لماذا تتكرر هجمات المستوطنين على قصرة جنوب نابلس؟
قصرة تحت النار مجدداً
عادت قرية قصرة جنوب نابلس إلى صدارة المشهد في الضفة الغربية بعد واقعة حصار مستوطنين لمنزل أسرة فلسطينية تحمل الجنسية الأميركية، وهي حادثة دفعت السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى وصف ما جرى بأنه عمل إرهابي مروع، في مؤشر نادر على حجم الإحراج الذي سببته الواقعة حتى لحلفاء إسرائيل. كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه دفع بقوات إضافية إلى المنطقة، وقال إن بعض المشتبه بهم نُقلوا للاستجواب بعد تزايد التوتر حول القرية.
الواقعة الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل تعيد طرح سؤال أوسع: لماذا تتكرر هجمات المستوطنين على قرى نابلس، وبشكل خاص على قصرة؟ بالنسبة للقارئ المصري المتابع لملف الضفة الغربية، فإن الإجابة تتجاوز حادثة واحدة، وتمس خريطة الاستيطان، والسيطرة على الأرض، ومحاولات التضييق على القرى الفلسطينية المحيطة بنابلس.
أين تقع قصرة ولماذا تُعد نقطة اشتعال؟
تقع قصرة إلى الجنوب من مدينة نابلس، ويبلغ عدد سكانها نحو 6 آلاف نسمة وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وتحيط بالبلدة مستوطنات وبؤر استيطانية عدة، من بينها مجداليم وإيش كودش وأحيّا، إلى جانب بؤر رعوية توسعت خلال السنوات الأخيرة، ما جعل أراضي القرية وسكانها في تماس يومي مع اعتداءات المستوطنين.
هذا الموقع الجغرافي يفسر كثيراً من التصعيد؛ فقصرة ليست مجرد قرية زراعية عادية، بل تقع في نطاق تعتبره منظمات حقوقية وأممية من أكثر مناطق جنوب نابلس تعرضاً لضغط استيطاني متواصل، سواء عبر الاعتداء المباشر على السكان، أو إتلاف الممتلكات، أو تقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه والطرق.
الأرض هي جوهر الصراع
في قصرة، كما في قرى مجاورة مثل جالود وقريوت، يرتبط عنف المستوطنين غالباً بهدف عملي ومباشر: فرض وقائع جديدة على الأرض. تقارير محلية وحقوقية تتحدث عن مساحات واسعة من أراضي البلدة أصبحت مهددة أو صعبة الوصول بسبب تمدد البؤر الاستيطانية والرعوية. ومع كل هجوم، يزداد الضغط على الأهالي، سواء عبر الخوف اليومي أو الخسائر الاقتصادية أو صعوبة التنقل.
وتشير تقديرات أوردتها تقارير فلسطينية إلى أن جزءاً كبيراً من أراضي قصرة بات ضمن مناطق شديدة الحساسية أمنياً أو مهدداً بالمصادرة الفعلية، وهو ما يجعل الاعتداءات على القرية جزءاً من نمط أكبر يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في محيط المستوطنات.
ماذا تقول الأرقام عن 2026؟
الأمم المتحدة وثقت تصاعداً لافتاً في اعتداءات المستوطنين على قصرة خلال عام 2026. ففي تقرير الحالة الإنسانية الصادر في 10 أبريل 2026، قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إن القرية شهدت حتى ذلك الوقت 27 هجوماً لمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، وهو أعلى عدد مسجل في تجمع سكاني واحد خلال تلك الفترة. كما أشار التقرير إلى مقتل فلسطيني وإصابة ثمانية آخرين على يد مستوطنين في القرية خلال العام نفسه.
وفي تقرير آخر للأمم المتحدة عن 19 مارس 2026، جرى توثيق حادثة إطلاق نار في 14 مارس داخل قصرة، عندما هاجم مستوطنون، بعضهم مسلح، منزلاً ورشقوه بالحجارة ثم أطلقوا النار على فلسطينيين، ما أدى إلى مقتل رجل وإصابة آخرين. وبعد ذلك، ذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية أن الشهيد هو أمير معتصم محمود عودة، البالغ 28 عاماً.
هذه الأرقام تضع قصرة في قلب خريطة عنف المستوطنين في شمال الضفة، وتوضح أن ما يجري ليس حدثاً طارئاً، بل مساراً متراكماً من الاعتداءات.
من الحصار إلى الإحراق: كيف يتكرر النمط نفسه؟
الحادثة الأخيرة الخاصة بالأسرة الأميركية الفلسطينية أعادت الانتباه إلى أسلوب بات متكرراً: تجمهر مستوطنين قرب المنازل، ترهيب العائلات، منع الحركة، ثم تدخل عسكري متأخر أو محدود. ووفق تقارير صحفية دولية، استمر الحصار منذ أيام عدة، مع وجود مضايقات متواصلة للسكان داخل المنزل.
