لماذا أعادت ليبيا ملف الرحلة 114 إلى الواجهة الآن؟
ليبيا تُخطر لاهاي: عودة ملف قديم بمعنى سياسي جديد
إخطار ليبيا لمحكمة العدل الدولية بنيتها تحريك دعوى ضد إسرائيل بشأن إسقاط طائرة الركاب الليبية الرحلة 114 فوق سيناء في 21 فبراير 1973 ليس مجرد استدعاء لحادثة قديمة من أرشيف الصراع العربي الإسرائيلي، بل خطوة سياسية وقانونية تحمل دلالات تتجاوز الماضي نفسه. ووفق ما أوردته وسائل إعلام ليبية، فإن الإخطار قُدم عبر سفير ليبيا لدى هولندا زياد دغيم، وهو السفير المعتمد في لاهاي منذ 2023، حيث مقر محكمة العدل الدولية. جوهر التحرك أن طرابلس تريد تحويل واقعة بقيت لعقود في الذاكرة العربية إلى ملف نزاع قانوني دولي منظم، مستندة إلى وثائق رفعت عنها السرية وإلى سجل دولي سابق أدان الواقعة بوضوح.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن القضية تمس مساحة حساسة من التاريخ الوطني أيضًا؛ فالحادث وقع فوق سيناء المصرية حين كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكانت الرحلة في طريقها إلى مطار القاهرة الدولي بعد توقفها في بنغازي. أي أن الحادثة ليست بعيدة عن الجغرافيا المصرية ولا عن سياق الصراع الذي سبق حرب أكتوبر بأشهر قليلة.
ماذا نعرف يقينًا عن الحادث؟
المعلومات الأكثر ثباتًا تأتي من السجلات الدولية الخاصة بالطيران المدني ووثائق محكمة العدل الدولية نفسها. الطائرة كانت من طراز بوينغ 727 وتشغّلها الخطوط الجوية العربية الليبية على الرحلة رقم 114 بين طرابلس وبنغازي ثم القاهرة. أثناء الرحلة، انحرفت الطائرة عن مسارها فوق سيناء المحتلة آنذاك، قبل أن تعترضها مقاتلات إسرائيلية. وانتهى الأمر بإسقاطها، مع سقوط 108 قتلى بحسب وثائق استندت إليها مرافعات مودعة لدى محكمة العدل الدولية، بينما أشارت وثائق أخرى في أرشيف منظمة الطيران المدني الدولي إلى 106 قتلى، وهو اختلاف معروف في السجلات المرتبطة بالحادث ويعكس تباينًا بين مراحل التوثيق الأولى واللاحقة.
المهم هنا أن منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) تعاملت مع الواقعة بوصفها حادثًا خطيرًا يمس سلامة الملاحة الجوية المدنية. وفي وثائق الجمعية العمومية للمنظمة عام 1973، وردت إدانة صريحة لإسقاط الطائرة الليبية فوق الأراضي المصرية المحتلة، مع التأكيد على فتح تحقيق في الملابسات. كما تُظهر وثائق أخرى مودعة في ملفات محكمة العدل الدولية أن مجلس المنظمة لم يجد مبررًا لإسقاط الطائرة، واعتبر ما جرى انتهاكًا خطيرًا لمبادئ اتفاقية شيكاغو الخاصة بالطيران المدني.
لماذا الآن بعد أكثر من نصف قرن؟
السؤال الأهم ليس فقط: لماذا تتحرك ليبيا؟ بل: لماذا الآن؟ التفسير الأول هو ظهور أو إعادة إبراز وثائق حكومية رُفعت عنها السرية، وهو ما يمنح أي تحرك قانوني جديد مادة توثيقية أقوى من السرد السياسي التقليدي. بعض التغطيات العربية السابقة استندت إلى محاضر ووثائق إسرائيلية أُفرج عنها لاحقًا، وأعادت الجدل بشأن طبيعة القرار العسكري الذي أدى إلى إسقاط الطائرة، وهو ما يعني أن الملف لم يعد قائمًا على الذاكرة وحدها، بل على وثائق يمكن البناء عليها في النزاع القضائي.
التفسير الثاني يرتبط بالمناخ القانوني والسياسي الدولي بعد الحرب على غزة. خلال العامين الأخيرين، تحولت محكمة العدل الدولية إلى ساحة مركزية للنزاعات المرتبطة بإسرائيل، سواء على مستوى التدابير المؤقتة أو المرافعات ذات الطابع الإنساني والقانوني. في هذا السياق، يبدو التحرك الليبي جزءًا من موجة أوسع تحاول استخدام أدوات القانون الدولي لإعادة مساءلة إسرائيل عن وقائع تاريخية ومعاصرة.
أما التفسير الثالث، فهو داخلي ليبي بامتياز: استعادة ملفات السيادة والذاكرة الوطنية تمنح أي سلطة أو مؤسسة دبلوماسية فرصة لتقديم نفسها بوصفها مدافعة عن حق تاريخي واضح وغير ملتبس أخلاقيًا. في حالات الانقسام الداخلي، تميل الدول إلى تبني قضايا جامعة رمزيًا، والرحلة 114 واحدة من أكثر القضايا الليبية قدرة على إنتاج إجماع وطني.
