Akhbar Cairo

لماذا قفز الدولار إلى 50 جنيهًا؟ قراءة في شرح محمد معيط

لماذا عاد سؤال الدولار إلى الواجهة في مصر؟

أعاد الدكتور محمد معيط، وزير المالية الأسبق والمدير التنفيذي ممثل مصر والمجموعة العربية والمالديف في صندوق النقد الدولي، فتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية للمصريين: كيف وصل سعر الدولار إلى حدود 50 جنيهًا؟ الحديث لم يكن مجرد تعليق على رقم في شاشات البنوك، بل محاولة لشرح المسار الذي مر به الاقتصاد المصري منذ برنامج الإصلاح في 2016، ثم صدمة جائحة كورونا، وبعدها الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الضغوط الإقليمية التي أثرت في السياحة وإيرادات قناة السويس والتحويلات وتكلفة التمويل الخارجي.

وبحسب ما ورد في تصريحات منشورة ومعاد تداولها في وسائل إعلام مصرية، فإن معيط يربط بين تحركات الدولار وواقع أشمل يتجاوز مجرد العرض والطلب اليومي، ليمتد إلى قدرة الدولة على توليد النقد الأجنبي، وحجم الصدمات الخارجية، ومستوى الثقة في السوق، والسياسات النقدية والمالية المتبعة في مواجهة الأزمات.

من أين بدأت الأزمة؟

شرح معيط في أكثر من مناسبة أن الاقتصاد المصري كان قد دخل برنامج إصلاح واسع في نوفمبر 2016، في وقت كانت فيه الاختلالات قد وصلت إلى مستويات صعبة، مع فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وضغط على الاحتياطي الأجنبي، وعجز في الموازنة وميزان المدفوعات. وفي ذلك الوقت، كان تحرير سعر الصرف جزءًا محوريًا من الحزمة الإصلاحية التي استهدفت استعادة التوازن وبناء احتياطي نقدي أقوى.

هذا المسار، وفق رواية معيط، ساعد لاحقًا على تحسين عدد من المؤشرات قبل الأزمات العالمية الكبرى، بينها استقرار نسبي في الأسعار، وتحسن الاحتياطي، وارتفاع معدل النمو إلى ما يزيد على 5% قبل أن تتبدل البيئة الدولية بالكامل. وقد قال في حوار مع الأهرام إن ما تحقق حتى 2019 وضع الاقتصاد على مسار أفضل، قبل أن تأتي الصدمات الخارجية المتعاقبة وتغير المشهد.

كيف أثرت كورونا ثم الحرب على سعر الصرف؟

وفقًا لبيانات وزارة المالية والبنك المركزي المصري، فإن جائحة كورونا مثلت أول اختبار ضخم للاقتصاد بعد الإصلاحات، إذ تعرضت الأسواق العالمية للإغلاق والشلل، ثم ارتفعت لاحقًا معدلات التضخم العالمية نتيجة ضخ السيولة وتراجع الإنتاج. البنك المركزي المصري أشار أيضًا إلى أن تداعيات كورونا أعقبتها آثار الحرب الروسية الأوكرانية، بما حملته من ارتفاع في أسعار السلع والطاقة وخروج استثمارات أجنبية من الأسواق الناشئة، وهو ما وضع ضغوطًا مباشرة على الاقتصاد المصري وعلى العملة المحلية.

وفي هذا السياق، يرى معيط أن ارتفاع الدولار لم يكن ظاهرة مصرية خالصة، بل جزءًا من موجة عالمية عززت قوة العملة الأمريكية أمام عملات عدة في الأسواق الناشئة، مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا وزيادة كلفة الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر. لكنه في الوقت نفسه أقر بأن الدول المستوردة، ومن بينها مصر، كانت أكثر تعرضًا للضغط بسبب احتياجاتها من النقد الأجنبي لتمويل الواردات وسداد الالتزامات الخارجية.

لماذا لامس الدولار مستوى 50 جنيهًا؟

الاقتراب من مستوى 50 جنيهًا لم يأتِ من عامل واحد، بل من تداخل عدة عناصر في توقيت متقارب: نقص نسبي في تدفقات النقد الأجنبي، اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي خلال بعض الفترات، ارتفاع فاتورة الواردات، زيادة كلفة خدمة الدين، وتراجع بعض الموارد الدولارية تحت ضغط التطورات الجيوسياسية. صندوق النقد الدولي أشار في مارس 2024 إلى أن الصراع في غزة زاد تعقيد الوضع الاقتصادي في مصر، خاصة عبر تأثيره على السياحة وإيرادات قناة السويس.