وقبل أسابيع فقط، وتحديداً في 26 يوليو 2026، برز اسم قصرة أيضاً بعد إحراق مسجد في البلدة، في هجوم نسبته مصادر فلسطينية إلى مستوطنين. وفي فبراير 2026، أفادت وكالة وفا بأن مستوطنين هاجموا منزلاً في قصرة وأصابوا مواطناً باستخدام أداة حادة. وبين هذه التواريخ، تكررت تقارير عن نصب خيام على أراضٍ فلسطينية، مهاجمة المنازل، وإطلاق نار خلال محاولات الأهالي التصدي للمهاجمين.
هذا التتابع الزمني يكشف أن الاعتداءات لا تقتصر على ردود فعل عابرة، بل تأخذ أشكالاً متعددة:
- الهجوم على المنازل لترهيب العائلات.
- الاعتداء على الأراضي الزراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها.
- إحراق الممتلكات ودور العبادة بما يضاعف الأثر النفسي والسياسي.
- إنشاء بؤر أو خيام استيطانية تمهيداً لفرض وجود دائم.
هل الهدف هو التهجير غير المعلن؟
مصطلح التهجير القسري لم يعد بعيداً عن توصيف ما يجري في أجزاء من الضفة الغربية. فالأمم المتحدة قالت في تقاريرها إن أكثر من 2300 فلسطيني نزحوا في الضفة الغربية خلال 2026 وحده بسبب هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول، بينما تجاوز العدد منذ 2023 نحو 6200 شخص، بينهم أكثر من 3 آلاف طفل.
صحيح أن قصرة نفسها لم تُفرغ من سكانها، لكن النمط الذي يصفه السكان والهيئات الحقوقية يقوم على الضغط المتدرج: تضييق على الطرق، اعتداءات على المنازل، خسائر زراعية، خوف دائم، ثم تقويض مقومات الحياة الطبيعية. هذا هو السياق الذي جعل حركة حماس تدعو أهالي الضفة الغربية إلى مساندة سكان قصرة، في ظل مخاوف فلسطينية من اتساع الضغوط على القرية والبلدات المجاورة.
لماذا يتركز التصعيد في قرى نابلس؟
محافظة نابلس تعد من أكثر مناطق الضفة الغربية احتكاكاً بين القرى الفلسطينية والبؤر الاستيطانية، خصوصاً في الشريط الجنوبي والجنوبي الشرقي. هذا التداخل الجغرافي يجعل قرى مثل قصرة وجالود وبيتا وقريوت في خط تماس مباشر. كما أن وجود بؤر رعوية جديدة وسرعة توسعها يضيفان طبقة جديدة من الصراع، لأن هذه البؤر لا تكتفي بالسكن، بل تسعى إلى السيطرة على مساحات مفتوحة واسعة تُستخدم للرعي والزراعة.
ومن منظور أوسع، ترى منظمات حقوقية أن ضعف المساءلة القانونية على اعتداءات المستوطنين يشجع على تكرارها. وحتى عندما يعلن الجيش الإسرائيلي توقيف مشتبه بهم أو فتح تحقيق، فإن الفلسطينيين ومنظمات المراقبة يشيرون إلى أن هذه الإجراءات نادراً ما تغيّر الواقع على الأرض.
ما دلالة الإدانة الأميركية؟
اللافت في حادثة قصرة الأخيرة أن الإدانة جاءت بسبب استهداف أسرة تحمل الجنسية الأميركية، وهو ما منح القضية صدى دولياً أكبر. لكن أهمية الموقف لا تقتصر على البعد القنصلي، بل لأنه سلط الضوء مجدداً على ملف عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وهو ملف تتابعه واشنطن أيضاً عبر تحذيرات السفر الرسمية التي لا تزال تشير إلى مخاطر الإرهاب والاضطرابات المدنية في الضفة.
بالنسبة لمصر، التي تتابع تطورات القضية الفلسطينية بوصفها جزءاً من أمن الإقليم واستقراره، فإن ما يحدث في قصرة يعكس اتجاهاً أخطر من مجرد اشتباكات محلية: إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية عبر العنف والضغط اليومي.
الخلاصة
استهداف قصرة ليس استثناءً، بل نموذج مكثف لما تواجهه قرى فلسطينية عدة في محيط نابلس. العامل الحاسم هو الموقع الجغرافي المحاصر استيطانياً، يليه السعي للسيطرة على الأرض ومنع الفلسطينيين من استخدامها، ثم توظيف العنف المتكرر كوسيلة ردع ودفع غير مباشر نحو الرحيل. وبينما تفرض حادثة الأسرة الأميركية الفلسطينية قدراً أكبر من الانتباه الدولي، فإن جوهر القصة يبقى أعمق: قرية صغيرة تقف في مواجهة ضغط استيطاني متصاعد، في واحدة من أكثر بؤر الضفة الغربية اشتعالاً.