كيم يو جونغ: بيونغ يانغ ماضية في تحديث قوتها النووية
كيم يو جونغ ترفع سقف الخطاب النووي في بيونغ يانغ
جدّدت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وأحد أبرز الوجوه النافذة في دائرة صنع القرار ببيونغ يانغ، تمسك بلادها بمواصلة تحديث قدراتها العسكرية، مع تأكيد خاص على القوات النووية الكورية الشمالية باعتبارها، وفق رؤية النظام، الضمانة الأساسية للدفاع عن الدولة وردع خصومها.
التصريحات جاءت في أجواء إقليمية شديدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل بيونغ يانغ الربط بين توسيع ترسانتها العسكرية وبين ما تصفه بالضغوط والتهديدات القادمة من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وفي بيان نقلته وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية في 24 أبريل 2024، هاجمت كيم يو جونغ المناورات العسكرية المشتركة بين واشنطن وسيول، وتعهدت بالعمل على بناء قوة عسكرية “ساحقة” و”الأقوى” لحماية السيادة وما تصفه بيونغ يانغ بالأمن الإقليمي. كما دافعت عن تدريبات أجرتها بلادها لمحاكاة هجوم نووي مضاد باعتبارها، من وجهة نظرها، ممارسة لحق الدفاع عن النفس.
ما الذي تعنيه الرسالة الكورية الشمالية الآن؟
الرسالة السياسية هنا تتجاوز مجرد رد فعل إعلامي. فبيونغ يانغ تحاول تثبيت معادلة مفادها أن الردع النووي ليس ورقة تفاوض مؤقتة، بل جزء دائم من بنية الدولة واستراتيجيتها الأمنية. هذا التوجه تدعمه خطوات داخلية اتخذها النظام خلال السنوات الأخيرة، بينها ترسيخ سياسة بناء القوة النووية في الإطار القانوني والدستوري للدولة، بحسب ما وثقته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقاريرها حول كوريا الشمالية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بحدود شرق آسيا، بل بتداعياته على الأمن الدولي، وأسواق السلاح، وحسابات القوى الكبرى، واحتمالات التصعيد التي تؤثر على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة. أي توتر كبير في تلك المنطقة ينعكس عادة على سلاسل الإمداد والأسواق المالية، وهي قضايا تتابعها العواصم العربية عن كثب.
خلفية التصعيد: مناورات أمريكية كورية جنوبية ورد كوري شمالي
تزامنت تصريحات كيم يو جونغ مع فترة شهدت تكثيفًا للمناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وزارة الدفاع الأمريكية كانت قد أكدت في البيان المشترك الصادر عقب الحوار الدفاعي المتكامل بين واشنطن وسيول في 11 أبريل 2024 التزامها “الراسخ” بالدفاع عن كوريا الجنوبية باستخدام كامل نطاق قدراتها العسكرية، بما في ذلك القدرات النووية والتقليدية والدفاع الصاروخي. كما شدد البيان على أن أي هجوم نووي من كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة أو حلفائها سيكون غير مقبول.
وبعد ذلك بأيام، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية أن كيم جونغ أون أشرف في 22 أبريل 2024 على تدريب تكتيكي مشترك يحاكي هجومًا نوويًا مضادًا، وشمل وحدات من راجمات صواريخ كبيرة العيار قالت بيونغ يانغ إنها ستلعب دورًا في تعزيز قدرة الدولة على الرد السريع ضمن منظومة إدارة الأسلحة النووية لديها.
في هذا السياق، تبدو تصريحات شقيقة الزعيم امتدادًا لنهج رسمي متكامل: مناورات أمريكية كورية جنوبية في جانب، وتأكيد كوري شمالي على تطوير السلاح النووي والتلويح بالردع في الجانب الآخر.
البرنامج النووي الكوري الشمالي إلى أين؟
المؤشرات المتاحة من المصادر الدولية تقول إن البرنامج النووي الكوري الشمالي لم يتوقف، بل يواصل التقدم. فبحسب تقرير الضمانات الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعام 2024، واصلت الوكالة متابعة مؤشرات مرتبطة بتشغيل منشآت نووية في كوريا الشمالية، بما في ذلك أنشطة في مجمع يونغبيون، مع تأكيدها أنها لا تملك وصولًا ميدانيًا مباشرًا داخل البلاد، لكنها ترصد التطورات عبر المعلومات المتاحة وصور الأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل.
وفي يونيو 2026، نقلت تقارير دولية عن وكالة الأنباء المركزية الكورية أن كيم جونغ أون دعا خلال تفقده منشأة جديدة لإنتاج مواد نووية إلى توسيع الترسانة الذرية “بشكل أُسّي”، في إشارة تعكس أن بيونغ يانغ لا تتعامل مع ملفها النووي باعتباره أداة تفاوض فقط، بل كمسار استراتيجي طويل المدى.
