Akhbar Cairo

لماذا صار مضيق هرمز محور التوتر بين إيران وأمريكا؟

من النووي إلى الممرات البحرية: كيف تغيّر عنوان الأزمة؟

في قراءةٍ للتصعيد الدائر بين إيران والولايات المتحدة، يبرز اتجاه تحليلي متزايد يقول إن مركز الثقل لم يعد محصورًا في الملف النووي الإيراني وحده، بل انتقل بدرجة كبيرة إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسية في العالم. هذه الزاوية تفسّر لماذا صار الحديث عن السفن، التأمين البحري، وتدفقات النفط والغاز أكثر حضورًا من مفردات التخصيب والرقابة الدولية في النقاش العام حول الأزمة.

هذا المعنى يكتسب وجاهته لأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي ضيق بين إيران وسلطنة عُمان، بل شريان استراتيجي تمر عبره كميات هائلة من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال. ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مرّ عبر المضيق في 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من الخام والمنتجات النفطية، فيما قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن ما يقارب 15 مليون برميل يوميًا من الخام، أي نحو 34% من تجارة النفط الخام العالمية، عبرت هذا المسار في العام نفسه.

لماذا مضيق هرمز تحديدًا؟

السبب المباشر أن أي توتر في هذا الممر ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، حتى قبل إغلاقه فعليًا. مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية يرفع كلفة التأمين والشحن، ويضغط على أسعار الطاقة، ويضع شركات النقل البحري أمام حسابات أكثر تعقيدًا. لهذا يصبح المضيق أداة ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية في الوقت نفسه، وهو ما يفسر انتقال بؤرة الاهتمام من المسار الدبلوماسي النووي إلى معركة الردع البحري.

الوقائع الأخيرة دعمت هذا التحول؛ إذ أشارت تقارير دولية إلى هجمات على سفن تجارية وارتفاع كبير في مستوى المخاطر على الملاحة قرب المضيق، مع تحذيرات ملاحية متصاعدة من أن استهداف السفن لم يعد احتمالًا نظريًا. كما تحدثت تغطيات حديثة عن تبادل ضربات بين واشنطن وطهران على خلفية هجمات مرتبطة بحركة الشحن في هرمز، ما جعل الممر البحري نفسه ساحة الأزمة لا مجرد خلفية لها.

ما الذي يعنيه ضرب دول عربية في هذه المعادلة؟

الزاوية الإقليمية مهمة هنا. فحين يمتد التصعيد الإيراني إلى أراضٍ أو مصالح في دول عربية، تتبدل طبيعة الأزمة من مواجهة أمريكية-إيرانية ثنائية إلى أزمة أمن إقليمي أوسع. مراكز بحثية دولية رصدت أن الضربات الإيرانية خلال موجات التصعيد الأخيرة لم تقتصر على أهداف مرتبطة مباشرة بإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل شملت دولًا عربية خليجية ومواقع مدنية وعسكرية في الإقليم، وهو ما زاد من هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بهرمز والخليج عمومًا.

ومن هذه الزاوية، يصبح مضيق هرمز عنوانًا مكثفًا للأزمة: من يسيطر على إيقاع المرور فيه، يملك قدرة استثنائية على إيصال الرسائل إلى واشنطن، وإلى أسواق الطاقة، وإلى العواصم العربية في آن واحد. لذلك لم يعد السؤال الأساسي: ماذا يحدث في منشآت التخصيب؟ بل: هل تستطيع السفن العبور؟ وكم ستدفع الأسواق ثمن هذا التوتر؟

الاقتصاد قبل السياسة: لماذا يقلق العالم من هرمز؟

أهمية المضيق لا تنفصل عن حقيقة أن جزءًا كبيرًا من صادرات الخليج النفطية والغازية يمر من خلاله باتجاه آسيا والأسواق العالمية. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن السعودية وحدها شكّلت في 2024 نحو 38% من تدفقات الخام والمكثفات عبر هرمز، بينما تؤكد تقديرات 2025 استمرار اعتماد التجارة النفطية العالمية على هذا المسار بدرجة عالية. أي تعطيل طويل أو حتى جزئي ينعكس على أسعار الوقود، والتضخم، وسلاسل الإمداد.

