Akhbar Cairo

لماذا تثير تجارب كوريا الشمالية البحرية قلق المنطقة؟

اختبار جديد.. ورسالة أوسع من مجرد إطلاق صاروخ

عندما تعلن كوريا الشمالية عن تجربة صاروخية جديدة، فإن الخبر لا يتعلق فقط بقطعة سلاح إضافية، بل بمسار سياسي وعسكري أوسع تحاول بيونج يانج ترسيخه في شرق آسيا. ففي 28 يناير 2024 أشرف الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على اختبار صاروخ كروز استراتيجي جديد يُطلق من غواصة، يحمل اسم “بولهواسال-3-31”. ووفق ما نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية وتابعته وكالة يونهاب الكورية الجنوبية، أصاب الصاروخان أهدافاً محددة بعد زمنَي تحليق بلغَا 7421 و7445 ثانية فوق البحر الشرقي، فيما قالت سول إنها رصدت الإطلاق قرب مدينة سينبو الساحلية، وهي منطقة ترتبط بأحواض بناء الغواصات الكورية الشمالية.

اللافت هنا ليس مجرد الاختبار نفسه، بل توقيته وسياقه. فالتجربة جاءت بعد أيام فقط من أول إعلان كوري شمالي عن اختبار النسخة الجديدة من الصاروخ نفسه، ثم تبعتها عمليات إطلاق أخرى من الساحل الغربي في 24 و30 يناير 2024، ما جعلها ثالث دفعة من صواريخ كروز خلال أقل من أسبوع وفق الجيش الكوري الجنوبي. هذا التسارع يوحي بأن بيونج يانج أرادت تثبيت انطباع واضح: برنامجها الصاروخي لا يتحرك على وتيرة رد فعل، بل وفق جدول تطوير سريع ومتعمد.

لماذا يهم الإطلاق من تحت الماء؟

في الحسابات العسكرية، تمثل المنصات البحرية، خصوصاً الغواصات، مستوى مختلفاً من التهديد. فالصواريخ التي تُطلق من تحت الماء أو من مناطق بحرية قريبة من السواحل يصعب تتبعها مقارنة بالإطلاقات البرية التقليدية. كما أن صواريخ الكروز نفسها تطير على ارتفاعات منخفضة وتستطيع المناورة، وهو ما يجعل اعتراضها أكثر تعقيداً من كثير من المسارات الباليستية المعتادة. لهذا السبب تحديداً يُنظر إلى تجربة بولهواسال-3-31 على أنها خطوة تتجاوز الاستعراض إلى محاولة تحسين قابلية البقاء والاختفاء لمنظومة الردع الكورية الشمالية.

لكن هنا تظهر النقطة الأهم: لا يزال الغموض قائماً حول مدى نضج هذه القدرة تقنياً. فالمصادر الكورية الجنوبية والغربية التي تابعت الاختبار لم تقدم دليلاً علنياً كاملاً على أن كوريا الشمالية باتت تمتلك نظام تشغيل غواصات متطوراً وقادراً على نشر هذا النوع من الصواريخ بصورة منتظمة وفعالة في دوريات بعيدة. ما هو مؤكد أن الإطلاق رُصد قرب سينبو، وأن بيونج يانج تحدثت أيضاً عن مراجعة مشروع غواصة تعمل بالطاقة النووية، لكن الانتقال من الاختبار إلى قدرة تشغيلية مستقرة يظل مسافة كبيرة في عالم التسليح البحري.

كيم جونغ أون والرهان على “تسليح البحرية نووياً”

بحسب ما نشرته وسائل الإعلام الرسمية في بيونج يانج، شدد كيم جونغ أون على أن “التسليح النووي للبحرية” يمثل مهمة ملحة ومتطلباً محورياً لبناء القوة النووية الاستراتيجية للدولة. هذه العبارة ليست تفصيلاً دعائياً عابراً؛ فهي تكشف بوضوح اتجاه التفكير في القيادة الكورية الشمالية: نقل جزء أكبر من الردع من البر إلى البحر، بما يمنح النظام مرونة أعلى في حال نشوب نزاع واسع.

ومن زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذا الخطاب باعتباره استكمالاً لما أعلنته بيونج يانج في سبتمبر 2023 حين كشفت عن غواصة قالت إنها أول غواصة للهجوم النووي التكتيكي تحت الماء وتحمل اسم “البطل كيم كون أوك”. وبين ذلك الإعلان وتجربة يناير 2024، تحاول كوريا الشمالية بناء سردية متماسكة تقول إن البحرية لم تعد ذراعاً ثانوية في الردع، بل ساحة رئيسية للتطوير القادم. ومع أن الخبراء يبدون حذراً إزاء حجم التطور الفعلي، فإن مجرد السعي إلى هذا المسار يكفي لإرباك حسابات الجيران.

