Akhbar Cairo

لماذا تتساهل حكومة نتنياهو مع عنف المستوطنين بالضفة؟

قصرة تعيد السؤال إلى الواجهة

تجددت الأنظار إلى قرية قصرة جنوب نابلس بعد سلسلة اعتداءات نسبت إلى مستوطنين إسرائيليين، في مشهد لم يعد استثنائيًا في الضفة الغربية، بل بات جزءًا من نمط متكرر يطال القرى المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية. ومع كل هجوم جديد، يعود السؤال نفسه: لماذا تبدو حكومة الاحتلال الإسرائيلي عاجزة أو غير راغبة في كبح عنف المستوطنين؟

المعطيات الميدانية والحقوقية خلال عام 2026 تعطي هذا السؤال وزنًا أكبر. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA وثّق بين 10 و16 مارس/آذار 2026 ما لا يقل عن 37 هجومًا نفذه مستوطنون ضد فلسطينيين في 29 تجمعًا، وكانت محافظة نابلس الأكثر تضررًا، ولا سيما قرية قصرة. وفي 14 مارس/آذار قُتل فلسطيني في قصرة بعدما هاجم مستوطنون، بعضهم مسلح، منزلًا ورشقوه بالحجارة ثم أطلقوا النار على السكان، ما أدى أيضًا إلى إصابة آخرين وتخريب ممتلكات. كما أشار المكتب إلى أن قصرة شهدت 27 اعتداءً موثقًا منذ بداية 2026 حتى أوائل أبريل/نيسان، وهو أعلى رقم سُجل في تجمع واحد خلال تلك الفترة.

أرقام التصعيد: من حوادث متفرقة إلى ظاهرة منظمة

الصورة الأوسع تتجاوز قصرة وحدها. ووفق تقارير OCHA، فإن الأشهر الأولى من 2026 شهدت قفزة كبيرة في وتيرة الهجمات، مع تسجيل مستويات اعتبرتها الأمم المتحدة من الأعلى منذ بدء التوثيق المنهجي لعنف المستوطنين. وحتى 11 مايو/أيار 2026، قُتل 12 فلسطينيًا على يد مستوطنين في هجمات بالضفة الغربية، بينما سُجلت إصابات بالمئات، ووصل عدد الجرحى الفلسطينيين في هجمات المستوطنين إلى نحو 490 مصابًا منذ بداية العام. وفي مارس/آذار وحده، بلغ عدد المصابين حوالى 170، وهو أعلى رقم شهري منذ بدء هذا الرصد عام 2006.

أما على مستوى الإحصاء الفلسطيني الرسمي، فقال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان إن قوات الاحتلال والمستعمرين نفذوا 11074 اعتداءً في النصف الأول من 2026، منها 3488 اعتداءً نفذها المستوطنون، مع تركز كبير في محافظات نابلس والخليل ورام الله والبيرة. وبحسب الهيئة، سجّل شهر مايو/أيار وحده 1659 اعتداءً من قوات الاحتلال والمستعمرين، في مؤشر على أن ما يجري لم يعد مجرد انفلات أمني محدود، بل ضغط متواصل على الأرض والسكان.

لماذا لا تتحرك حكومة نتنياهو؟

سياسيًا، يصعب فصل هذا الواقع عن بنية الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو (@b.netanyahu على إنستغرام). فالحكومة تستند إلى تحالف يميني وديني متشدد، يضم قوى تدافع صراحة عن التوسع الاستيطاني وتعارض أي ضغط فعلي على المستوطنين. هذا التكوين السياسي يجعل مواجهة العنف الاستيطاني مكلفة داخليًا لنتنياهو، لأن أي تشدد أمني ضد المستوطنين قد يهز تماسك ائتلافه في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

وكالة أسوشيتد برس أشارت في تقرير حديث إلى أن مشكلة عنف المستوطنين لا ترتبط بنتنياهو وحده، لكنها أوضحت أيضًا أن بقاءه السياسي يعتمد على دعم شخصيات وقوى تمثل التيار الأكثر دفاعًا عن المشروع الاستيطاني. وفي هذا السياق، يتكرر اسم كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش في النقاشات الإسرائيلية والدولية باعتبارهما من أبرز الوجوه الدافعة نحو توسيع الاستيطان ورفض كبحه سياسيًا.