العقوبات الدولية ما زالت قائمة
رغم تعثر بعض آليات المتابعة الأممية في السنوات الأخيرة، فإن عقوبات مجلس الأمن على كوريا الشمالية لا تزال سارية. وتؤكد صفحة لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1718 لعام 2006 أن اللجنة لا تزال تشرف على الإجراءات المفروضة على بيونغ يانغ، حتى بعد انتهاء تفويض فريق الخبراء التابع لها في 30 أبريل 2024. كما شددت الأمم المتحدة في إحاطة رسمية خلال 2026 على أن جميع الدول مطالبة بالالتزام بهذه العقوبات في تعاملها مع كوريا الشمالية.
هذا المعطى مهم لأن بيونغ يانغ، رغم الضغوط والعزلة، ما زالت تصر على أن سياستها النووية غير قابلة للتراجع تحت الضغط. وهو ما يجعل أي انفراجة سياسية في الملف النووي مرهونة بتغيرات كبيرة في البيئة الأمنية المحيطة، وليس فقط بجولة مفاوضات جديدة.
لماذا تحظى كيم يو جونغ بكل هذا الاهتمام؟
تحظى كيم يو جونغ بمتابعة دولية واسعة لأنها ليست مجرد شقيقة للزعيم، بل تُعد من أبرز الأصوات السياسية والإعلامية في النظام الكوري الشمالي. وظهرت خلال الأعوام الماضية كواجهة للرسائل الحادة الموجهة إلى سيول وواشنطن، سواء في ما يتعلق بالمناورات العسكرية أو ملف السلاح النووي أو العلاقات بين الكوريتين. لذلك فإن أي تصريح يصدر عنها يُقرأ عادة باعتباره يعكس بدقة الخط الرسمي لبيونغ يانغ، لا مجرد رأي شخصي.
وفي بيانها في أبريل 2024، ركزت على أن البلاد ستواصل تعزيز قدراتها في مواجهة ما تصفه بالقوات “المعادية”، وهو تعبير تستخدمه كوريا الشمالية باستمرار للإشارة إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. كما أشارت تقارير كورية جنوبية إلى أنها تحدثت عن أكثر من 80 تدريبًا عسكريًا نفذته الولايات المتحدة مع حلفائها منذ بداية ذلك العام، إلى جانب تدريبات منفصلة نفذتها سيول.
كيف ينعكس ذلك على المشهد الإقليمي والدولي؟
استمرار كوريا الشمالية في تحديث قوتها النووية يعني ببساطة أن شبه الجزيرة الكورية ستبقى واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم. فالولايات المتحدة تواصل تعزيز مظلة الردع لحلفائها، وكوريا الجنوبية واليابان ترفعان مستوى التنسيق الأمني، بينما ترد بيونغ يانغ بمزيد من التجارب والتطوير والخطاب التصعيدي.
ومن منظور أوسع، فإن هذا التصعيد يضعف فرص العودة السريعة إلى مفاوضات نزع السلاح النووي، خصوصًا في ظل تمسك كوريا الشمالية بوضعها كدولة نووية “قانونيًا” و”استراتيجيًا”، بحسب خطابها الرسمي. كما يزيد المخاوف من سباق تسلح إقليمي قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد من شرق آسيا.
بالنسبة للمنطقة العربية، ولقراء مصر تحديدًا، فإن متابعة هذا الملف تظل ضرورية ليس فقط من زاوية السياسة الدولية، بل أيضًا من زاوية الأمن البحري والتجاري العالمي، في وقت يشهد فيه النظام الدولي توترات متزامنة في أكثر من جبهة.
خلاصة المشهد
الخلاصة أن تصريحات كيم يو جونغ تعكس ثباتًا في النهج الكوري الشمالي لا تبدو معه بيونغ يانغ مستعدة لتقديم تنازلات في ملفها النووي قريبًا. فبين مناورات الحلفاء، والعقوبات المستمرة، ومواصلة تطوير المنشآت والقدرات النووية، يبدو أن كوريا الشمالية ماضية في تكريس السلاح النووي باعتباره مركز عقيدتها الدفاعية، حتى لو أدى ذلك إلى مزيد من التوتر مع المجتمع الدولي.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى كل إشارة صادرة من الدائرة الضيقة المحيطة بكيم جونغ أون، وعلى رأسها كيم يو جونغ، ذات وزن سياسي يتجاوز حدود التصريح، لأنها تقدم قراءة مباشرة لمسار الدولة الأكثر انغلاقًا وتسليحًا في شرق آسيا.