لماذا انسحبت واشنطن من مجلس حقوق الإنسان؟
انسحاب أمريكي أعاد الجدل حول جدوى العمل متعدد الأطراف
أعلنت الولايات المتحدة رسميًا، في 19 يونيو 2018، انسحابها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في خطوة قدّمتها إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب باعتبارها احتجاجًا على ما وصفته بانحياز المجلس المزمن ضد إسرائيل، وبفشله في منع دول ذات سجلات حقوقية مثيرة للانتقاد من شغل مقاعد داخله. الإعلان صدر في واشنطن على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وبمشاركة المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة آنذاك نيكي هيلي، التي كانت الوجه الأبرز في تبرير القرار سياسيًا وإعلاميًا.
القرار لم يكن معزولًا عن السياق الأوسع لسياسة إدارة ترامب. ففي الفترة نفسها، كانت واشنطن تعيد صياغة مقاربتها للملفات الدولية على أساس أقل ارتباطًا بالمؤسسات متعددة الأطراف وأكثر اعتمادًا على الضغوط المباشرة، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو التهديد باستخدام القوة. ومن هنا، بدا الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان جزءًا من تصور أوسع يرى أن المؤسسات الدولية لا تخدم المصالح الأمريكية بالصورة التي تريدها واشنطن.
ما الذي قالته واشنطن تحديدًا؟
بحسب التصريحات الرسمية الأمريكية وقتها، ركزت إدارة ترامب على نقطتين أساسيتين: الأولى أن مجلس حقوق الإنسان يخصص بندًا دائمًا لمناقشة الانتهاكات الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته واشنطن دليلًا على انحياز هيكلي. والثانية أن آلية انتخاب الأعضاء تسمح بوصول دول متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما يضعف صدقية المجلس نفسه.
هذا الطرح تبنّته نيكي هيلي بوضوح، وكانت آنذاك الشخصية الأكثر ارتباطًا بالملف داخل الإدارة الأمريكية. ورغم شهرتها السياسية الواسعة، لم يتسنّ التحقق من حساب رسمي موثق لها على إنستغرام بشكل يلبّي شرط الدقة، لذلك يرد اسمها هنا من دون إشارة لحساب.
لكن القراءة التحليلية للقرار تكشف أن الأمر لم يكن مجرد خلاف إجرائي داخل الأمم المتحدة. فالانسحاب حمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن واشنطن مستعدة للانسحاب من المنصات الدولية إذا رأت أنها غير قابلة للإصلاح من الداخل أو أنها تفرض عليها كلفة سياسية أعلى من العائد المتوقع.
الربط مع إيران: من الحقوق إلى سياسة «الضغط الأقصى»
التزامن بين الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان وتشديد العقوبات على إيران لم يكن مصادفة عابرة. ففي 8 مايو 2018، أعلن الرئيس ترامب وقف مشاركة الولايات المتحدة في الاتفاق النووي مع إيران، وبدأت وزارة الخزانة الأمريكية إعادة فرض العقوبات النووية على مرحلتين، مع فترات سماح انتهت في أغسطس ونوفمبر من العام نفسه. وزارة الخزانة وصفت ذلك لاحقًا بأنه جزء من حملة ضغط اقتصادي غير مسبوقة على طهران.
في هذا السياق، يمكن فهم انسحاب واشنطن من المجلس باعتباره جزءًا من مدرسة سياسية واحدة: تقليص هامش العمل الدبلوماسي الجماعي، وزيادة الاعتماد على أدوات الردع الأحادي. وحين تتحدث الإدارة الأمريكية عن حقوق الإنسان في إيران، ثم تنسحب في الوقت نفسه من أهم منصة أممية معنية بهذا الملف، فإن الرسالة التي تصل إلى كثيرين حول العالم تكون مزدوجة ومربكة: هل الهدف هو الدفاع عن القيم، أم توظيفها ضمن صراع جيوسياسي أوسع؟
هذا السؤال مهم بالنسبة للقارئ المصري والعربي عمومًا، لأن المنطقة كانت في ذلك التوقيت تعيش على إيقاع توترات إقليمية حادة، من الخليج إلى سوريا واليمن. وأي تصعيد أمريكي ضد إيران لم يكن يعني ملفًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران فقط، بل كان يحمل آثارًا مباشرة على أسعار الطاقة، وحركة الملاحة، والتوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.
