لماذا زار قاليباف بغداد؟ رسائل إيران من بوابة العراق
زيارة قاليباف إلى بغداد.. ماذا تريد طهران من العراق الآن؟
أعادت زيارة رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد طرح أسئلة مهمة بشأن شكل التحركات الإيرانية في المنطقة، وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه العراق في مرحلة شديدة الحساسية إقليميا. فالزيارة لم تُقرأ باعتبارها بروتوكولية فقط، بل بدت جزءا من حراك سياسي أوسع تسعى من خلاله طهران إلى تثبيت مقاربتها حيال التوازنات الإقليمية، في وقت تؤكد فيه بغداد باستمرار أنها ترفض أن تكون أراضيها ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
قاليباف، الذي يتولى رئاسة البرلمان الإيراني منذ عام 2020، يعد أحد أبرز الوجوه السياسية في إيران، وقد شغل مناصب تنفيذية وأمنية سابقة من بينها رئاسة بلدية طهران. وبحكم موقعه الحالي، تحمل زياراته الخارجية رسائل تتجاوز الإطار البرلماني إلى ما يرتبط بالسياسات العليا للجمهورية الإسلامية، خصوصا عندما تتعلق الزيارة بالعراق، الجار الأكثر التصاقا بالتفاعلات الإيرانية العربية والإقليمية.
ما الذي قاله قاليباف؟
في التصريحات المنسوبة إليه خلال زيارته بغداد، ركز قاليباف على فكرتين أساسيتين: الأولى أن إيران تعتبر ما تصفه بمحور “المقاومة” عنصرا رئيسيا في معادلة الردع الإقليمي، والثانية أن العراق يمثل ساحة مهمة في أي تصور إيراني لإعادة بناء توازنات المنطقة. هذا الخطاب ينسجم مع مواقف أخرى نقلتها وكالة الأنباء العراقية خلال الأشهر الماضية عن قاليباف، بينها حديثه عن التهدئة الإقليمية، وانتقاده الدور الأمريكي، وربطه ملفات المنطقة بأطر تفاهم وضمانات سياسية وأمنية أوسع.
ورغم أن بعض الصياغات المتداولة حول الزيارة ظهرت في تغطيات إخبارية مختصرة، فإن الثابت القابل للتحقق هو أن زيارة قاليباف جاءت في سياق اتصالات عراقية إيرانية متواصلة بشأن العلاقات الثنائية وتطورات الإقليم، وهو ما تؤكده بيانات عراقية رسمية سابقة بشأن لقاءات مسؤولين عراقيين مع رئيس البرلمان الإيراني في طهران وبغداد.
العراق في قلب معادلة التهدئة
من منظور القاهرة والقارئ المصري، تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأن العراق لم يعد مجرد ملف ثنائي بين بغداد وطهران، بل بات رقما مؤثرا في أمن المشرق العربي كله. فبغداد تحاول منذ سنوات تثبيت صورة الدولة الوسيطة القادرة على فتح قنوات تواصل مع أطراف متعارضة، مستفيدة من علاقاتها مع إيران من جهة، وانفتاحها على العالم العربي والولايات المتحدة وتركيا من جهة أخرى. هذا التوازن هو ما يجعل أي زيارة إيرانية رفيعة إلى العاصمة العراقية محمّلة بإشارات إقليمية تتجاوز حدود البلدين.
الخطاب الرسمي العراقي في 2026 شدد أكثر من مرة على أن البلاد لا تريد الانخراط في محاور الصراع، وأنها متمسكة بمبدأ سيادة الدولة ورفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على أي دولة. كما تحدث مسؤولون عراقيون عن ضرورة توحيد القرار الأمني وربط جميع القدرات بالمؤسسات الرسمية، في رسالة داخلية وخارجية على السواء. هذه الخلفية تفسر لماذا تتعامل بغداد بحذر مع أي تصعيد إقليمي، ولماذا تحرص في الوقت نفسه على إبقاء قنواتها مفتوحة مع طهران.
