Akhbar Cairo

لقاء ترامب وجوزاف عون ينعش رهان التهدئة في جنوب لبنان

واشنطن وبيروت: دفعة سياسية جديدة لملف الجنوب

أعادت المحادثات التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026، تسليط الضوء على مستقبل التهدئة في جنوب لبنان، ودور واشنطن في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصًا الجيش. الزيارة اكتسبت أهمية خاصة لأنها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع استمرار اختبار الاتفاق الإطاري المعلن بين لبنان وإسرائيل، وسط رهانات على أن يفتح ذلك الباب أمام خفض التوتر على الحدود الجنوبية.

وفي هذا السياق، قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إن لقاء ترامب وعون كان مثمرًا للغاية، موضحًا أن النقاش شمل دعم الجيش اللبناني، وتعزيز التعاون الاقتصادي، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بالاستقرار الإقليمي. وتأتي هذه التصريحات متقاطعة مع ما أوردته تقارير دولية عن أن واشنطن تواصل لعب دور الوسيط والمواكب لتنفيذ التفاهمات المعلنة بين بيروت وتل أبيب.

ماذا دار في لقاء ترامب وعون؟

بحسب وكالة أسوشيتد برس، تعهد ترامب خلال لقائه مع عون بمساعدة لبنان "بشكل كبير"، من دون أن يعلن تفاصيل تنفيذية فورية، بينما ركز الجانب اللبناني على هدفين واضحين: دفع إسرائيل إلى الانسحاب من مناطق في الجنوب، والحصول على دعم يمكّن الجيش اللبناني من توسيع انتشاره وفرض سلطة الدولة في المناطق الحدودية. كما وصفت الوكالة الزيارة بأنها الأولى لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ عام 2009، ما يمنحها وزنًا سياسيًا إضافيًا في العلاقات الثنائية.

الرئيس اللبناني دخل اللقاء من زاوية تعتبرها بيروت أساسية: تثبيت الأمن يبدأ من انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي لا تزال تشهد احتكاكًا، ثم توسيع انتشار الجيش اللبناني، بما يتيح عودة تدريجية للحياة الطبيعية في القرى المتضررة. أما واشنطن، فتتعامل مع الملف باعتباره جزءًا من ترتيبات أوسع لضبط التوتر في المشرق، في ظل تشابك الساحات بين لبنان وسوريا وإيران وإسرائيل.

الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.. أين وصل؟

المعطيات المتاحة من مصادر دولية تشير إلى أن لبنان وإسرائيل أعلنا في 26 يونيو 2026 اتفاقًا إطاريًا يتضمن مسارًا لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، مقابل ترتيبات أمنية تشمل توسيع دور الجيش اللبناني، مع طرح خطوات لاحقة تقود إلى تفاهمات أوسع بين الطرفين. لكن هذا المسار لم يتحول بعد إلى تنفيذ كامل على الأرض، إذ ما زالت الآلية العملية تُختبر عبر ما يسمى "المناطق التجريبية" أو pilot zones.

ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية ونقلته أسوشيتد برس، جرى التوافق في محادثات توسطت فيها واشنطن بالعاصمة الإيطالية روما على هيكل وآليات خاصة بهذه المناطق التجريبية، تمهيدًا لتطبيقها في الأيام التالية. وكانت التقارير قد أشارت إلى أن المناطق المطروحة تشمل بلدات مثل فرون وصريفا وزوطر الغربية، وهي أسماء عادت إلى الواجهة بوصفها اختبارًا مبكرًا لمدى قدرة الاتفاق على الصمود والتحول إلى خطوات ملموسة.

الأمر المهم هنا أن التنفيذ لا يسير بوتيرة متساوية في كل منطقة. فبعض القرى يوجد فيها الجيش اللبناني بالفعل، بينما تبقى مناطق أخرى موضع احتكاك مباشر أو انتشار جزئي للقوات الإسرائيلية، وهو ما يفسر حديث مسعد بولس عن أن التنفيذ "يسير تدريجيًا" لا دفعة واحدة. كما يفسر أيضًا لماذا تتعامل بيروت بحذر مع أي إعلان سياسي لا تواكبه خطوات ميدانية واضحة.

تنسيق أمريكي-عسكري ومتابعة من "سنتكوم"

من أبرز النقاط التي تستحق التوقف، حديث بولس عن وجود تنسيق "ممتاز" بين القيادة المركزية الأمريكية والجيشين اللبناني والإسرائيلي. هذا الوصف يجد ما يدعمه في التحركات التي سبقت لقاء واشنطن؛ إذ استقبل الرئيس اللبناني جوزاف عون في 29 يونيو 2026 قائد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر، في اجتماع تناول التحضيرات المرتبطة ببدء تنفيذ الاتفاق الإطاري. كما عقد كوبر لقاءً مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لبحث إنجاح آلية التنفيذ وتعزيز التعاون العسكري المستقبلي.

بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن دلالة هذا التنسيق تتجاوز البعد اللبناني الداخلي؛ لأن استقرار جنوب لبنان يرتبط مباشرة بأمن شرق المتوسط، وبمسار التوازنات في المشرق العربي ككل. وأي تقدم في تثبيت الهدوء هناك قد يخفف من احتمالات اتساع دائرة المواجهة الإقليمية، وهو ما ينعكس على ملفات الملاحة والطاقة والاستثمار والاستقرار السياسي في المنطقة العربية الأوسع.

دعم الجيش اللبناني في قلب المحادثات

ملف الجيش اللبناني لم يكن تفصيلاً جانبيًا في اللقاء، بل محورًا أساسيًا. فبيروت تدفع منذ أشهر باتجاه تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية بوصفها الجهة الشرعية القادرة على الإمساك بالأرض في الجنوب. وتُظهر الوقائع المعلنة أن الدولة اللبنانية تعتبر انتشار الجيش حتى الحدود الجنوبية الدولية جزءًا من استعادة السيادة الفعلية، لا مجرد إجراء أمني مؤقت.

هذا الطرح يحظى بدعم أمريكي معلن منذ أسابيع. فخلال الاتصالات واللقاءات السابقة لزيارة عون، تكرر الحديث عن مساندة المؤسسات الرسمية اللبنانية والقوى الأمنية الشرعية، مع تأكيد أن نجاح أي اتفاق يتوقف على وجود طرف رسمي قادر على التطبيق والمتابعة. ومن هنا، فإن أي مساعدة أمريكية للجيش اللبناني ستكون محل متابعة عربية ودولية، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على ملء الفراغ ومنع انزلاق الجنوب إلى جولات تصعيد جديدة.

العامل الاقتصادي حاضر أيضًا

إلى جانب الأمن، حضرت الملفات الاقتصادية في النقاش بين واشنطن وبيروت. صحيح أن التفاصيل لم تُعلن بالكامل، لكن إدراج التعاون الاقتصادي ضمن جدول الأعمال يحمل دلالة مهمة، لأن لبنان لا يواجه فقط تحديًا أمنيًا على الحدود، بل أزمة دولة ممتدة تتداخل فيها المالية العامة، والخدمات، والاستثمار، والثقة الدولية. وأي دعم سياسي لا يواكبه مسار اقتصادي سيكون محدود الأثر على المدى الطويل.

في هذا الإطار، تبدو واشنطن معنية بإبقاء لبنان داخل دائرة المؤسسات الرسمية والشراكات الدولية، بدل تركه أسيرًا للفراغ أو الاستقطاب الإقليمي. ومن منظور عربي أوسع، فإن استقرار لبنان اقتصاديًا وسياسيًا يظل مصلحة إقليمية، خصوصًا مع ما يمثله البلد من موقع جغرافي وسياسي حساس على ساحل المتوسط.

تحديات التنفيذ على الأرض

رغم الإشارات الإيجابية، فإن الطريق ما زال مليئًا بالعقبات. تقارير ميدانية تحدثت عن استمرار وجود إسرائيلي في أجزاء من بعض المناطق المطروحة ضمن المرحلة التجريبية، كما سجلت تطورات أمنية قد تؤثر على سرعة انتشار الجيش اللبناني. وهذا يعني أن الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، بل في قدرة الوسطاء والأطراف المعنية على تحويل التفاهمات إلى انسحابات فعلية وضمانات أمنية متبادلة.

كذلك، يظل البعد الداخلي اللبناني حاضرًا بقوة. فتنفيذ أي اتفاق من هذا النوع يحتاج إلى غطاء سياسي متماسك، وإلى قدرة الدولة على إدارة التوازنات المحلية الحساسة. لذلك، فإن حديث بولس عن المسار التدريجي يبدو أقرب إلى توصيف واقعي للمشهد، لا إلى مجرد لغة دبلوماسية.

خلاصة المشهد

يمكن القول إن لقاء ترامب وجوزاف عون منح دفعة سياسية جديدة لمسار لا يزال في بدايته. فواشنطن بعثت برسالة دعم للبنان، وبيروت أعادت التأكيد على أولوية بسط سلطة الدولة ودعم الجيش، بينما يظل الاتفاق الإطاري مع إسرائيل قيد الاختبار الميداني. وإذا نجحت المرحلة التجريبية في الجنوب، فقد يتحول ذلك إلى نقطة انطلاق لترتيبات أوسع تخفف التوتر وتعيد رسم قواعد الاشتباك في واحدة من أكثر جبهات المنطقة حساسية.

  • تاريخ اللقاء: الثلاثاء 21 يوليو 2026 في البيت الأبيض.
  • أبرز الملفات: دعم الجيش اللبناني، التعاون الاقتصادي، وتنفيذ الاتفاق الإطاري.
  • تاريخ الاتفاق: 26 يونيو 2026.
  • مناطق مطروحة للتنفيذ التجريبي: فرون، صريفا، وزوطر الغربية.
  • الجهة الأمريكية المنخرطة ميدانيًا: القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم".