لماذا غابت 77 دولة عن قاعة الأمم المتحدة أثناء خطاب نتنياهو؟
مشهد غير معتاد في قاعة الجمعية العامة
تحول خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل خلال أعمال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعدما بدت القاعة شبه خالية من عدد كبير من الوفود مع بدء كلمته يوم 27 سبتمبر 2024. وبحسب إحصاء تداولته وسائل إعلام إسرائيلية واستند إلى رصد للحاضرين والغائبين، بلغ عدد الدول التي لم تكن وفودها موجودة داخل القاعة أو غادرتها مع بداية الخطاب 77 دولة، من بينها مصر وإسبانيا وعدد من الدول العربية والأوروبية واللاتينية.
اللافت هنا أن الرقم لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الدول نفذت انسحاباً منظماً في اللحظة نفسها، بل يضم حالتين مختلفتين: وفوداً غادرت فعلاً اعتراضاً على الكلمة، وأخرى لم تكن حاضرة من الأساس وقت إلقاء الخطاب. وهذه نقطة مهمة لفهم دقة المشهد بعيداً عن المبالغة المتداولة على منصات التواصل.
ماذا حدث داخل الأمم المتحدة؟
المؤكد من تغطيات الأمم المتحدة ووسائل إعلام دولية أن خطاب نتنياهو قوبل باحتجاج واضح داخل القاعة، إذ أظهرت الصور ومقاطع الفيديو خروج عدد من الدبلوماسيين وممثلي الدول فور صعوده إلى المنصة أو مع بداية كلمته. كما وثقت تقارير صحفية أن عشرات المقاعد ظلت شاغرة خلال الخطاب، في مؤشر على اتساع العزلة السياسية التي واجهها الرجل داخل المنظمة الدولية.
نتنياهو ألقى كلمته في 27 سبتمبر 2024 ضمن مداولات الدورة 79 للجمعية العامة، في وقت كانت فيه الحرب على غزة والتصعيد في لبنان يهيمنان على اجتماعات نيويورك. ووفق النص المنشور لكلمته على منصة الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، ركز على الدفاع عن سياسات حكومته وهاجم خصوم إسرائيل داخل المنظمة، وهو ما زاد من حدة الرفض بين عدد من الوفود.
هل كانت مصر ضمن الدول الغائبة؟
نعم، ورد اسم مصر ضمن الدول التي لم تكن حاضرة داخل القاعة أثناء خطاب نتنياهو وفق القوائم التي جرى تداولها في الإعلام الإسرائيلي. لكن الأهم بالنسبة للقارئ المصري هو وضع هذا المشهد في سياقه الأوسع: القاهرة كانت في ذلك التوقيت تقود تحركاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً في الأمم المتحدة للدفع نحو وقف إطلاق النار في غزة، ورفض التهجير، والتأكيد على حل الدولتين.
وزارة الخارجية المصرية كانت نشطة بقوة خلال اجتماعات نيويورك. ففي 22 سبتمبر 2024 شارك وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في اجتماع اللجنة الوزارية العربية الإسلامية المعنية بغزة، وأكد استمرار جهود مصر في الوساطة وإدخال المساعدات ورفض أي سيناريو يهدف إلى تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم. كما التقى في 23 سبتمبر بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، مجدداً دعم مصر الكامل للحقوق الفلسطينية والتحرك من أجل العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة.
وبعد ذلك بيومين، شاركت مصر في تحركات وزارية عربية وإقليمية حذرت من اتساع رقعة الحرب، قبل أن يؤكد عبد العاطي في جلسة لمجلس الأمن يوم 27 سبتمبر 2024 أن استمرار الحرب على غزة فاقم الكارثة الإنسانية وهدد استقرار الإقليم بأكمله. لذلك فإن غياب الوفد المصري عن قاعة خطاب نتنياهو بدا منسجماً مع الخط السياسي المصري المعلن خلال تلك الأيام، حتى من دون صدور بيان مصري منفصل يشرح هذه الجزئية وحدها.
ما دلالة الرقم 77؟
الرقم اكتسب زخماً إعلامياً لأنه يعكس اتساع الهوة بين إسرائيل وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي خلال خريف 2024. وتشير القوائم المتداولة إلى أن الدول المصنفة ضمن الغياب أو الانسحاب شملت 18 دولة عربية على الأقل، بينها مصر والأردن ولبنان والعراق والسعودية وقطر والكويت وسلطنة عمان وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا والصومال وجزر القمر، إضافة إلى دول أوروبية مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية وسان مارينو، فضلاً عن دول من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
لكن من الضروري التمييز بين الاحتجاج السياسي المعلن والرصد العددي للحضور. فليست كل دولة ورد اسمها في القائمة أعلنت رسمياً أنها شاركت في انسحاب جماعي. ومع ذلك، فإن النتيجة السياسية النهائية واحدة تقريباً: نتنياهو تحدث في أجواء اتسمت بغياب ملحوظ لعدد كبير من الوفود، بما يعكس حجم الاعتراض الدولي على سياسات حكومته.
