لماذا عادت جرينلاند إلى قلب الطموح الأمريكي؟
جرينلاند في خطاب القوة الأمريكي
أعاد اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، فتح ملف قديم ومتجدد في آن واحد، حين تحدث عن أن جرينلاند ظلت لسنوات هدفًا حاضرًا في التفكير الأمريكي، رابطًا ذلك بخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) حول توسيع النفوذ الأمريكي عالميًا. التصريح الذي جاء خلال مداخلة تلفزيونية في مصر لا يمكن قراءته باعتباره تعليقًا عابرًا؛ بل يندرج ضمن نقاش أوسع عن عودة الجغرافيا السياسية الصلبة إلى الواجهة، حيث لم تعد واشنطن تنظر فقط إلى التحالفات والأسواق، بل إلى الأراضي والممرات والمواقع الاستراتيجية نفسها.
وفي جوهر هذا النقاش، تبدو جرينلاند مثالًا مكثفًا على كيفية تقاطع الأمن القومي الأمريكي مع تنافس القوى الكبرى في القطب الشمالي. فالجزيرة التابعة لمملكة الدنمارك ليست مجرد مساحة جليدية بعيدة، لكنها تقع في موقع بالغ الحساسية بالنسبة لمنظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي الأمريكي، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام بها عبر عقود طويلة.
من شراء الجزيرة إلى توسيع الوجود العسكري
فكرة الاستحواذ على جرينلاند ليست جديدة في واشنطن. ففي عام 2019، خلال ولايته الأولى، عبّر ترامب عن اهتمامه بشراء الجزيرة، لكن كوبنهاغن رفضت الطرح علنًا، ووصفت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن الفكرة حينها بأنها غير قابلة للقبول سياسيًا. كما تشير تقارير دولية موثقة إلى أن الولايات المتحدة حاولت بالفعل شراء جرينلاند في حقبة الرئيس هاري ترومان عام 1946 مقابل 100 مليون دولار من الذهب، من دون أن توافق الدنمارك على ذلك.
الجديد في 2026 أن الملف انتقل من مستوى التصريحات الاستفزازية إلى صيغة تفاهم أمني أكثر عملية. فوفق ما أعلنته وكالة أسوشيتد برس هذا الشهر، وقع ترامب ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن ورئيس وزراء جرينلاند ينس-فريدريك نيلسن اتفاقًا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر/أيلول 2026، يهدف إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة، مع بقاء جرينلاند تحت السيادة الدنماركية. وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يعني أن واشنطن لم تحصل على “ملكية” الجزيرة، لكنها عززت حضورها الأمني فيها بشكل رسمي.
لماذا جرينلاند مهمة لهذه الدرجة؟
الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند تنبع من ثلاثة عناصر رئيسية. أولها الموقع الجغرافي؛ فالجزيرة تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا وفي قلب المسار القطبي الذي يكتسب أهمية متزايدة مع ذوبان الجليد وتزايد التنافس الدولي في المنطقة. وثانيها البعد العسكري؛ إذ تحتفظ الولايات المتحدة بالفعل بقاعدة Pituffik Space Base في شمال غرب جرينلاند، وهي منشأة تدعم مهام الإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية لصالح الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. أما العامل الثالث فهو الموارد الطبيعية، إذ تشير تقارير دولية إلى أن جرينلاند تمتلك ثروات معدنية كبيرة، إلى جانب أهميتها في خرائط الطاقة والمعادن النادرة.
لهذا، فإن حديث سمير فرج عن أن جرينلاند “مطمع أمريكي منذ سنوات” يجد ما يدعمه في التاريخ والسياسة الراهنة معًا. فالمسألة ليست مرتبطة بشخص ترامب وحده، وإن كان قد منحها خطابًا أكثر صدامية ووضوحًا، بل ترتبط بعقيدة أمريكية أوسع ترى في القطب الشمالي خط دفاع متقدمًا أمام روسيا ومجالًا يجب منع الصين من تثبيت موطئ قدم فيه.
كندا وبنما وفنزويلا: هل نحن أمام عقلية توسع؟
اللافت في طرح سمير فرج أنه لم يفصل جرينلاند عن ملفات أخرى أثارها ترامب، مثل حديثه المتكرر عن كندا بوصفها “الولاية رقم 51”، أو تهديده بإعادة السيطرة الأمريكية على قناة بنما، فضلًا عن ربطه بين النفوذ الأمريكي والتحولات في فنزويلا. هذا الربط مهم تحليليًا؛ لأنه يكشف نمطًا في الخطاب السياسي لترامب يقوم على إعادة تعريف النفوذ الأمريكي بلغة مباشرة تمزج الاقتصاد بالقوة والرمزية الإمبراطورية.
وفي ما يخص كندا، وثقت تقارير دولية خلال 2025 أن ترامب كرر علنًا الحديث عن ضم كندا، بينما رد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بحسم قائلاً إن بلاده “لن تكون للبيع أبدًا”. أما في ملف بنما، فقد هدد ترامب أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024 بإمكانية المطالبة بعودة قناة بنما إلى السيطرة الأمريكية، مبررًا ذلك برسوم العبور وبالخشية من النفوذ الصيني، وهو ما قوبل برفض واضح من الرئيس البنمي خوسيه راوول مولينو.
هنا يصبح من المشروع النظر إلى هذه التصريحات بوصفها جزءًا من رؤية تعتبر أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بإدارة النظام الدولي، بل أن تعيد رسم بعض حدوده لمصلحتها متى رأت أن ميزان القوة يسمح بذلك. قد لا تتحول كل هذه الرغبات إلى سياسات تنفيذية كاملة، لكن مجرد طرحها على هذا المستوى الرئاسي يترك أثرًا عميقًا في العلاقات الدولية.
ما الذي تغير في 2026؟
الأهم من السجال اللفظي هو أن عام 2026 شهد انتقال ملف جرينلاند إلى مرحلة أكثر حساسية. فوفق التسلسل الزمني الذي نشرته أسوشيتد برس، تصاعد التوتر بين واشنطن وكوبنهاغن وقيادة جرينلاند خلال الشهور الماضية، قبل أن ينتهي إلى اتفاق أمني جديد يعزز الوجود الأمريكي ويحظر إقامة قواعد غير تابعة للناتو في الجزيرة، كما يحد من استثمارات خصوم الحلف هناك. بعبارة أخرى، تحولت جرينلاند من موضوع شراء رمزي إلى عقدة فعلية في استراتيجية الأمن الأطلسي والقطبي.
ومن زاوية مصرية وعربية، فإن هذا التطور يلفت الانتباه إلى كيفية عودة الجغرافيا إلى صدارة السياسة العالمية. ففي منطقتنا اعتدنا متابعة صراعات الممرات البحرية من قناة السويس إلى باب المندب، لكن ما يجري في جرينلاند يوضح أن السباق على المعابر والمواقع لا يخص الجنوب فقط، بل يمتد إلى الشمال المتجمد أيضًا. العالم يعيد تقييم قيمة الأرض والمضائق والقواعد والموارد في لحظة دولية شديدة السيولة.
قراءة في دلالة تصريحات سمير فرج
تكمن أهمية تصريحات سمير فرج في أنها لا تتوقف عند نقل موقف من ترامب، بل تدفع نحو قراءة أعمق لسلوك القوة الأمريكية. فحين يقول إن جرينلاند كانت مطمعًا أمريكيًا منذ سنوات، فهو يذكّر بأن السياسة الدولية لا تتحرك فقط بالأحداث اليومية، وإنما كذلك بخطوط ثابتة من التفكير الاستراتيجي. هذه الخطوط قد تخفت أحيانًا ثم تعود بقوة عندما يتغير السياق الدولي أو تأتي قيادة سياسية أكثر ميلاً إلى المجاهرة بها.
كما أن المقارنة بين جرينلاند وكندا وبنما تكشف أن خطاب ترامب يعكس ميلًا إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي من أجل فرض تصورات جيوسياسية كبرى. وإذا كان هذا النهج يصطدم غالبًا بالقانون الدولي وبحسابات الحلفاء، فإنه مع ذلك ينجح في تغيير جدول الأعمال ودفع الدول الأخرى إلى إعادة التموضع.
الخلاصة
ما قاله سمير فرج صحيح في جوهره من الناحية الاستراتيجية: جرينلاند ليست ملفًا طارئًا في الذهنية الأمريكية، بل جزء من اهتمام ممتد عاد إلى الواجهة بقوة مع ترامب. لكن التطور الأهم في 2026 هو أن واشنطن لم تكتف بإحياء فكرة السيطرة الرمزية، بل انتقلت إلى تثبيت نفوذ أمني أكبر عبر اتفاق ثلاثي مع الدنمارك وجرينلاند. وبينما تظل فكرة “الضم” مرفوضة أوروبيًا وجرينلانديًا، فإن الرسالة الأوضح اليوم هي أن الجزيرة القطبية ستبقى في قلب صراع النفوذ الدولي لسنوات مقبلة.