لماذا تتعامل سول وواشنطن بجدية مع صواريخ الكروز؟

ثمة سبب عملي يجعل صواريخ الكروز تثير اهتماماً متزايداً. فقرارات مجلس الأمن الدولي تركز مباشرة على الصواريخ الباليستية وبرامج أسلحة الدمار الشامل، بينما لا تُعد صواريخ الكروز محظورة بالنص نفسه كما هو الحال مع المنظومات الباليستية. هذه المساحة تمنح بيونج يانج هامشاً أوسع للمناورة السياسية والعسكرية، حتى لو ظل البرنامج برمته جزءاً من بيئة التوتر المرتبطة بالتسلح النووي.

كما أن الإطلاقات جاءت في مناخ أمني متوتر أصلاً. ففي 17 يناير 2024 أجرت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان تدريبات بحرية مشتركة جنوب شبه الجزيرة الكورية، بمشاركة حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس كارل فينسون. ومن منظور بيونج يانج، تُستخدم هذه المناورات كذريعة لتبرير تسريع الاختبارات. أما من منظور سول وواشنطن، فهي سبب إضافي لتعزيز المراقبة والجاهزية. النتيجة النهائية هي دائرة تصعيد متبادل، حيث تتحول كل خطوة دفاعية في نظر طرف إلى استفزاز هجومي في نظر الطرف الآخر.

ما الذي يقلق المتابع المصري والعربي؟

قد يبدو الملف الكوري الشمالي بعيداً جغرافياً عن القارئ في مصر، لكنه في جوهره مثال حي على كيف يتغير ميزان الردع في المناطق المشتعلة حين تنتقل المنافسة من الصواريخ التقليدية إلى المنصات البحرية القادرة على التخفي. هذا التطور لا يخص شرق آسيا وحدها؛ إذ إن أي نجاح في ترسيخ معادلة “الردع المتحرك” تحت سطح البحر يعيد تشكيل مفاهيم الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي في العالم كله.

ومن منظور “تحليلات ورأي”، فإن المغزى الأعمق ليس في عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا حتى في الدعاية المصاحبة لها، بل في الرسالة السياسية التي تريد كوريا الشمالية تثبيتها: أن الضغط والعقوبات والتدريبات المقابلة لم تمنعها من توسيع أدوات الردع وتعدد منصاته. وإذا صح أن بيونج يانج تمضي فعلاً نحو تعزيز ذراعها البحرية النووية، فإن ذلك سيجبر خصومها على إنفاق أكبر في الاستخبارات والإنذار البحري والدفاع متعدد الطبقات.

بين الدعاية والقدرة الحقيقية

رغم الزخم الإعلامي الكبير، من المهم التمييز بين ما تعلنه كوريا الشمالية وما يمكن التحقق منه بصورة مستقلة. المؤكد أن تجربة 28 يناير 2024 وقعت بالفعل، وأن اسم الصاروخ بولهواسال-3-31 ظهر في بيانات رسمية، وأن كيم جونغ أون حضر الاختبار، وأن الموقع المرتبط بالإطلاق يقع قرب سينبو. لكن غير المؤكد بشكل حاسم هو مدى قدرة بيونج يانج على تشغيل هذا النوع من الصواريخ من غواصات متطورة وبمستوى جاهزية يسمح بردع بحري مستدام.

لهذا يمكن القول إن التجارب الأخيرة حققت هدفين في آن واحد: مكسباً دعائياً داخلياً يعزز صورة القيادة بوصفها ماضية في تحديث الترسانة، ومكسباً استراتيجياً خارجياً يتمثل في إرباك الخصوم حتى قبل التأكد من اكتمال القدرة العملياتية. وفي عالم الردع، يكفي أحياناً أن تجعل خصمك غير واثق من حدود ما تملك حتى تحقق جزءاً مهماً من الغاية.

الخلاصة

اختبار كوريا الشمالية لصواريخ كروز جديدة من منصة بحرية في يناير 2024 لم يكن خبراً عسكرياً روتينياً. إنه إشارة إلى أن بيونج يانج تريد نقل المنافسة مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى مساحة أصعب رصداً وأكثر حساسية: البحر. وبينما تظل الأسئلة التقنية مفتوحة بشأن قدرة الإطلاق الفعلي من تحت الماء على نطاق واسع، فإن الرسالة السياسية وصلت بوضوح: كوريا الشمالية لا تكتفي بتكديس السلاح، بل تعيد توزيع أدوات الردع بطريقة قد تجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.