لماذا حلّ الكنيست نفسه قبل انتخابات 2022 في إسرائيل؟
لماذا صوّت الكنيست الإسرائيلي على حل نفسه؟
جاء تصويت الكنيست الإسرائيلي على حل نفسه في 30 يونيو/حزيران 2022 تتويجا لأزمة سياسية ممتدة، بعدما فقد الائتلاف الذي قاده رئيس الوزراء آنذاك نفتالي بينيت ووزير الخارجية يائير لابيد قدرته على الحفاظ على أغلبية برلمانية مستقرة داخل مجلس يتكوّن من 120 مقعدا. وبذلك دخلت إسرائيل مسارا انتخابيا جديدا كان يُنتظر أن يفتح الباب أمام اقتراع مبكر لاختيار أعضاء الكنيست الخامس والعشرين.
وبالنسبة للقارئ المصري، فالقضية لا تتعلق فقط بتبدّل حكومي داخل إسرائيل، بل بتطور سياسي له انعكاسات مباشرة على ملفات إقليمية حساسة، من بينها مستقبل الائتلافات اليمينية، واتجاهات القرار الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وطبيعة الخطاب السياسي الذي يحكم العلاقة مع الجوار في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
ائتلاف غير متجانس منذ البداية
الحكومة التي تشكّلت في يونيو/حزيران 2021 أنهت آنذاك حقبة طويلة من حكم بنيامين نتنياهو، لكنها وُلدت بهشاشة واضحة. فقد ضمّت أطرافا متباعدة أيديولوجيا، من اليمين والوسط واليسار، إضافة إلى مشاركة حزب عربي هو القائمة العربية الموحدة. هذا التنوع منح الحكومة فرصة تاريخية لإزاحة نتنياهو، لكنه جعل قدرتها على الصمود أمام الملفات الخلافية محدودة للغاية.
ومع مرور الشهور، بدأت الانشقاقات والتصويتات المتعثرة داخل الكنيست تضعف الائتلاف. وفي لحظة حاسمة، لم يعد معسكر بينيت قادرا على تمرير تشريعات أساسية أو ضمان انضباط أعضائه في التصويت، وهو ما جعل خيار حل البرلمان أقل كلفة سياسيا من استمرار حكومة عاجزة عن إدارة الأغلبية.
السبب المباشر: فقدان الأغلبية والتعثر التشريعي
السبب الأكثر وضوحا وراء قرار الحل كان سقوط الأغلبية البرلمانية. الائتلاف كان يستند عمليا إلى توازن دقيق، ومع انسحاب أو تمرد عدد محدود من النواب، بات عاجزا عن تأمين 61 صوتا بشكل منتظم. وفي النظام السياسي الإسرائيلي، يكفي هذا القدر من التآكل لشلّ عمل الحكومة بالكامل.
كما برز خلاف مهم حول تجديد القواعد القانونية التي تطبقها إسرائيل على المستوطنين في الضفة الغربية. هذا الملف تحوّل إلى اختبار سياسي حساس، لأن المعارضة بقيادة نتنياهو امتنعت عن دعم الحكومة حتى في القضايا التي تتفق معها مبدئيا، بهدف إسقاطها وإعادته إلى المشهد من بوابة الانتخابات. وهكذا تحوّل الكنيست إلى ساحة تعطيل متبادل، لا إلى مؤسسة قادرة على إنتاج تسويات.
لماذا فضّل بينيت ولابيد الحل بدل محاولة النجاة؟
في 20 يونيو/حزيران 2022 أعلن نفتالي بينيت ويائير لابيد التوجه لطرح مشروع قانون لحل الكنيست. كان ذلك بمثابة اعتراف رسمي بأن الحكومة لم تعد قابلة للاستمرار. ومن الناحية السياسية، بدا القرار أيضا محاولة لمنع نتنياهو من تشكيل حكومة بديلة داخل الكنيست نفسه من دون الذهاب إلى انتخابات عامة.
هذا الحساب كان مهما؛ إذ إن الذهاب إلى الانتخابات يمنح لابيد فرصة تولي رئاسة حكومة تصريف الأعمال بموجب اتفاق التناوب داخل الائتلاف، بينما يضع نتنياهو أمام اختبار شعبي جديد بدلا من منحه فرصة العودة السريعة عبر صفقات برلمانية.
