Akhbar Cairo

لبنان يلغي عقوبة الإعدام رسميا في خطوة غير مسبوقة عربيا

لبنان يطوي صفحة عقوبة الإعدام بتصويت برلماني تاريخي

أقرّ البرلمان اللبناني، يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026، قانونا ينهي العمل بعقوبة الإعدام في التشريعات اللبنانية، على أن تُستبدل بعقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة المشددة. وبذلك يدخل لبنان مرحلة قانونية جديدة بعد سنوات طويلة من الجدل الحقوقي والسياسي حول مستقبل العقوبات الأشد في البلاد.

الخطوة الجديدة تكتسب أهمية مضاعفة، لأنها لا تأتي من فراغ؛ فلبنان لم ينفذ أي حكم إعدام فعليا منذ يناير 2004، رغم استمرار صدور أحكام بالإعدام في عدد من القضايا قبل أن تُعلّق أو تُخفف لاحقا. الجديد هذه المرة أن التجميد غير المعلن تحول إلى نص قانوني أقرّه مجلس النواب، ما يمنح التوجه طابعا رسميا ونهائيا.

ماذا أقر البرلمان اللبناني؟

بحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، صوّتت غالبية أعضاء البرلمان اللبناني المؤلف من 128 نائبا لصالح إنهاء عقوبة الإعدام، بينما لم يؤيدها نواب كتلة حزب الله. كما وصف وزير العدل اللبناني عادل نصار القرار بأنه خطوة تاريخية للبلاد.

وكان مسار القانون قد تقدم قبل ذلك داخل اللجان النيابية المشتركة. وبحسب بيانات منشورة على موقع مجلس النواب اللبناني، ناقشت لجنة الإدارة والعدل مشروع القانون في مايو 2026، كما أقرت لجنة حقوق الإنسان اقتراحا لإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالحبس المؤبد في فبراير من العام نفسه، قبل أن يصل الملف إلى التصويت النهائي تحت قبة البرلمان.

من التجميد إلى الإلغاء الكامل

التحول الحالي لا يعني أن لبنان كان خاليا من أحكام الإعدام خلال السنوات الماضية، بل يعني أن التنفيذ نفسه كان متوقفا. منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، تحدثت خلال يوليو 2026 عن أن لبنان كان على أعتاب أن يصبح أول دولة في الشرق الأوسط تُنهي عقوبة الإعدام رسميا، بعد موافقة ثلاث لجان برلمانية على مشروع القانون في 9 يوليو 2026.

وتشير المعطيات الواردة في تقارير حقوقية حديثة إلى أن عشرات المحكومين ظلوا يواجهون هذه العقوبة على الورق. وذكرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، استنادا إلى بيانات من إدارة السجون بوزارة العدل، أن عدد المحكوم عليهم بالإعدام بلغ 85 سجينا بنهاية 2025، من دون تسجيل أي تنفيذ خلال ذلك العام.

لماذا يُعد القرار لافتا على مستوى المنطقة؟

أهمية القرار لا تتوقف عند الداخل اللبناني فقط، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي الأوسع. فبحسب أحدث تقارير منظمة العفو الدولية عن أوضاع عقوبة الإعدام، ما زالت عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنفذ أحكام الإعدام، من بينها مصر وإيران والعراق والكويت والسعودية والإمارات واليمن خلال عام 2025. كما تؤكد المنظمة أن 113 دولة حول العالم أصبحت ملغية للعقوبة تماما بنهاية 2025، بينما ألغتها 145 دولة في القانون أو الممارسة.

في هذا السياق، يمثل القرار اللبناني سابقة بارزة إقليميا، لأن الإلغاء هنا لم يعد مجرد وقف تنفيذي أو تجميد إداري، بل تعديلا تشريعيا صريحا يرفع العقوبة من النصوص القانونية نفسها ويستبدلها بعقوبة سالبة للحرية.