كيف استقبلت الأمم المتحدة وحلفاء واشنطن الخطوة؟
الأمم المتحدة تعاملت مع القرار باعتباره تطورًا مؤسفًا. الأمين العام للأمم المتحدة، عبر متحدثه، أعرب في 19 يونيو 2018 عن تفضيل بقاء الولايات المتحدة داخل المجلس والعمل من داخله بدلًا من الانسحاب. كما انتقد الاتحاد الأوروبي القرار، معتبرًا أن المجلس يبقى منصة أساسية لحماية الحقوق والحريات، حتى مع الاعتراف بوجود عيوب تحتاج إلى إصلاح.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: واشنطن كانت تقول إنها تريد إصلاح المجلس، لكنها اختارت مغادرته بدل الاستمرار في معركة الإصلاح من الداخل. من منظور تحليلي، هذا النمط تكرر في ملفات أخرى خلال تلك المرحلة، حيث فضّلت الإدارة الأمريكية استخدام ورقة الانسحاب أو المقاطعة للضغط السياسي بدل الرهان على التفاوض الطويل داخل الأطر الدولية.
ماذا يعني ذلك لمستقبل مجلس حقوق الإنسان؟
مجلس حقوق الإنسان يتكون من 47 دولة عضو تُنتخب داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتبدأ دورة العضوية سنويًا في الأول من يناير. ورغم خروج الولايات المتحدة في 2018، استمر المجلس في العمل بتركيبته المعتادة، بينما واصلت دول أخرى، بينها مصر، توسيع حضورها في هذا المسار. وقد فازت مصر بعضوية المجلس للفترة 2026-2028 بحصولها على 173 صوتًا في انتخابات الجمعية العامة، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، كما شاركت القاهرة في أعمال الدورة الحادية والستين للمجلس في جنيف خلال 2026.
بالنسبة لمصر، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة. فحين تنسحب قوة كبرى مثل الولايات المتحدة من مؤسسة أممية، تتسع المساحة أمام قوى إقليمية ودولية أخرى للتأثير في أجندة النقاش وصياغة الأولويات. ومن هذا المنظور، فإن حضور الدول العربية، ومصر تحديدًا، داخل المجلس لا يتعلق فقط بالدفاع عن المواقف الوطنية، بل أيضًا بالمساهمة في إعادة التوازن إلى خطاب حقوق الإنسان عالميًا، بحيث لا يبقى أسيرًا للانتقائية السياسية.
قراءة مصرية: هل تضر واشنطن بنفسها؟
من زاوية المصالح الأمريكية نفسها، هناك من رأى أن الانسحاب أضعف قدرة واشنطن على التأثير في ملفات تقول إنها أولوية، مثل إيران، وكوريا الشمالية، والصين، وفنزويلا. فالقوة داخل المؤسسات الدولية لا تُقاس فقط بالقدرة على الاعتراض، بل أيضًا بالقدرة على بناء تحالفات، وصياغة قرارات، واستخدام المنابر الأممية لتثبيت مواقف سياسية وأخلاقية.
لذلك يمكن القول إن إدارة ترامب حققت مكسبًا رمزيًا داخليًا عبر إظهار التشدد تجاه الأمم المتحدة، لكنها في المقابل خسرت جزءًا من نفوذها داخل آلية حقوقية أممية مؤثرة. وحتى حين أعادت واشنطن لاحقًا تقييم علاقتها بهذه المؤسسات في سنوات تالية، ظل قرار يونيو 2018 علامة فارقة على مرحلة أمريكية اتسمت بالشك في جدوى النظام الدولي نفسه.
خلاصة المشهد
- التاريخ الحاسم: الولايات المتحدة أعلنت انسحابها من مجلس حقوق الإنسان في 19 يونيو 2018.
- الوجوه الرئيسية: مايك بومبيو ونيكي هيلي كانا في مقدمة المعلنين والمبررين للقرار.
- الخلفية السياسية: القرار جاء بعد أسابيع من انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران في 8 مايو 2018.
- الأداة الموازية: إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران تمت عبر مراحل انتهت في أغسطس ونوفمبر 2018.
- الدلالة الأوسع: الخطوة عكست تفضيل واشنطن في تلك المرحلة للضغط الأحادي على حساب العمل متعدد الأطراف.
في المحصلة، لا يمكن قراءة انسحاب أمريكا من مجلس حقوق الإنسان باعتباره خبرًا بروتوكوليًا يخص الأمم المتحدة فقط. المسألة كانت، ولا تزال، تتعلق بنوع العالم الذي تريده واشنطن: عالم تُدار أزماته عبر المؤسسات والقواعد، أم عبر موازين القوة والضغوط المباشرة. وبالنسبة لمنطقتنا، فإن الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية، بل تمس الأمن والاستقرار وملفات الاقتصاد والسياسة في آن واحد.