لماذا أرجأ ترامب توجيه ضربات جديدة إلى إيران؟
تأجيل الضربات.. قرار عسكري أم فرصة سياسية؟
عاد ملف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بعد حديث الدبلوماسي الأمريكي السابق ريتشارد شميرر عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُغلق باب القوة بالكامل، لكنه فضّل إرجاء توجيه ضربات جديدة لإتاحة مساحة للتحركات الدبلوماسية. ويكتسب هذا التقييم أهمية خاصة لأن شميرر شغل سابقًا منصب سفير الولايات المتحدة لدى سلطنة عُمان، وهي دولة ترتبط تقليديًا بأدوار وساطة حساسة في الأزمات الإقليمية.
وبحسب التطورات الأحدث، فإن ترامب أعلن بالفعل وقفًا مؤقتًا للضربات الجديدة على إيران، في وقت تتكثف فيه اتصالات إقليمية ودولية لاحتواء التصعيد. وتشير المعطيات المتداولة في وسائل إعلام دولية موثوقة إلى أن وسطاء إقليميين، في مقدمتهم قطر وباكستان، يعملون على تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، بينما يجري التنسيق مع عُمان بشأن ترتيبات الملاحة والتهدئة في مضيق هرمز.
ما الذي قاله شميرر؟ ولماذا يلفت الانتباه؟
قراءة شميرر تنطلق من أن الإدارة الأمريكية ترى احتمالًا لحدوث انفراجة سياسية، ولو كانت محدودة. أهمية هذا الطرح لا تعود فقط إلى ظهوره الإعلامي، بل أيضًا إلى خلفيته الدبلوماسية؛ فريتشارد ج. شميرر شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى عُمان بين أغسطس 2009 وأغسطس 2012، ما يمنحه معرفة بطبيعة القنوات غير المباشرة التي كثيرًا ما تُستخدم بين واشنطن وطهران.
ومن المنظور المصري والعربي، تبدو هذه الزاوية مهمة للغاية، لأن أي انتقال من منطق الضربات إلى منطق التفاوض ينعكس مباشرة على أمن الملاحة في الخليج، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وهي ملفات تتابعها القاهرة عن كثب نظرًا لارتباطها بالاقتصاد الإقليمي وسلاسل الإمداد الدولية.
ضغوط الحلفاء الخليجيين لعبت دورًا حاسمًا
المعطيات المنشورة حديثًا تكشف أن قرار ترامب لم يكن نابعًا فقط من حسابات أمريكية داخلية، بل تأثر أيضًا بمواقف حلفاء واشنطن في الخليج. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن ترامب قال إنه تراجع عن تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران بعد اتصالات وضغوط من قادة خليجيين، بينهم مسؤولون من قطر والسعودية والإمارات، فضلوا منح المسار السياسي فرصة بدلًا من الذهاب إلى تصعيد واسع لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
هذا البعد يفسر لماذا برزت في الأيام الأخيرة أدوار عواصم مثل الدوحة ومسقط وإسلام آباد في إدارة الاتصالات غير المباشرة. فالدول الإقليمية الأكثر قربًا من مسرح التوتر تدرك أن أي ضربة كبيرة قد تدفع المنطقة إلى موجة ردود متبادلة تتجاوز حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية التقليدية.
قطر وباكستان وعُمان.. مثلث الوساطة
تتفق التقارير الأحدث على أن الوساطة لم تعد فكرة نظرية، بل صارت مسارًا عمليًا قائمًا. ووفق أسوشيتد برس، فإن قطر وباكستان تقودان جهودًا لردم الهوة بين واشنطن وطهران، بهدف إعادة الأطراف إلى تفاهمات تهدئة مرحلية بعدما تعثرت تفاهمات سابقة بسبب تبادل الهجمات. كما أشارت الوكالة إلى أن الوسطاء يعملون مع إيران وعُمان على آلية تتصل بتنظيم عبور السفن عبر مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الحالية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور العُماني بوصفه امتدادًا لتاريخ طويل من استضافة الاتصالات الهادئة بين الولايات المتحدة وإيران. أما قطر، فهي حاضرة بقوة في عدد من مسارات الوساطة الإقليمية، بينما تضيف باكستان عنصرًا مهمًا بحكم قنواتها مع أطراف متعددة في المنطقة. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الوساطات ليست تفصيلًا دبلوماسيًا ثانويًا، بل أحد المحددات الأساسية لما إذا كانت المنطقة تتجه إلى احتواء الأزمة أم إلى انفجار أوسع.