اعتراضات سياسية وملف العفو العام

ورغم مرور القانون، لم يخلُ النقاش من تحفظات واعتراضات داخلية. تقارير إخبارية صادرة خلال يونيو ويوليو 2026 أشارت إلى أن الجدل حول إلغاء الإعدام تداخل مع نقاش آخر شديد الحساسية يتعلق بمشروع العفو العام في لبنان، وهو ما أثار قلق عائلات ضحايا هجمات وجرائم كبرى، خشية أن يؤدي أي تعديل تشريعي متزامن إلى تخفيف واسع للعقوبات أو خروج بعض المدانين من السجن.

كما أن بعض النواب والقوى السياسية أثاروا تساؤلات بشأن كيفية تطبيق صيغة الأشغال الشاقة المشددة في ظل أوضاع السجون اللبنانية، خاصة مع مشكلات الاكتظاظ وضعف الإمكانات المالية والإدارية. وتشير تقارير صحفية إقليمية إلى أن السجون اللبنانية تستوعب أعدادا تفوق طاقتها، وهو ما يعقد أي نقاش مرتبط بتشديد العقوبات السالبة للحرية أو آليات تنفيذها.

ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للمتابع المصري، يحمل الخبر قيمة تتجاوز حدوده اللبنانية. فملف عقوبة الإعدام يظل من أكثر الملفات حساسية في النقاشات القانونية والحقوقية في المنطقة العربية، لأنه يرتبط بأسئلة العدالة الجنائية، وحقوق الضحايا، وردع الجريمة، وضمانات المحاكمة العادلة، وحدود سلطة الدولة في توقيع أقصى العقوبات.

وفي الوقت الذي تواصل فيه عدة دول عربية الإبقاء على العقوبة أو تنفيذها، يقدم النموذج اللبناني مثالا على انتقال دولة من التجميد العملي إلى الإلغاء القانوني الكامل. هذا الفارق مهم؛ لأن كثيرا من الدول قد توقف التنفيذ سنوات طويلة، لكن من دون تعديل التشريع نفسه، ما يبقي الباب مفتوحا أمام العودة إلى التنفيذ في أي وقت.

موقف المنظمات الحقوقية

المنظمات الحقوقية الدولية رحبت بالتصويت اللبناني. هيومن رايتس ووتش اعتبرت في وقت سابق أن إلغاء الإعدام في لبنان سيكون قطيعة نهائية مع عقوبة وصفتها بالقاسية والنهائية، فيما تواصل منظمة العفو الدولية الضغط من أجل توسيع نطاق الإلغاء في المنطقة، معتبرة أن الاتجاه العالمي يميل بوضوح نحو التخلي عن هذه العقوبة.

ومع ذلك، يظل الجدل قائما في المنطقة بين من يرى الإعدام أداة ردع قصوى في الجرائم الأشد، ومن يعتبر أن أخطاء العدالة المحتملة، وطبيعة العقوبة غير القابلة للتراجع، يجعلان من الإلغاء خيارا أكثر اتساقا مع معايير حقوق الإنسان الحديثة.

ما الخطوة التالية في لبنان؟

عمليا، يفتح إقرار القانون الباب أمام مرحلة جديدة من التكييف القانوني والإجرائي داخل المنظومة القضائية اللبنانية، بما يشمل آليات تحويل أوضاع المحكوم عليهم بالإعدام، وحدود تطبيق عقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة المشددة، ومدى الحاجة إلى تعديلات لاحقة على النصوص المرتبطة بتنفيذ العقوبات.

كما سيبقى الاختبار الحقيقي في كيفية ترجمة هذا التغيير داخل السجون والمحاكم، خاصة مع استمرار الضغوط المرتبطة بالاكتظاظ، وكلفة الاحتجاز طويل الأمد، وحساسية القضايا المرتبطة بالإرهاب والقتل العمد والجرائم الكبرى.

لكن المؤكد حتى الآن أن تصويت 11 أغسطس 2026 وضع لبنان في موقع مختلف داخل الخريطة العربية، بعد أن انتقل من وقف التنفيذ الفعلي منذ 2004 إلى إلغاء عقوبة الإعدام رسميا بقانون نافذ أقره البرلمان، في واحدة من أبرز التحولات التشريعية التي شهدتها البلاد هذا العام.