعم اقتصاد كوريا الشمالية. وذكرت تغطيات إخبارية استندت إلى تقديرات بنك كوريا المركزي في الجنوب أن اقتصاد الشمال سجل نمواً تجاوز 3% في عام 2025 للعام الثالث على التوالي، مع اعتبار التعاون الاقتصادي مع موسكو محركاً مهماً في هذا المسار.
رسائل متبادلة تتجاوز المجاملة البروتوكولية
الرسائل المتبادلة بين كيم وبوتين لم تعد مجرد مناسبات بروتوكولية. ففي 9 سبتمبر/أيلول 2026 بعث بوتين رسالة تهنئة إلى الزعيم الكوري الشمالي بمناسبة عيد تأسيس الدولة، وتعهد فيها بمواصلة تطوير العلاقات الاستراتيجية، قبل أن يرد كيم برسالة شكر شدد فيها على تعميق العمل المشترك. وتكشف هذه الصيغة عن رغبة متبادلة في تثبيت العلاقة كخيار طويل الأمد، وليس كتنسيق عابر فرضته ظروف إقليمية مؤقتة.
وبالنسبة للكرملين، تبدو بيونغ يانغ شريكاً مهماً في لحظة دولية ضاغطة. أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فإن توثيق الصلة مع روسيا يمنحها متنفساً سياسياً واقتصادياً، ويعزز قدرتها على المناورة في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. هذا الاستنتاج يستند إلى مجمل التطورات المعلنة، حتى لو أن بعض أوجه التعاون الفعلي ما زالت غير مفصلة بالكامل في التصريحات الرسمية.
انعكاسات إقليمية تهم القارئ العربي
قد تبدو أخبار شبه الجزيرة الكورية بعيدة جغرافياً عن المنطقة العربية، لكنها تمس ملفات تتابعها القاهرة والعواصم العربية بدقة، وفي مقدمتها أمن الممرات الدولية، وأسواق الطاقة، وشكل الاستقطاب العالمي المتصاعد. فكلما اتسعت دائرة التحالفات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا وبالمواجهة بين الشرق والغرب، ازدادت التداعيات على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وهي قضايا تنعكس بصورة غير مباشرة على اقتصادات المنطقة، بما فيها مصر.
ومن منظور تحليلي، فإن تعميق الشراكة بين روسيا وكوريا الشمالية يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الآسيوي، خصوصاً مع استمرار التوتر في ملفات الصواريخ الكورية الشمالية، والتحركات العسكرية في محيط كوريا الجنوبية واليابان. كما أن أي توسيع للبنية التحتية المشتركة أو الترتيبات الدفاعية بين موسكو وبيونغ يانغ سيبقى محل متابعة من الأمم المتحدة ومن القوى الكبرى المعنية بأمن شمال شرق آسيا.
ما الذي يمكن ترقبه في المرحلة المقبلة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن العلاقات بين البلدين ستواصل التقدم على ثلاثة مسارات رئيسية:
- المسار السياسي: استمرار تبادل الرسائل والزيارات وتأكيد الالتزام بالشراكة الاستراتيجية.
- المسار اللوجستي والاقتصادي: البناء على مشروعات الربط الحدودي، مثل الجسر البري الجديد بين خاسان الروسية وراسون الكورية الشمالية.
- المسار الأمني: بقاء التعاون الدفاعي في صلب المتابعة الدولية، في ضوء الاتفاقات الموقعة والتقارير المتداولة حول توسع الشراكة العسكرية.
في المحصلة، فإن تصريحات كيم جونج أون الأخيرة لا تبدو مجرد تكرار لعبارات دبلوماسية مألوفة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من إعادة التموضع الجيوسياسي بين موسكو وبيونغ يانغ. ومع كل رسالة جديدة أو مشروع مشترك جديد، يتأكد أن هذه العلاقة أصبحت أحد الملفات الساخنة في شرق آسيا، وأن تأثيراتها لن تبقى محصورة داخل حدود البلدين، بل ستمتد إلى حسابات الأمن والسياسة الدولية التي يتابعها العالم العربي أيضاً باهتمام متزايد.