لماذا ضغط نتنياهو على ترامب لوقف تسليح تركيا؟
تحرك إسرائيلي قبل قمة أنقرة
دخل ملف التسليح الأمريكي لتركيا دائرة التجاذب السياسي مجددًا، بعدما طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مكالمة هاتفية جرت يوم الجمعة 3 يوليو 2026، العمل على كبح أي خطوة تمنح أنقرة أسلحة أمريكية متقدمة، وعلى رأسها العودة إلى برنامج إف-35 أو تمرير صفقات مرتبطة به. ويأتي هذا التحرك قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، وهي قمة تستضيفها تركيا رسميًا بحضور قادة الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة.
أهمية الطلب الإسرائيلي لا ترتبط بصفقة سلاح فحسب، بل تكشف عن مستوى التوتر السياسي والأمني بين أنقرة وتل أبيب، في وقت يحاول فيه ترامب الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع الجانبين، نظرًا لعلاقته الشخصية المعروفة بكل من نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ما الذي طلبه نتنياهو تحديدًا؟
بحسب ما أوردته تقارير أمريكية متطابقة، فإن نتنياهو اشتكى لترامب من تصاعد خطاب أردوغان المناهض لإسرائيل، وطلب منه أن يضع حدودًا لأي اندفاعة أمريكية نحو تزويد تركيا بمنظومات أو مقاتلات متقدمة. ويزداد ثقل هذا الطلب لأن الحديث في واشنطن لا يدور فقط حول بيع معدات عسكرية تقليدية، بل أيضًا حول مراجعة أوسع لكيفية التعامل مع ملف عودة تركيا إلى بعض برامج التسليح الغربية الحساسة.
اللافت أن مكتب نتنياهو كان قد أعلن في 4 يوليو 2026 أن المكالمة مع ترامب جاءت في الأساس لتهنئة الولايات المتحدة بذكرى الاستقلال الـ250، مع اتفاق بين الطرفين على عقد لقاء قريب في الولايات المتحدة. لكن المعطيات التي خرجت لاحقًا أظهرت أن الملف التركي كان حاضرًا بقوة في المحادثة، خصوصًا مع اقتراب اجتماع ترامب وأردوغان على هامش ترتيبات قمة الناتو.
لماذا تخشى إسرائيل تسليح تركيا؟
من منظور إسرائيلي، لا ينفصل ملف تسليح تركيا عن التحولات السياسية الحادة في العلاقة بين البلدين منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، ثم اتساع الخلافات الإقليمية المرتبطة بسوريا وإيران وشرق المتوسط. وتتعامل تل أبيب مع أنقرة باعتبارها خصمًا سياسيًا صاخبًا في الخطاب الإقليمي، حتى لو ظلت تركيا عضوًا رئيسيًا في الناتو وشريكًا مهمًا لواشنطن.
القلق الإسرائيلي يتركز في ثلاث نقاط رئيسية:
- التفوق العسكري النوعي: إسرائيل تسعى تقليديًا إلى الحفاظ على تفوقها الجوي والتقني في المنطقة، وتتحفظ على حصول أي دولة إقليمية على قدرات قد تقلص هذه الفجوة.
- الخطاب السياسي التركي: الحكومة الإسرائيلية تعتبر تصريحات أردوغان ودوائر الحكم في أنقرة خلال العامين الماضيين مؤشرًا على عداء سياسي متزايد، لا مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
- الملف السوري: توجد حساسية إسرائيلية متصاعدة تجاه النفوذ التركي في سوريا، خاصة مع تزايد تعقيد المشهد الأمني على الحدود الشمالية لإسرائيل.
إف-35 والعقدة القديمة بين واشنطن وأنقرة
الحديث عن تسليح تركيا يعيد إلى الواجهة قضية مقاتلات إف-35 الأمريكية، وهي القضية التي ظلت مجمدة لسنوات بعد استبعاد أنقرة من البرنامج بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400. هذا الاشتباك بين متطلبات الناتو والصفقة الروسية جعل الملف التركي واحدًا من أكثر ملفات التسليح تعقيدًا داخل واشنطن.
وخلال الأسبوع الماضي، قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن وزارة الدفاع الأمريكية تجري مراجعة بشأن الكيفية التي يمكن بها المضي في بيع مقاتلات إف-35 إلى تركيا رغم استمرار أزمة إس-400. هذه الإشارة وحدها كانت كافية لإثارة القلق في إسرائيل، لأن مجرد فتح باب المراجعة يعني أن الملف لم يعد مغلقًا تمامًا كما كان في السنوات السابقة.
كما أثير في الأسابيع الأخيرة ملف محركات F110 التي تنتجها شركة جنرال إلكتريك، ضمن نقاش أوسع حول احتياجات سلاح الجو التركي وتطوير قدراته. ومع أن أي قرار نهائي لم يُعلن حتى الآن، فإن مجرد عودة الملف إلى الطاولة يفسر سرعة التحرك الإسرائيلي.
قمة الناتو في أنقرة تضاعف حساسية التوقيت
تكتسب هذه التطورات وزنًا أكبر لأن أنقرة تستضيف قمة الناتو يومي 7 و8 يوليو 2026 في المجمع الرئاسي ببشتيبه، وفق البرنامج المنشور من الحلف. وبالنسبة لتركيا، تمثل القمة فرصة لإبراز مكانتها داخل المنظومة الأطلسية، ليس فقط أمنيًا، بل أيضًا صناعيًا ودبلوماسيًا.
هذا يعني أن أي لقاء بين ترامب وأردوغان على هامش القمة أو قبلها قد يتحول إلى مساحة لبحث ملفات متعددة دفعة واحدة: الإنفاق الدفاعي، الحرب في أوكرانيا، موقع تركيا داخل الحلف، والأهم بالنسبة لأنقرة، تحديث قدراتها الجوية واستعادة الثقة الدفاعية مع واشنطن.
ومن هنا يمكن فهم سبب سعي نتنياهو إلى التحرك قبل القمة لا بعدها؛ فالتوقيت في مثل هذه الملفات لا يقل أهمية عن المضمون، خاصة عندما يكون القرار النهائي في يد إدارة أمريكية تحاول إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية بعد شهور من توترات الشرق الأوسط.
ترامب بين حليفين متخاصمين
المعادلة المعقدة أمام ترامب أنه يتعامل مع طرفين تربطه بهما علاقات مباشرة، لكن بينهما خصومة سياسية عميقة. فتركيا تبقى حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة داخل الناتو، وتمثل موقعًا محوريًا في البحر الأسود والشرق الأوسط. وفي المقابل، تظل إسرائيل الحليف الأقرب لواشنطن في المنطقة من منظور المؤسسة السياسية الأمريكية.
هذه الموازنة تجعل إدارة ترامب أمام خيار صعب: هل تمنح أنقرة إشارات إيجابية في التسليح لتعزيز تماسك الحلف، أم تراعي التحفظات الإسرائيلية خشية تغيير ميزان القوة الإقليمي؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على حسم هذا السؤال، لكن المؤكد أن الضغوط الإسرائيلية بدأت مبكرًا وبصورة مباشرة.
ماذا يعني ذلك للمنطقة العربية؟
بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة العربية، لا تبدو القضية مجرد خلاف ثنائي بين إسرائيل وتركيا، بل جزء من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى في شرق المتوسط والمشرق. فكل تغيير في قدرات تركيا العسكرية، وكل ضغط إسرائيلي مضاد، سينعكس على خرائط الردع والتحالفات في ملفات تمتد من غزة إلى سوريا، ومن أمن الملاحة إلى النفوذ الإقليمي.
كما أن المشهد يكشف مجددًا أن صفقات السلاح الأمريكية لا تُقاس فقط بالاحتياج العسكري، بل تُدار أيضًا عبر حسابات سياسية معقدة تشمل مواقف الحكومات، وشبكات التحالف، وحسابات الردع بين الخصوم والحلفاء على السواء.
خلاصة المشهد
الطلب الذي نقله نتنياهو إلى ترامب قبل قمة الناتو ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة واضحة بأن إسرائيل تراقب عن قرب أي انفتاح أمريكي على إعادة تسليح تركيا. وفي المقابل، تبدو أنقرة متمسكة باستثمار لحظة استضافتها لقمة الحلف لتعزيز مكانتها الدفاعية والسياسية. وبين هذا وذاك، يبقى قرار واشنطن هو العامل الحاسم، لأنه وحده سيحدد ما إذا كان الملف سيتجه إلى تهدئة محسوبة أم إلى جولة جديدة من الشد والجذب في واحدة من أكثر زوايا الشرق الأوسط حساسية.