Akhbar Cairo

لماذا تؤجل طهران التفاهم مع واشنطن إلى ما بعد نوفمبر؟

لماذا لا تبدو طهران متحمسة لاتفاق سريع مع واشنطن قبل نوفمبر؟

رغم استمرار قنوات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، فإن سلوك طهران خلال الأشهر الماضية يوحي بأنها تفضّل إدارة الوقت لا حسمه. فالمحادثات التي انطلقت بوساطة عُمانية في مسقط مطلع فبراير 2026، ثم انتقلت إلى جنيف، حققت «تقدماً ملحوظاً» بحسب وزارة الخارجية العُمانية في 26 فبراير، قبل أن تنفجر المواجهة العسكرية في 28 فبراير 2026، عندما أعربت مسقط رسمياً عن أسفها للعمليات العسكرية ضد إيران ودعت إلى وقف النار الفوري. هذا التسلسل الزمني مهم لأنه يوضح أن التفاوض لم يتوقف بسبب غياب القنوات، بل بسبب اتساع فجوة الشروط والحسابات السياسية بين الطرفين.

ومن منظور يهم القارئ المصري والعربي، فالقضية لا تتعلق فقط بعلاقة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل بأمن الملاحة في الخليج، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وهي ملفات تترك أثراً مباشراً على اقتصادات المنطقة بأكملها.

المفاوضات بدأت قبل الحرب ثم دخلت مرحلة الاستنزاف

الوقائع المتاحة من المصادر الرسمية العُمانية تؤكد أن الجولة الأولى من الاتصالات جرت في مسقط يوم 6 فبراير 2026، برئاسة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ثم عُقدت جولة ثانية في جنيف يوم 18 فبراير، قبل أن يعلن وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي يوم 22 فبراير عن جولة جديدة في جنيف، ويؤكد في 26 فبراير أن المباحثات أحرزت تقدماً وأن مناقشات فنية ستُستكمل في فيينا. لكن بعد يومين فقط، في 28 فبراير، أعلنت عُمان أسفها للعمليات العسكرية ضد إيران، ما يعني أن مسار الدبلوماسية دخل منذ ذلك التاريخ في منطق التفاوض تحت النار.

هذا النمط يفسر لماذا تميل طهران إلى إطالة الإيقاع: فهي تفاوض، ولكنها لا تريد أن تبدو كطرف يوقّع تحت الضغط العسكري. وفي الداخل الإيراني، يمثل هذا الاعتبار مسألة سيادية ورمزية لا تقل أهمية عن بنود الاتفاق نفسها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتخصيب النووي والعقوبات والضمانات.

العقدة الأساسية: التخصيب والضمانات وليس وقف النار فقط

المشكلة الجوهرية لا تبدو محصورة في وقف القتال، بل في شكل التسوية اللاحقة. تقارير وتحليلات متقاطعة من مصادر إقليمية ودولية تشير إلى أن واشنطن تريد اتفاقاً أوسع يشمل البرنامج النووي الإيراني، وربما ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي، بينما تفضّل طهران اتفاقاً تدريجياً وأقل استعراضاً سياسياً. كما بقيت مسألة تخصيب اليورانيوم داخل إيران في صلب الخلاف، إذ ترفض واشنطن بقاء قدرة تخصيب فعالة، في حين تعتبرها طهران خطاً أحمر سيادياً وتقنياً.

وتزداد هذه العقدة تعقيداً بسبب الوضع القانوني الدولي بعد انتهاء العمل الزمني بقرار مجلس الأمن رقم 2231 في أكتوبر 2025، وسط خلاف داخل الأمم المتحدة بشأن ما إذا كانت آلية إعادة العقوبات قد استُكملت أم لا. هذا الجدل القانوني لا يبدو تفصيلاً فنياً؛ بل يحدد ما إذا كان أي اتفاق جديد سيُبنى على أرضية دولية مستقرة أم على نزاع قانوني مفتوح، وهو ما يمنح إيران سبباً إضافياً للتريث.

لماذا نوفمبر بالتحديد؟

الإجابة الأقرب إلى المنطق السياسي هي أن نوفمبر يمثل نقطة اختبار للبيت الأبيض بقدر ما يمثل مهلة لطهران. تقارير أمريكية حديثة أشارت إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتعرض لضغوط داخلية متعارضة: تيار يميني يرفض تقديم تنازلات لطهران، وتيار آخر ينتقد أي صفقة تعيد إحياء وضع يشبه اتفاق 2015. كما تحدثت تقارير عن أن بعض المسؤولين الأمريكيين يرون أن العودة إلى عمليات عسكرية أوسع قد تصبح أكثر ترجيحاً بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر إذا تعثرت الدبلوماسية.