مضيق هرمز في قلب الحسابات
لا يمكن فهم قرار إرجاء الضربات من دون التوقف عند مضيق هرمز. فالتقارير الأمريكية تشير إلى أن أي تفاهم مطروح يتضمن، من حيث المبدأ، تهدئة في هذا الممر البحري الحيوي، إلى جانب وقف هجمات متبادلة في الإقليم. كما أوضحت أسوشيتد برس أن من بين أهداف المقترحات المطروحة إعادة فتح مسار الملاحة بشكل أكثر استقرارًا، مع معالجة الهواجس الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وبالهجمات على الشحن البحري.
أهمية هرمز بالنسبة لمصر لا تتوقف عند سوق النفط وحده. فكل اضطراب ممتد في هذا الممر يضغط على التجارة العالمية، ويؤثر في تكاليف الشحن والتأمين، ويمتد أثره إلى اقتصادات المنطقة بأكملها. ولهذا تبدو أي تهدئة، حتى لو كانت مؤقتة، ذات أثر يتجاوز حدود واشنطن وطهران.
ترامب بين التهديد والتراجع التكتيكي
الرئيس الأمريكي دونالد جيه. ترامب لم يبدّل خطابه جذريًا، بل يبدو أنه انتقل من حافة التصعيد إلى سياسة «الانتظار المشروط». فقبل إعلان وقف الضربات الجديدة، كان قد لوّح بإمكانية توجيه هجوم كبير، ثم عاد ليتحدث عن تفضيل الاتفاق إذا أمكن الوصول إليه. أسوشيتد برس نقلت عنه أيضًا أنه يتوقع استئناف المفاوضات سريعًا، وإن من دون تقديم تفاصيل كاملة عن شكل هذه المحادثات أو المشاركين فيها.
هذا النمط ليس جديدًا في أسلوب ترامب (@potus على إنستغرام وفق صفحة البيت الأبيض الرسمية التي تعرض حسابات ومحتوى الإدارة)، إذ يجمع غالبًا بين لغة الضغط الأقصى وإبقاء الباب مواربًا أمام الصفقة. ومن ثم، فإن تأجيل الضربات لا يعني بالضرورة انتهاء خيار القوة، بل قد يكون جزءًا من محاولة تحسين شروط التفاوض وإظهار أن واشنطن ما زالت تمسك بأدوات التصعيد والتهدئة معًا.
هل نحن أمام تهدئة حقيقية أم هدنة قابلة للانهيار؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على اتفاق نهائي. ما هو متاح يشير إلى وساطات نشطة، وتفاهمات أولية، ومحاولات لإعادة ضبط الإيقاع الميداني. لكن التجربة السابقة في هذا الملف توضح أن الانتقال من وقف مؤقت للتصعيد إلى تسوية مستقرة ليس أمرًا سهلًا، خاصة مع تعدد الملفات العالقة، من أمن الملاحة إلى حدود الردع العسكري، مرورًا بمستقبل التفاهمات النووية.
كما أن تصريحات ترامب الأخيرة نفسها تعكس هذا الالتباس: هو لا يتحدث عن سلام مكتمل، بل عن فرصة يجب اختبارها. وفي المقابل، تستمر إيران في التمسك بخطوطها الحمراء، بينما يعمل الوسطاء على بناء أرضية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أشمل.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يبدو أن سبب تأجيل ترامب للضربات الجديدة على إيران يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
- أولًا: وجود وساطات إقليمية نشطة تقودها قطر وباكستان، مع دور محوري لعُمان في قنوات الاتصال الفنية والسياسية.
- ثانيًا: ضغوط من حلفاء خليجيين حذروا من أن أي هجوم واسع قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة.
- ثالثًا: اقتناع داخل واشنطن بأن هناك احتمالًا، ولو محدودًا، لتحقيق اختراق دبلوماسي أفضل من الذهاب فورًا إلى جولة جديدة من الضربات.
وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية: لا حرب شاملة حُسمت، ولا تسوية كاملة وُلدت بعد. لكن المؤكد أن قرار الإرجاء يعكس إدراكًا أمريكيًا وإقليميًا بأن كلفة الانفجار قد تكون أكبر بكثير من كلفة منح الدبلوماسية وقتًا إضافيًا.