لكن المسألة لا تقف عند حدود الحسابات الحزبية. فتقارير أممية وحقوقية تتحدث عن بيئة إفلات من العقاب، حيث تتكرر الاعتداءات من دون محاسبة رادعة، أو في ظل تدخل متأخر وغير كافٍ من الجيش والشرطة. مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قال في تقرير صدر في مارس/آذار 2026 إن عنف المستوطنين يجري في كثير من الأحيان بشكل «منسق واستراتيجي وإلى حد كبير من دون تحدٍ فعلي»، مع اتهام مباشر للسلطات الإسرائيلية بأنها تؤدي دورًا مركزيًا في التوجيه أو المشاركة أو التمكين.

قصرة نموذجًا: الاستهداف يتجاوز الأفراد إلى مقومات الحياة

ما يجعل قصرة حالة كاشفة هو أن الاستهداف لا يقتصر على مواجهات عابرة، بل يطال المنازل وشبكات المياه والكهرباء والأراضي الزراعية. ففي أوائل أبريل/نيسان 2026، وثّق OCHA ثلاث هجمات في القرية شملت الاعتداء على منازل، وسرقة أغنام وخزان مياه زراعي، وتخريب مركبات وممتلكات، ثم أعقبتها مواجهات أُصيب خلالها فلسطينيون، بينهم أطفال، بحالات اختناق من الغاز. وفي يوليو/تموز، سُجلت هجمات أخرى ألحقت أضرارًا بكابلات كهرباء وخط مياه رئيسي يخدم عددًا من الأسر.

هذا النوع من الاعتداءات له معنى سياسي يتجاوز الخسائر المباشرة؛ فهو يضغط على الناس في معيشتهم اليومية، ويدفع بعض التجمعات إلى الرحيل القسري التدريجي. الأمم المتحدة قالت في نهاية مارس/آذار 2026 إن عدد الفلسطينيين الذين نزحوا بسبب عنف المستوطنين والقيود المرتبطة به اقترب من 1700 شخص منذ بداية العام، وهو رقم تجاوز إجمالي النازحين في كامل 2025 قبل انقضاء الربع الأول من 2026. ثم ارتفع الرقم لاحقًا إلى أكثر من 2200 نازح بحلول يونيو/حزيران، بحسب تحديثات أممية لاحقة.

ما الذي يعنيه ذلك إقليميًا؟

بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التطورات مجرد شأن محلي داخل الضفة الغربية. فالتصعيد في نابلس ورام الله والخليل والقدس يضيف طبقة جديدة من التوتر في ملف الاحتلال، في وقت تعيش فيه المنطقة أصلًا ضغوطًا أمنية وإنسانية وسياسية معقدة. استمرار العنف الاستيطاني من دون ردع يضعف أي حديث عن تهدئة طويلة الأمد، ويغذي دوائر الغضب وعدم الاستقرار، بما ينعكس على مجمل المشهد الإقليمي الذي تتابعه القاهرة بحذر.

كما أن تكرار الهجمات على القرى الفلسطينية يرسخ واقعًا ميدانيًا جديدًا: توسيع السيطرة على الأرض عبر العنف اليومي، وليس فقط عبر القرارات الرسمية أو البناء الاستيطاني. وهذا ما يفسر لماذا تتعامل مؤسسات أممية مع الظاهرة باعتبارها جزءًا من بنية أوسع تشمل التهجير القسري، وقطع الوصول إلى الأراضي، وتقويض سبل العيش.

خلاصة المشهد

السؤال عن سبب تغاضي حكومة نتنياهو عن عنف المستوطنين لا يملك إجابة واحدة، لكنه يرتبط بثلاثة مستويات متداخلة:

  • أولًا: ائتلاف حاكم يعتمد سياسيًا على أحزاب وتيارات استيطانية متشددة.
  • ثانيًا: ضعف المحاسبة العملية، بما يخلق مناخًا يشجع على تكرار الهجمات.
  • ثالثًا: استخدام الضغط الميداني على القرى الفلسطينية كأداة لتغيير الوقائع على الأرض.

وفي هذا الإطار، تبدو قصرة أكثر من مجرد قرية تتعرض للحصار أو الاعتداء؛ إنها نموذج مكثف لكيفية تحوّل عنف المستوطنين إلى أداة سياسية موازية للاستيطان نفسه. ومع استمرار الهجمات، يصبح السؤال الأهم ليس فقط لماذا تتغاضى الحكومة الإسرائيلية، بل إلى أي مدى بات هذا التغاضي جزءًا من السياسة لا مجرد فشل في تطبيق القانون.