لماذا رفع نتنياهو جهاز ستارلينك في الأمم المتحدة؟
ما الجهاز الذي رفعه نتنياهو في الأمم المتحدة؟
الجهاز الذي رفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (@b.netanyahu على إنستغرام) خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان جهاز استقبال تابعًا لخدمة ستارلينك، وهي منظومة إنترنت فضائي تديرها شركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك. اللقطة لم تمر باعتبارها تفصيلًا بصريًا عابرًا، بل جاءت ضمن رسالة سياسية مباشرة أراد نتنياهو توجيهها إلى إيران، في سياق حديثه عن كسر القيود المفروضة على تدفق المعلومات والاتصال بالإنترنت داخلها.
الخطاب أُلقي خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 27 سبتمبر 2024، وفق نص الخطاب المنشور عبر وثائق الأمم المتحدة. وفي ذلك الظهور، استخدم نتنياهو أكثر من أداة رمزية أمام الحضور، بينها جهاز بيجر وجهاز ستارلينك، في محاولة لتحويل الخطاب من مجرد مرافعة سياسية إلى عرض بصري موجّه للرأي العام الدولي.
ما هو ستارلينك ولماذا يحمل هذه الدلالة؟
ستارلينك هو نظام إنترنت عبر الأقمار الصناعية يوفر الاتصال بالشبكة من خلال محطات أرضية وأطباق استقبال صغيرة نسبيًا، بدلًا من الاعتماد الكامل على البنية التحتية التقليدية للاتصالات. لهذا السبب تحديدًا، اكتسب اسم الخدمة حضورًا سياسيًا وأمنيًا في مناطق النزاع أو البلدان التي تتعرض فيها خدمات الإنترنت للحجب أو التقييد.
في الحالة الإيرانية، ظهرت ستارلينك في النقاش الدولي منذ عام 2022 بالتزامن مع الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إصدار الرخصة العامة D-2 الخاصة بتوسيع بعض خدمات وبرمجيات ومعدات الاتصالات المرتبطة بحرية التواصل للإيرانيين. وبعدها أعلن إيلون ماسك أن شركته ستفعّل الخدمة لإيران، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن تشغيل نحو 100 محطة داخل البلاد. هذه الخلفية تفسر لماذا اختار نتنياهو الجهاز بالذات كأداة رمزية في خطابه.
الرسالة إلى إيران: سياسة أكثر منها تقنية
رفع جهاز ستارلينك لم يكن شرحًا تقنيًا لخدمة إنترنت، بل محاولة لصياغة رسالة سياسية من على منبر أممي. المعنى المقصود، بحسب السياق الذي تكرر في التغطيات المرتبطة بالمشهد، هو الإيحاء بإمكانية تجاوز الرقابة أو القيود المفروضة على الاتصال الرقمي داخل إيران، وتقديم التكنولوجيا كوسيلة ضغط رمزية في الصراع السياسي المفتوح بين تل أبيب وطهران.
ومن المهم هنا التمييز بين الرمز السياسي والواقع التنفيذي. فتوفر ستارلينك أو فعالية استخدامها داخل أي دولة لا يتوقف فقط على إعلان سياسي أو استعراض علني، بل يرتبط بعوامل لوجستية وقانونية وأمنية معقدة، مثل وجود المحطات الأرضية، وطرق إدخال المعدات، وإمكانية تشغيلها ميدانيًا دون اعتراض. لذلك فإن المشهد في الأمم المتحدة بدا أقرب إلى رسالة دعائية ودبلوماسية منه إلى إعلان عملي جديد بشأن البنية الرقمية داخل إيران. هذا استنتاج تدعمه الخلفية السابقة لملف الخدمة في إيران، لا سيما أن الخطوات الأساسية المتعلقة بها كانت قد ظهرت بالفعل منذ 2022.