كما شدد الصندوق على أن استعادة الثقة تتطلب نظام سعر صرف مرنًا وسوقًا أكثر تحررًا للنقد الأجنبي، وهو ما ارتبط بحزمة إجراءات أوسع ضمن برنامج مصر مع الصندوق. وفي 29 مارس 2024، أعلن صندوق النقد استكمال المراجعتين الأولى والثانية لبرنامج مصر، مع زيادة حجم التسهيل من نحو 3 مليارات دولار إلى نحو 8 مليارات دولار، في خطوة استهدفت دعم الاستقرار المالي وتخفيف ضغوط ميزان المدفوعات.

الاحتياطي النقدي.. لماذا يراه معيط مفتاحًا مهمًا؟

من النقاط الأساسية التي يكررها معيط أن الاحتياطي من النقد الأجنبي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات. وثائق سابقة لوزارة المالية أظهرت أن الاحتياطي بلغ نحو 40 مليار دولار في نهاية مارس 2020، بعد سنوات من إعادة البناء، بينما أشارت تصريحات أحدث نقلتها وسائل إعلام مصرية إلى أن الاحتياطي وصل لاحقًا إلى مستويات قاربت 51 مليار دولار، وهو من أعلى المستويات تاريخيًا وفق هذا الطرح. كما أكد البنك المركزي المصري أن مرونة سعر الصرف تساعد على تكوين والحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات الدولية.

هذه النقطة تفسر جزئيًا لماذا يدافع معيط عن فكرة أن الإصلاحات السابقة لم تكن ترفًا، بل كانت، من وجهة نظره، ما منح الاقتصاد قدرة أكبر على الصمود لاحقًا. الفكرة هنا ليست أن المواطن لم يشعر بالضغوط؛ بل العكس، إذ إن أثر ارتفاع الدولار على الأسعار كان مباشرًا وقاسيًا على الجميع، لكن مقاربة معيط تقوم على أن غياب الإصلاح كان سيجعل الصدمة أشد.

وماذا عن المواطن المصري؟

في النهاية، السؤال الأكثر إلحاحًا في الشارع ليس فنيًا بقدر ما هو معيشي: لماذا يشعر الفقير والغني معًا بضغط الدولار؟ الإجابة ترتبط بأن صعود العملة الأمريكية ينعكس على تكلفة الاستيراد، ومن ثم على أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والطاقة والنقل. ومع موجات التضخم، تتسع الفجوة بين الدخل والأسعار، حتى مع تدخلات الحماية الاجتماعية.

وثائق صندوق النقد الخاصة بمصر أشارت إلى أن الحكومة أعلنت في فبراير 2024 حزمة حماية اجتماعية إضافية بقيمة 180 مليار جنيه للعام المالي 2024/2025، تضمنت رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي بنسبة 50% وزيادة المعاشات 15% وتوسيع بعض الإعفاءات والمزايا. هذه الإجراءات تعكس إدراكًا رسميًا بأن معالجة سوق الصرف وحدها لا تكفي ما لم تتواز معها آليات لتخفيف العبء عن الأسر.

هل انتهت الأزمة؟

المعطيات المتاحة لا تدعم إجابة حاسمة بنعم أو لا. لكن المؤكد أن ملف الدولار في مصر بات مرتبطًا بثلاثة مسارات متوازية:

  • استمرار مرونة سعر الصرف ومنع عودة التشوهات والسوق الموازية.
  • زيادة الموارد الدولارية المستدامة من التصدير والسياحة والتحويلات والاستثمار المباشر.
  • احتواء الأثر الاجتماعي لارتفاع الأسعار عبر الأجور والدعم والحماية الاجتماعية.

وبهذا المعنى، فإن وصول الدولار إلى 50 جنيهًا لم يكن حدثًا منفصلًا، بل نتيجة تراكمات داخلية وصدمات خارجية ممتدة لسنوات. أما الرسالة الأساسية التي يطرحها محمد معيط فهي أن إدارة الأزمة لا تتعلق فقط بسعر الصرف، بل ببنية الاقتصاد وقدرته على امتصاص الصدمات، وبمدى نجاح الدولة في إعادة بناء الثقة وتوفير النقد الأجنبي دون أن يدفع المواطن وحده ثمن التصحيح.