وبالفعل، مع إقرار قانون الحل، انتقلت رئاسة الحكومة إلى يائير لابيد بصفته رئيس حكومة انتقالية، بينما غادر بينيت المنصب بعد أقل من عام من توليه رئاسة الوزراء.
ماذا يعني حل الكنيست إجرائيا؟
حل الكنيست لا يعني فقط سقوط الحكومة، بل يعني أيضا بدء العد التنازلي لانتخابات جديدة. ووفقا للوثائق الرسمية المتعلقة بانتخابات الكنيست الخامس والعشرين، تقرر تنظيم الاقتراع في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وكانت هذه الانتخابات هي الخامسة خلال أقل من أربع سنوات، في مؤشر صارخ على عمق عدم الاستقرار السياسي في إسرائيل.
وتظهر البيانات الرسمية الخاصة بالانتخابات أن السلطات الإسرائيلية جهزت 11,707 مراكز اقتراع عادية، وهو رقم يعكس حجم الاستعداد اللوجستي لانتخابات مبكرة جديدة فرضها عجز الطبقة السياسية عن إنتاج أغلبية مستقرة.
أين كان نتنياهو في هذه المعادلة؟
زعيم المعارضة آنذاك بنيامين نتنياهو كان المستفيد السياسي الأكبر من اهتزاز الحكومة، حتى قبل معرفة نتائج الانتخابات. فالرجل الذي خسر السلطة في 2021 ظل حاضرا بقوة داخل الكنيست، واعتمد استراتيجية إنهاك الائتلاف عبر استغلال تناقضاته الداخلية وحرمانه من أي هوامش مريحة للمناورة.
من هنا، لم يكن تصويت الكنيست على حل نفسه مجرد نهاية لحكومة بينيت، بل كان أيضا بداية جولة جديدة من الصراع على هوية الحكم في إسرائيل: هل تعود البلاد إلى قيادة يمينية صلبة بقيادة نتنياهو، أم ينجح خصومه في إعادة إنتاج تحالف مانع لعودته؟
لماذا تهم هذه التطورات القارئ في مصر؟
من زاوية مصرية وإفريقية أوسع، فإن أي تغير في موازين القوة داخل إسرائيل يظل مؤثرا في ملفات الأمن الإقليمي، وخصوصا ما يتعلق بالحرب والسياسات الاستيطانية والتعامل مع الفلسطينيين. كما أن تكرار الانتخابات يعكس أزمة بنيوية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وهي أزمة تلقي بظلالها على قدرة الحكومات هناك على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد.
بالنسبة للمتابع في القاهرة، لا ينبغي قراءة حل الكنيست باعتباره مجرد إجراء دستوري داخلي. الأهم أنه يكشف هشاشة التحالفات الإسرائيلية، ويؤكد أن الانقسامات الحزبية يمكن أن تعيد تشكيل أولويات الدولة العبرية في كل دورة انتخابية جديدة، سواء في ما يخص الملف الفلسطيني أو العلاقات الإقليمية الأوسع.
الخلاصة
إجمالا، صوّت الكنيست الإسرائيلي على حل نفسه لأن حكومة نفتالي بينيت فقدت أغلبيتها البرلمانية، وأصبحت غير قادرة على تمرير تشريعات أساسية أو حماية نفسها من هجمات المعارضة بقيادة بنيامين نتنياهو. ومع تعمّق الانقسام، بدا حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 الخيار الوحيد المتاح للخروج من الشلل السياسي.
لكن المعنى الأوسع لهذا القرار يتجاوز موعد الانتخابات نفسه؛ فهو يعكس أزمة استقرار مزمنة داخل إسرائيل، حيث باتت الحكومات قصيرة العمر والائتلافات الهشة سمة متكررة. وهذه الحقيقة تجعل أي متابعة مصرية أو إفريقية للمشهد الإسرائيلي مرتبطة ليس فقط بمن يفوز، بل أيضا بقدرة النظام السياسي هناك على البقاء متماسكا من الأساس.