إسبانيا ودول أوروبا.. لماذا كان حضورها لافتاً؟
ورود اسم إسبانيا في هذه القوائم كان ذا دلالة خاصة، لأن مدريد كانت من أكثر العواصم الأوروبية انتقاداً للحرب على غزة في ذلك الوقت، كما دعمت مع دول أخرى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لذلك فإن غياب وفدها عن القاعة، سواء باعتباره انسحاباً أو عدم حضور، حمل رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد.
كذلك بدا لافتاً ظهور دول أوروبية أخرى في المشهد، وهو ما يعكس أن الاعتراض على خطاب نتنياهو لم يكن محصوراً في الكتلة العربية أو الإسلامية فقط، بل امتد إلى أطراف غربية وأوروبية ضاقت فجوة التفاهم بينها وبين الحكومة الإسرائيلية بفعل الحرب والضحايا المدنيين والجمود السياسي.
مصر بين الدبلوماسية والرسائل الرمزية
بالنسبة لمصر، لا يمكن قراءة هذا الحدث باعتباره مجرد تفصيل بروتوكولي داخل قاعة الأمم المتحدة. فالقاهرة كانت، وما زالت، طرفاً مركزياً في جهود الوساطة بين إسرائيل وحركة حماس، وشريكاً رئيسياً في إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إلى جانب دورها الثابت في رفض التهجير القسري والدفاع عن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن هنا، فإن أي مشهد رمزي داخل الأمم المتحدة، مثل عدم البقاء في القاعة أثناء كلمة نتنياهو، يكتسب معنى إضافياً لدى المتابع المصري: إنه تعبير بصري عن اتساق الموقف السياسي المصري مع ما تعلنه الخارجية في الاجتماعات الرسمية، ومع المزاج الشعبي الرافض لاستمرار الحرب وما خلّفته من دمار واسع في القطاع.
هل غيّر المشهد شيئاً في ميزان الأمم المتحدة؟
عملياً، لا يترتب على انسحاب الوفود أو غيابها أثر إجرائي مباشر على حق المتحدث في إلقاء كلمته. لكن الأثر السياسي والإعلامي يكون كبيراً، لأن مثل هذه اللقطات تتحول إلى رسالة دولية حول حجم التأييد أو العزلة. وفي حالة نتنياهو، جاءت هذه الرسالة في توقيت حساس للغاية، بعد أسابيع من تصاعد الانتقادات الدولية للحرب، وبعد تصويتات أممية أظهرت دعماً واسعاً للمطالب الفلسطينية داخل الجمعية العامة.
وهنا تبرز أهمية المشهد بالنسبة للقارئ المصري: الأمم المتحدة ليست مجرد منصة خطابات، بل مساحة تُقاس فيها أيضاً رمزية الحضور والغياب، ومن خلالها يمكن فهم اتجاهات المزاج الدولي. وعندما تكون مصر ضمن الدول التي لم تحضر خطاب نتنياهو أو لم تبقَ في القاعة أثناءه، فإن ذلك ينسجم مع خط تحركها الدبلوماسي الأوسع في نيويورك، حيث كررت الدعوة إلى وقف الحرب، ورفض التهجير، وتثبيت حل الدولتين باعتباره المخرج الوحيد القابل للاستمرار.
الخلاصة
الحدث الأساسي صحيح: كلمة بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة يوم 27 سبتمبر 2024 جرت وسط مقاعد شاغرة وخروج عدد من الوفود، فيما أُحصيت 77 دولة باعتبارها غائبة أو منسحبة خلال الخطاب. ومصر كانت ضمن هذه الدول وفق القوائم المتداولة. لكن التدقيق يوضح أن الرقم يجمع بين دول انسحبت فعلاً وأخرى لم تكن موجودة وقت الكلمة. ورغم هذا التفصيل، فإن الرسالة الأوضح بقيت واحدة: نتنياهو واجه في الأمم المتحدة مشهداً يعكس اتساع الاعتراض الدولي، بينما واصلت مصر تحركها السياسي دفاعاً عن وقف النار والحقوق الفلسطينية.