Akhbar Cairo

لماذا عجزت شرطة لندن عن حظر تظاهرة 7 أكتوبر المؤيدة لفلسطين؟

بين القانون والرمزية: أزمة توقيت أكثر من كونها أزمة تصريح

أعادت شرطة العاصمة البريطانية، المعروفة باسم شرطة المتروبوليتان، فتح النقاش حول حدود سلطة الدولة في التعامل مع الاحتجاجات السياسية، بعدما أعلنت أنها لا تستطيع قانونيًا منع مسيرة مؤيدة لفلسطين كانت مقررة في 7 أكتوبر في لندن، رغم اعتبار هذا التاريخ بالغ الحساسية لدى قطاعات واسعة من سكان المدينة. القضية هنا لا تتعلق فقط بمسيرة جديدة، بل باختبار متكرر لعلاقة القانون البريطاني بحرية التظاهر حين تتقاطع مع لحظة مشحونة بالذاكرة والهوية والانقسام السياسي.

الموقف الذي صدر عن الشرطة لم يكن تأييدًا للمسيرة ولا تبنيًا لمضمونها، بل كان في جوهره اعترافًا بحدود الصلاحيات. نائب مساعد مفوض الشرطة جيمس هارمان قال في إفادة رسمية إن الشرطة حاولت التواصل مع المنظمين لحثهم على اختيار يوم آخر، لكنها واجهت صعوبة في الوصول إليهم. وأوضح كذلك أن كثيرين في لندن ينظرون إلى هذا اليوم بوصفه يوم حداد وتأمل، مع توقع تنظيم وقفات إحياء ذكرى بالتوازي معه.

ماذا قالت الشرطة فعليًا؟

بحسب البيان الرسمي لشرطة المتروبوليتان، فإن المسيرة المرتقبة نُسبت إلى مجموعة طلابية تطلق على نفسها University of London Coalition، وكان مخططًا أن تنطلق من كينغز كوليدج لندن إلى يونيفرسيتي كوليدج لندن عند الظهيرة. الشرطة شددت على أنها طلبت من المنظمين التفكير في الأثر الذي قد يتركه الحدث على الطلاب والعاملين، خصوصًا اليهود، وكذلك على دلالة اختيار التاريخ نفسه.

لكن النقطة الأهم في البيان كانت قانونية بامتياز: الشرطة قالت بوضوح إنها لا تمنح الإذن للمظاهرات أصلًا حتى تسحبه، ولا تملك في المقابل سلطة مطلقة لرفضها. ما تملكه هو فرض شروط على التوقيت أو المسار أو أسلوب التنظيم إذا وجدت خطرًا جديًا يتعلق بالفوضى أو التعطيل أو تهديد المجتمع المحلي. أما طلب الحظر الكامل، فهو مسار استثنائي لا يُستخدم إلا إذا وصل تقدير الخطر إلى مستوى مرتفع للغاية لا تكفي معه الشروط التنظيمية.

لماذا لا تستطيع الشرطة الحظر بسهولة؟

السبب يعود إلى الإطار القانوني البريطاني المنظم للاحتجاجات، وعلى رأسه قانون النظام العام لعام 1986. هذا القانون يتيح للشرطة فرض قيود على المسيرات العامة، لكنه يضع سقفًا مرتفعًا جدًا قبل اللجوء إلى طلب الحظر من وزير الداخلية البريطاني. ووفق الشرح الذي قدمته الشرطة، لا يُطلب المنع إلا إذا كان هناك خطر من اضطراب خطير لا يمكن احتواؤه بوسائل أقل قسوة، مثل تعديل المسار أو تحديد الزمن أو وضع شروط تشغيلية صارمة.

هذه القاعدة تفسر كثيرًا من الجدل الذي أحاط بمظاهرات لندن منذ اندلاع الحرب في غزة. فالمسألة ليست أن الشرطة تتساهل أو تتشدد بحسب المزاج السياسي، بل أن القانون البريطاني نفسه صُمم على أساس تفضيل تنظيم الاحتجاج بدلًا من منعه، إلا في أضيق الحدود. ومن هنا نفهم لماذا طالبت الشرطة بتغيير الموعد، لا بإلغاء الحق في التظاهر من الأصل.

7 أكتوبر في الوعي البريطاني: يوم ذاكرة وانقسام

تزداد حساسية الموعد لأن 7 أكتوبر 2024 مثّل الذكرى السنوية الأولى لهجوم حماس على إسرائيل، وهي مناسبة أحاطت بها في بريطانيا فعاليات تذكارية وتصريحات رسمية. عمدة لندن صادق خان (@sadiq على إنستغرام) وصف في بيان بمناسبة الذكرى اليوم بأنه لحظة للتذكر والتأمل في الخسائر البشرية التي أصابت الإسرائيليين والفلسطينيين معًا، في إشارة إلى عمق الاستقطاب الذي يفرض نفسه على الفضاء العام البريطاني.