ولماذا رفع أيضًا جهاز بيجر؟
إلى جانب ستارلينك، رفع نتنياهو جهاز بيجر، في لقطة قرأها كثيرون باعتبارها جزءًا من بناء سردية أمنية وسياسية تعتمد على الرموز التقنية. تقارير تناولت المشهد أشارت إلى أن استخدام البيجر جاء في سياق التذكير بملف أجهزة الاتصال الذي ارتبط في الوعي الإقليمي بتصعيد أمني سابق في لبنان خلال عام 2024. وبهذا المعنى، جمع نتنياهو بين جهازين يحمل كل منهما دلالة مختلفة: الأول يرتبط بالاتصال المفتوح وتجاوز الرقابة، والثاني يوحي بملفات الأمن والاختراق والاتصالات الحساسة.
ما الذي حدث بعد الخطاب؟
الواقعة لم تتوقف عند منصة الخطابة. فقد أشارت تغطيات لاحقة إلى أن السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون حاول بعد انتهاء كلمة نتنياهو الاقتراب من ممثل إيران عارضًا عليه جهاز ستارلينك نفسه، في مشهد وُصف على نطاق واسع بأنه استفزازي ورمزي في آن واحد. هذا التطور عزز الانطباع بأن الجهاز لم يكن مجرد إكسسوار خلال الخطاب، بل جزء من رسالة معدة سلفًا للاستهلاك السياسي والإعلامي.
كيف يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية عربية؟
بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة العربية، لا تكمن أهمية الواقعة فقط في اسم الجهاز، بل في الطريقة التي باتت بها التكنولوجيا تدخل إلى قلب الخطاب السياسي الإقليمي. لم تعد المنصات الدولية ساحة للكلمات وحدها؛ بل أصبحت مسرحًا للصور والأدوات والرموز التي تختصر رسائل معقدة في ثوانٍ قليلة قابلة للتداول عبر الشاشات ومنصات التواصل.
وفي الإقليم، يعرف المتابع العربي جيدًا أن ملف الإنترنت لم يعد ملفًا تقنيًا خالصًا، بل يرتبط بالأمن القومي، والسيادة، والحروب، والاحتجاجات، وإدارة الرأي العام. لذلك فإن التلويح بجهاز مثل ستارلينك أمام الجمعية العامة لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على من يتحكم في الاتصال، ومن يمتلك القدرة على كسر العزل الرقمي، ومن يستخدم هذا الملف كورقة نفوذ سياسي.
الأمم المتحدة ومنصة الرسائل البصرية
منذ سنوات، اعتاد نتنياهو استخدام أدوات بصرية في خطاباته الدولية، سواء خرائط أو رسومات أو وثائق أو مجسمات، بهدف تبسيط رسائله وتكثيفها أمام جمهور عالمي متنوع. وفي خطاب 27 سبتمبر 2024، واصل هذا الأسلوب عبر إدخال أدوات اتصال حديثة إلى المشهد. غير أن دلالة هذه الخطوة اتسعت هذه المرة لأنها لامست موضوعًا شديد الحساسية في الشرق الأوسط: العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة والسيطرة على المعلومات.
الخلاصة: جهاز صغير ورسالة كبيرة
إذن، الجهاز الذي رفعه نتنياهو في الأمم المتحدة كان جهاز ستارلينك، واستخدامه لم يكن تفصيلًا تقنيًا بقدر ما كان إشارة سياسية محسوبة تجاه إيران، مرتبطة بفكرة تجاوز قيود الإنترنت وكسر الحصار المعلوماتي. وإلى جواره ظهر جهاز بيجر ليضيف بعدًا أمنيًا ورمزيًا آخر إلى المشهد.
وبينما قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد لقطة مثيرة داخل خطاب سياسي، فإن دلالته الأوسع تكشف كيف أصبحت أدوات الاتصال نفسها جزءًا من لغة الصراع في الشرق الأوسط. في هذا النوع من الخطابات، لا تُرفع الأجهزة لشرح مواصفاتها، بل لتمرير رسائل تتجاوز حجمها بكثير.
- الجهاز المرفوع: مستقبل/معدة تابعة لخدمة ستارلينك للإنترنت الفضائي.
- تاريخ الخطاب: 27 سبتمبر 2024.
- المناسبة: الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
- الدلالة السياسية: رسالة موجهة إلى إيران بشأن الإنترنت وتدفق المعلومات.
- اللقطة المصاحبة: رفع جهاز بيجر ضمن العرض البصري نفسه.