لهذا، فإن جوهر الصراع هنا هو تكلفة التهديد لا فقط تكلفة الحرب المباشرة. فإذا كانت الأسواق تتفاعل مع احتمالات تعطل الشحن وارتفاع أقساط التأمين، فإن طهران تدرك أن الضغط في هرمز يمنحها ورقة تفاوضية تتجاوز بكثير وزنها الاقتصادي المباشر. وفي المقابل، ترى واشنطن أن حماية حرية الملاحة هناك ليست قضية بحرية فحسب، بل اختبار لمصداقية الردع الأمريكي في الخليج.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

من منظور مصري، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بمعزل عن البحر الأحمر وقناة السويس. فكل اضطراب إضافي في طرق الطاقة والتجارة بالمنطقة يضيف ضغوطًا على حركة الملاحة العالمية، وبالتالي على الإيرادات المصرية المرتبطة بالقناة والخدمات اللوجستية. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن اضطرابات البحر الأحمر خفّضت تدفقات النقد الأجنبي من قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار خلال 2024.

ورغم أن مؤشرات التعافي ظهرت لاحقًا، فإن هشاشة المشهد الإقليمي ما تزال قائمة. فالهيئة العامة للاستعلامات نقلت عن الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، توقعات بإيرادات تبلغ 4.2 مليار دولار في 2025 مع تحسن تدريجي للحركة، كما أشارت تقارير أحدث إلى ارتفاع إيرادات القناة إلى 4.67 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026 مع عودة مزيد من السفن بعد أشهر من التحويل حول رأس الرجاء الصالح.

لكن هذا التعافي يظل مشروطًا بالاستقرار الإقليمي. فإذا تحولت التهديدات في مضيق هرمز إلى موجة أوسع من الاضطراب البحري، فإن شركات الشحن قد تعيد حساباتها مرة أخرى، ليس فقط في الخليج بل في كامل المسار الممتد من بحر العرب إلى البحر الأحمر. بالنسبة للقارئ المصري، هذه ليست مسألة بعيدة؛ فهي ترتبط مباشرة بالدولار، وتكلفة الطاقة، وإيرادات قناة السويس، وصورة المخاطر في المنطقة كلها.

هل تراجع الملف النووي فعلًا؟

الأدقّ أن نقول إن الملف النووي لم يختفِ، لكنه لم يعد وحده مفتاح فهم الأزمة. فالقدرات النووية والصاروخية الإيرانية تظل جزءًا من الخلفية الاستراتيجية، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة جعلت الممرات البحرية هي ساحة القياس الفعلية للقوة والردع. أي أن الملف النووي بقي في الخلفية، بينما تقدّم هرمز إلى الواجهة بوصفه النقطة التي يختبر عندها كل طرف حدود الطرف الآخر.

من هنا يمكن فهم الرأي القائل إن النزاع الحالي يدور حول هرمز أكثر مما يدور حول التخصيب. لأن المعادلة ببساطة أصبحت: من يهدد الشحن يهدد الاقتصاد، ومن يهدد الاقتصاد يفرض نفسه على طاولة السياسة. وهذه معادلة مفهومة جيدًا في الخليج، كما هي مفهومة في القاهرة التي تراقب بدقة كل ما يمس خرائط التجارة والطاقة والممرات البحرية.

السيناريوهات الأقرب

  • استمرار التوتر المنضبط: هجمات محدودة ورسائل ردع متبادلة دون إغلاق شامل للمضيق، وهو السيناريو الأقل كلفة لكنه يبقي الأسواق متوترة.
  • تصعيد يرفع كلفة الملاحة: حتى من دون حرب واسعة، قد ترتفع أقساط التأمين وأسعار الشحن والنفط، بما يضغط على اقتصادات المنطقة.
  • تفاهم مؤقت تحت الضغط: وهو احتمال قائم إذا وصلت كلفة الاضطراب البحري إلى مستوى يضر بجميع الأطراف، بما فيها الدول المستفيدة من تدفق الطاقة.

خلاصة تحليلية

التحول من عنوان النووي الإيراني إلى عنوان مضيق هرمز ليس مجرد تغيير في اللغة، بل يعكس انتقال الأزمة من مساحة التفاوض البطيء إلى مساحة التأثير المباشر والفوري. هنا لا تنتظر الأسواق بيانًا دبلوماسيًا أو تقريرًا فنيًا؛ يكفي تهديد ممر بحري حيوي حتى يرتبك العالم.

ولهذا، فإن قراءة الأزمة من منظور هرمز تبدو اليوم أكثر تماسًا مع الواقع من الاقتصار على الملف النووي وحده. فالتوتر الأمريكي-الإيراني بات يُقاس بسلامة السفن، وبأسعار النفط، وبقدرة المنطقة على منع انفجار أوسع. وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا الملف ليست رفاهية سياسية، بل جزء من متابعة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في لحظة إقليمية شديدة السيولة.