بالنسبة إلى قطاعات من البريطانيين، ولا سيما داخل الجالية اليهودية، يحمل هذا التاريخ معنى حداديًا واضحًا. وفي المقابل، ترى مجموعات متضامنة مع الفلسطينيين أن الحرب على غزة وما خلفته من ضحايا ودمار تجعل من استمرار الاحتجاج واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا، حتى لو صادف يومًا شديد الحساسية. هنا تحديدًا تتبدى المعضلة: هل تكون الأولوية لمشاعر الحداد المرتبطة بالذكرى، أم لحق التعبير السياسي في ذروة الاستقطاب؟

الجامعات في قلب المشهد

اختيار مسار طلابي بين مؤسسات جامعية كبرى أضاف طبقة أخرى من التعقيد. الشرطة أشارت إلى أنها خاطبت الجامعات المعنية طالبة منها التدخل القيادي لتقليل التوتر وضمان ألا يشعر الطلاب أو الموظفون اليهود بالإقصاء أو الاستهداف. هذا التفصيل ليس هامشيًا، لأن الجامعات البريطانية تحولت منذ أواخر 2023 إلى ساحة كثيفة للاعتصامات والمناظرات والاحتجاجات المتعلقة بالحرب في غزة.

وتستند هذه الحساسية إلى بيانات منشورة في بريطانيا حول تصاعد الحوادث المعادية لليهود في القطاع الجامعي مقارنة بما قبل أكتوبر 2023. فبحسب رد برلماني بريطاني استند إلى بيانات Community Security Trust، سُجلت 78 واقعة مرتبطة بالجامعات في 2025، بانخفاض عن 133 واقعة في 2024، لكنها ظلت أعلى بوضوح من المستويات السابقة للحرب. هذا لا يحسم الجدل السياسي، لكنه يفسر لماذا تتعامل الشرطة والجامعات مع أي تحرك في هذا التوقيت باعتباره ملفًا أمنيًا ومجتمعيًا معقدًا، لا مجرد فعالية طلابية عادية.

قراءة أوسع: هل المشكلة في المظاهرة أم في نموذج إدارة الاحتجاج؟

من زاوية تحليلية، تبدو قصة المسيرة المؤيدة لفلسطين في لندن مثالًا على مأزق أوروبي أوسع: السلطات تريد حماية الحق في التعبير من دون أن تتحول الشوارع إلى مساحة ترهيب متبادل بين جماعات متنازعة في الذاكرة والسياسة. وفي بريطانيا تحديدًا، تزداد صعوبة هذه المهمة بسبب مركزية لندن، وثقل جالياتها، وسرعة انتقال التوترات الدولية إلى الداخل المحلي.

الشرطة نفسها أقرت في بيانات لاحقة بأن تأمين الاحتجاجات المرتبطة بهذا الملف استنزف موارد كبيرة. ففي إحاطة رسمية أخرى، قالت إن تكلفة تأمين 35 احتجاجًا كبيرًا نظمها ائتلاف مؤيد لفلسطين منذ أكتوبر 2023 بلغت 26.6 مليون جنيه إسترليني، وترتفع إلى نحو 90 مليون جنيه عند احتساب كلفة تحويل الموارد الشرطية من مهامها اليومية. هذه الأرقام تكشف أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بحرية التجمع، بل أيضًا بقدرة المدينة على تحمل فاتورة الاستقطاب المستمر.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة إلى القارئ في مصر، تهم هذه القصة لسببين. الأول أن القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على إعادة تشكيل المجال العام حتى في عواصم بعيدة جغرافيًا عن المنطقة. والثاني أن النقاش البريطاني يقدم نموذجًا مختلفًا لكيفية إدارة الاحتجاجات: القانون هناك لا ينطلق من سؤال “هل نوافق على مضمون التظاهرة؟” بقدر ما ينطلق من سؤال “هل يوجد خطر بالغ يبرر تقييدها؟”.

هذا لا يجعل النموذج البريطاني مثاليًا، ولا ينفي الاتهامات المتبادلة للشرطة بالانحياز أو القصور، لكنه يوضح أن الصراع الحقيقي في هذه الحالة يدور حول تفسير القانون وترتيب الأولويات الرمزية. من هنا، فإن إعلان شرطة لندن عجزها عن منع المسيرة لا ينبغي قراءته باعتباره موقفًا سياسيًا لصالح طرف، بل باعتباره تعبيرًا عن قيد قانوني ومؤسسي في نظام ديمقراطي يفضل الضبط على المنع.

خلاصة المشهد

جوهر الأزمة أن 7 أكتوبر ليس تاريخًا عاديًا في لندن، وأن المظاهرة المؤيدة لفلسطين في هذا اليوم وضعت الشرطة بين التزامين متعارضين: حماية حرية الاحتجاج، ومراعاة يوم يراه كثيرون مناسبة للحزن والذكرى. وعندما قالت الشرطة إنها لا تستطيع الحظر، فهي في الحقيقة كانت تقول إن القانون البريطاني لا يجيز المنع لمجرد الحساسية السياسية أو الرمزية، ما لم يقترن ذلك بخطر أمني جسيم لا يمكن احتواؤه بشروط تنظيمية.

وفي هذا المعنى، تكشف القضية عن حقيقة أكبر من الخبر نفسه: في المجتمعات المنقسمة حول حرب غزة، لم تعد الشوارع مجرد مساحات للاحتجاج، بل تحولت إلى امتحان يومي لقدرة القانون على التوفيق بين الذاكرة والحرية، وبين الألم والحق في التعبير.

  • الجهة المعنية: شرطة العاصمة البريطانية (Metropolitan Police)
  • المسؤول الذي أعلن الموقف: جيمس هارمان
  • طبيعة الفعالية: مسيرة طلابية مؤيدة لفلسطين في لندن
  • الأساس القانوني: قانون النظام العام البريطاني لعام 1986
  • جوهر الخلاف: عدم توافر عتبة قانونية كافية لطلب الحظر الكامل