من هنا، قد تكون طهران قد خلصت إلى أن أفضل استراتيجية هي الانتظار حتى تتضح الكلفة السياسية لأي تصعيد أمريكي بعد نوفمبر. فإذا جاءت الانتخابات بنتائج تقلل هامش المناورة لدى ترامب، قد تكسب إيران عرضاً أقل تشدداً. أما إذا خرج البيت الأبيض أكثر ثقة، فستكون طهران على الأقل قد تجنبت توقيع اتفاق وهي في أضعف لحظاتها.

طهران تريد وقتاً لاختبار النيات الأمريكية

هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: فجوة الثقة. داخل الخطاب الإيراني الرسمي والأكاديمي يتكرر التذكير بأن التجربة السابقة مع واشنطن انتهت بانسحاب أمريكي من الاتفاق النووي، ولذلك لا ترى طهران فائدة في اتفاق سريع بلا ضمانات تنفيذية واضحة. وبالنسبة لصناع القرار الإيرانيين، فإن أي تفاهم قبل نوفمبر قد يتحول إلى وثيقة مؤقتة قابلة للانقلاب السياسي بمجرد تغير الحسابات في واشنطن.

لهذا تفضّل إيران اختبار الطرف الأمريكي عبر جولات متعددة، ورسائل غير مباشرة، ووساطات إقليمية، مع الإبقاء على باب الاتفاق مفتوحاً دون تقديم التنازل النهائي. وهذا يفسر أيضاً لماذا بقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في واجهة هذا المسار باعتباره المسؤول الأكثر التصاقاً بملف التفاوض النووي والسياسي.

أثر التأجيل على المنطقة وإفريقيا

بالنسبة لقسم «أفريقيا» وزاوية المتابعة من القاهرة، فإن تأجيل الاتفاق لا يعني مجرد خبر من الخليج. استمرار الضبابية بين إيران وأمريكا يضغط على طرق الطاقة والشحن والتأمين البحري، ويؤثر بصورة غير مباشرة على اقتصادات شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والدول المطلة على البحر الأحمر. وكلما طال أمد التفاوض من دون تسوية مستقرة، ارتفعت احتمالات التذبذب في كلفة النقل البحري وأسواق النفط، وهو ما ينعكس على الواردات وأسعار السلع في المنطقة.

كما أن أي اضطراب مطول في مضيق هرمز أو الممرات المتصلة به يعيد توجيه الأنظار إلى أهمية الممرات البحرية العربية والأفريقية، بما فيها قناة السويس، التي تظل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية ومصدراً استراتيجياً للاقتصاد المصري.

هل يعني ذلك أن الاتفاق مستحيل؟

ليس بالضرورة. المعطيات تشير إلى أن الطرفين ما زالا يفضّلان، على الأقل علناً، المسار الدبلوماسي على الانفجار الكامل. لكن الفارق كبير بين رغبة في التهدئة والاستعداد لتوقيع اتفاق نهائي. إيران تبدو مستعدة لمواصلة التفاوض، لا لإنهائه سريعاً. وهي تراهن على أن مرور الوقت حتى نوفمبر قد يبدل ميزان الضغوط على واشنطن، أو على الأقل يكشف السقف الحقيقي الذي يمكن للإدارة الأمريكية الوصول إليه.

باختصار، لا يبدو أن طهران ترفض الاتفاق من حيث المبدأ، لكنها لا تريد اتفاقاً قبل أن تعرف ما الذي سيحدث سياسياً في الولايات المتحدة بعد نوفمبر، وما إذا كانت ستتفاوض مع إدارة أكثر استعجالاً أو أكثر تشدداً. وحتى ذلك الحين، ستواصل على الأرجح سياسة الخطوة البطيئة: لا انسحاب من المحادثات، ولا توقيع نهائي تحت الضغط.

  • بداية المفاوضات: مسقط، 6 فبراير 2026.
  • الجولة الثانية: جنيف، 18 فبراير 2026.
  • إعلان التقدم: 26 فبراير 2026 عبر الوسيط العُماني.
  • اندلاع الحرب: 28 فبراير 2026.
  • العقدة الأساسية: التخصيب النووي، الضمانات، ورفع العقوبات.
  • سبب حساسية نوفمبر: اقترابه من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وحسابات التصعيد بعدها.