لكن هل يكفي الإخطار لبدء قضية فعلية؟
من الناحية القانونية، الإخطار لا يعني تلقائيًا أن المحكمة ستباشر النظر في النزاع غدًا. محكمة العدل الدولية تحتاج إلى أساس اختصاص واضح، وهذه هي العقدة الجوهرية في أي دعوى بين دولتين. المحكمة تنظر فقط في النزاعات التي تقبل الدول اختصاصها بشأنها، سواء عبر اتفاق خاص، أو عبر نصوص معاهدات تمنحها الولاية، أو عبر إعلانات قبول مسبق للاختصاص.
هنا تبرز صعوبة متوقعة: على ليبيا أن تبني ملفها ليس فقط على فداحة الواقعة، بل على الأساس القضائي الذي يجيز للمحكمة نظرها. ومع أن سجل منظمة الطيران المدني الدولي يدين الحادث بوضوح، فإن نقل هذا السجل إلى نزاع قابل للحكم أمام محكمة العدل الدولية يحتاج إلى هندسة قانونية دقيقة، خصوصًا مع تقادم الزمن وتعقيدات الاعتراف بالاختصاص. لهذا، فالتحرك الحالي قد يكون في مرحلته الأولى أقرب إلى تثبيت مطالبة رسمية وفتح مسار دبلوماسي-قانوني طويل، لا إلى توقع حكم سريع.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لمصر؟
مصريًا، للملف ثلاثة أبعاد مهمة. أولًا، لأن الحادث وقع فوق سيناء قبل أقل من ثمانية أشهر من حرب أكتوبر 1973، فهو يذكّر بطبيعة الإقليم في تلك اللحظة: أرض مصرية تحت الاحتلال، ومجال جوي شديد التوتر، ومسرح مفتوح لاشتباكات كانت كلفتها الإنسانية باهظة. ثانيًا، لأن وجهة الطائرة كانت القاهرة، فإن الحادث يظل جزءًا من تاريخ الطيران المدني المرتبط بمصر، حتى لو لم تكن القاهرة طرفًا مباشرًا في الدعوى الليبية المحتملة. ثالثًا، لأن أي عودة قانونية إلى ملفات ما قبل 1973 تعيد طرح أسئلة أوسع عن التوثيق، والمساءلة، وكيف تُصان ذاكرة الضحايا في المنطقة.
وفي هذا المعنى، فإن القضية لا تخص ليبيا وحدها؛ بل تتصل بفكرة عربية أوسع: هل يمكن تحويل المظلومية التاريخية الموثقة إلى مسار قانوني مؤثر، أم أن الزمن السياسي أطول عمرًا من الزمن القضائي؟
بين الرمزية والنتيجة: ماذا تريد طرابلس فعليًا؟
حتى إذا افترضنا أن المسار القضائي سيواجه عقبات إجرائية كبيرة، فإن ليبيا حققت بالفعل هدفًا أوليًا مهمًا: إعادة الحادثة إلى المجال الدولي بصفتها قضية قانونية لا مجرد ذكرى أليمة. هذا التحول في اللغة مهم جدًا. عندما تنتقل الواقعة من أرشيف الصحافة والتاريخ إلى سجلات لاهاي، تتغير طريقة التعامل معها: تصبح هناك مطالبات، دفوع، اختصاص، مسؤولية دولة، وتعويض أو إقرار بالمسؤولية على الأقل.
سياسيًا، الرسالة الليبية مزدوجة. إلى الخارج: هناك ملف لم يُغلق أخلاقيًا ولا قانونيًا. وإلى الداخل: الدولة، رغم انقسام مؤسساتها، ما زالت قادرة على استخدام أدوات القانون الدولي في قضايا سيادية ورمزية. أما بالنسبة للرأي العام العربي، فالقضية تفتح مجددًا نقاشًا أعمق من تفاصيل الطائرة نفسها: كيف تُدار العدالة حين يتأخر التقاضي خمسين عامًا؟ وهل يصبح التأخير سببًا لإهمال القضية، أم دافعًا إضافيًا لإحيائها؟
خلاصة الرأي
إعادة ليبيا ملف الرحلة 114 إلى محكمة العدل الدولية ليست خطوة عابرة، حتى لو لم تُترجم سريعًا إلى حكم قضائي. أهميتها الحقيقية أنها تكسر منطق النسيان. فالحادثة التي وقعت في سماء سيناء يوم 21 فبراير 1973 وعوقبت دوليًا بالإدانة داخل مؤسسات الطيران المدني، تعود اليوم بصيغة أكثر صرامة: مساءلة دولة أمام أعلى محكمة أممية.
من زاوية تحليلية، يبدو أن طرابلس تدرك أن القيمة السياسية للتحرك قد تسبق نتيجته القانونية. لكن في قضايا الذاكرة والسيادة ودماء المدنيين، يكفي أحيانًا أن تُعاد كتابة الملف بلغة الحق، لا بلغة الأرشيف فقط. وهنا تحديدًا تكمن قوة الخطوة الليبية: أنها لا تعدل الماضي، لكنها ترفض أن يبتلعه الصمت.