هل ترتبط الزيارة بفكرة “النظام الإقليمي الجديد”؟
الحديث عن “النظام الإقليمي الجديد” يعكس، في جوهره، تنافسا على شكل الترتيبات الأمنية والسياسية في غرب آسيا بعد موجات التصعيد الأخيرة. إيران تسعى إلى إظهار أنها ليست معزولة، وأن لديها شبكة حلفاء وعلاقات قادرة على التأثير في مخرجات الأزمات. والعراق، بحكم الجغرافيا والوزن السياسي والاقتصادي، يحتل موقعا محوريا في هذه الرؤية، خصوصا مع مشاريع الربط التجاري والنقل والطاقة التي تروّج لها بغداد في محيطها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم زيارة قاليباف باعتبارها محاولة لدعم تصور إيراني يقوم على أن أي ترتيبات مقبلة في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل دور طهران، ولا دور القوى المرتبطة بها. لكن في المقابل، تبدو بغداد أكثر تمسكا بخطاب الدولة الوطنية، وبمنع انزلاق الساحة العراقية إلى مواجهة مفتوحة بين المحاور. هذا التباين لا يعني بالضرورة صداما سياسيا، لكنه يكشف اختلافا في أولويات كل طرف.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة العربية؟
بالنسبة لمصر، فإن متابعة التحركات الإيرانية في العراق مسألة ترتبط مباشرة بأمن الإقليم العربي، سواء من زاوية استقرار المشرق، أو أمن طرق التجارة والطاقة، أو فرص خفض التوترات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. كما أن استقرار العراق يظل عاملا مهما في أي تصور عربي أوسع للتعاون الاقتصادي والربط الإقليمي، وهي قضايا تهم صانع القرار والمتابع المصري على حد سواء.
وإذا كانت طهران تحاول توظيف بغداد ضمن خطاب “تعزيز النظام الإقليمي الجديد”، فإن العراق نفسه يسعى إلى تقديم نموذج مختلف: دولة تستفيد من موقعها بين الخصوم لتقليل الصدام، لا لتغذيته. من هنا تأتي حساسية الزيارة، لأن نجاح بغداد في الحفاظ على هذا التوازن سيؤثر على مجمل المشهد الإقليمي خلال الفترة المقبلة.
قاليباف.. الشخصية الأبرز في الزيارة
يبقى محمد باقر قاليباف هو العنوان الأوضح لهذه الزيارة، ليس فقط بصفته رئيسا للبرلمان الإيراني، ولكن باعتباره أحد الوجوه الثقيلة داخل النظام الإيراني. وحتى عند تناول حضوره الإعلامي، لم يتسن التحقق بشكل موثوق من حساب رسمي موثق له على إنستغرام بما يسمح بذكره وفقا للمعايير التحريرية المطلوبة، لذلك يرد اسمه هنا دون إشارة إلى حساب اجتماعي. أما صورته الأحدث المتاحة بشكل يمكن التحقق منه علنا فتظهر في مواد منشورة على ويكيميديا كومنز من صورة مؤرخة في 27 يوليو 2024 ومنسوبة إلى khamenei.ir.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تعكس زيارة قاليباف إلى بغداد رغبة إيرانية في تأكيد الحضور السياسي داخل ملفات المنطقة، وفي الوقت نفسه تكشف حجم الرهان على العراق بوصفه ساحة تأثير وحوار معا. لكن الرسالة العراقية المقابلة تبدو واضحة أيضا: بغداد تريد علاقات متوازنة، وتهدئة إقليمية، وسيادة غير قابلة للمساومة. وبين هذين المسارين، ستبقى زيارة رئيس البرلمان الإيراني واحدة من المؤشرات الدالة على شكل الاصطفافات والتحركات المقبلة في الشرق الأوسط.