لماذا لم تتحول اتفاقية مكة إلى رد عسكري فوري؟
لماذا لم تتحول اتفاقية مكة إلى تدخل عسكري فوري بعد هجمات الحوثيين؟
أعاد التصعيد الحوثي ضد السعودية في سبتمبر/أيلول 2026 طرح سؤال سياسي وعسكري مهم: إذا كانت اتفاقية مكة للدفاع المشترك قد وُقعت بين السعودية وتركيا وباكستان على أساس أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعد هجوما على الجميع، فلماذا لم يظهر حتى الآن رد عسكري مباشر من أنقرة أو إسلام آباد؟ المعطيات المعلنة من الحكومات الثلاث تشير إلى أن الإجابة لا تتعلق بغياب الاتفاق، بل بطبيعة آليات تنفيذه وحدود القرار السياسي المرتبط به.
ما هي اتفاقية مكة أساسا؟
الاتفاقية وُقعت في مكة المكرمة يوم 7 أغسطس/آب 2026 خلال قمة جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. ووفقا لما أُعلن حينها، تنص الاتفاقية على تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، وعلى اعتبار أي اعتداء مسلح على أي طرف اعتداء على الأطراف الثلاثة. كما تشمل تطوير التعاون العسكري والصناعات الدفاعية ورفع قابلية العمل المشترك بين القوات المسلحة للدول الثلاث.
وفي 31 أغسطس/آب 2026، عقدت الدول الثلاث أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول، واتفقت على المضي في مأسسة الاتفاق عبر إنشاء أمانة عامة في السعودية، على أن يتولاها في مرحلتها الأولى أمين عام من باكستان لمدة ثلاث سنوات. هذا التطور مهم لأنه يكشف أن الاتفاق ما زال في مرحلة بناء هياكله التنفيذية، وليس في صورة تحالف يعمل آليا من دون ترتيبات إجرائية وسياسية إضافية.
الهجمات الأخيرة: ماذا حدث في السعودية؟
خلال الأسبوعين الأخيرين من سبتمبر/أيلول 2026، تصاعدت الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين على السعودية. وذكرت تقارير دولية أن الرياض أكدت محاولة استهداف العاصمة الرياض بصاروخ باليستي يوم 19 سبتمبر/أيلول 2026، كما سبقت ذلك هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على أهداف سعودية أخرى، بينها بنى مرتبطة بالطاقة، في تصعيد أعاد المواجهة السعودية-الحوثية إلى الواجهة الإقليمية.
هذا التصعيد هو الذي فجّر التساؤلات حول سبب عدم تحرك تركيا وباكستان عسكريا بصورة فورية، خاصة أن النص السياسي المعلن للاتفاقية يعطي انطباعا بوجود التزام دفاعي مباشر. لكن القراءة الدقيقة للتصريحات الرسمية تظهر أن الأمر أكثر تعقيدا من مجرد وجود بند دفاع مشترك.
باكستان: لا نقاش حاليا حول رد عسكري
الموقف الأكثر وضوحا جاء من إسلام آباد. ففي 10 سبتمبر/أيلول 2026، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان إن لا مناقشات جارية حاليا بشأن تحرك أو رد عسكري تحت مظلة اتفاقية مكة ردا على هجمات الحوثيين على السعودية، مع تأكيده في الوقت نفسه أن باكستان ستتحرك بموجب الاتفاق عندما يحين الوقت. كما أوضح أن توسيع التحالف ليس مطروحا حاليا. هذا التصريح يكشف أن باكستان لا ترى أن الاتفاق يُلزمها تلقائيا برد فوري بمجرد وقوع هجوم، بل يترك مساحة لتقدير التوقيت والكيفية والظروف.
ومن الناحية السياسية، ينسجم ذلك مع تقليد باكستاني معروف في التعامل مع أزمات الخليج واليمن تحديدا؛ إذ تميل إسلام آباد إلى الموازنة بين شراكاتها الوثيقة مع السعودية وحساباتها الإقليمية الأوسع، بما في ذلك حساسية الانخراط العسكري المباشر في نزاعات قد تتسع جغرافيا وسياسيا. وبعبارة أخرى، باكستان لم تنفِ الالتزام السياسي بالاتفاق، لكنها امتنعت عن اعتباره تفويضا مفتوحا لتحرك عسكري تلقائي.
تركيا: استعداد سياسي أكثر من قرار عملياتي
في المقابل، أبدت أنقرة لهجة أكثر انفتاحا. فقد قال وزير الخارجية التركي حاقان فيدان إن السعودية قد تكون لديها احتياجات عسكرية بسبب الهجمات الحوثية الجارية، وإن تركيا مستعدة للمساعدة في إطار الاتفاق الدفاعي الثلاثي. لكن هذه الصياغة، رغم أهميتها السياسية، لا ترقى بحد ذاتها إلى إعلان تدخل عسكري بدأ بالفعل، بل تعبر عن استعداد مشروط يرتبط بطلب سعودي واضح، وتقدير مشترك لطبيعة التهديد، وآليات التنسيق بين الأطراف.
هذا يعني أن تركيا، مثل باكستان، تتعامل مع الاتفاق باعتباره إطارا للتنسيق والردع والتخطيط المشترك، لا آلية أوتوماتيكية تُخرج الجيوش إلى الميدان فور وقوع أي هجوم. كما أن أنقرة نفسها أوضحت عند إعلان الاتفاق أنه لا يستهدف دولة بعينها وأنه يهدف إلى دعم الاستقرار والأمن الإقليميين، وهي صياغة دفاعية تفسر الحذر في الانتقال من النص السياسي إلى الفعل العسكري المباشر.
لماذا لا يعمل بند الدفاع المشترك تلقائيا؟
هناك عدة أسباب تفسر هذا التريث:
- أولا: الاتفاق جديد جدا، إذ لم يمض على توقيعه سوى أسابيع قليلة، وما زال في طور استكمال البنية المؤسسية، بما في ذلك الأمانة العامة وآليات التنسيق.
- ثانيا: غياب إعلان رسمي مشترك من الدول الثلاث بأن الشروط القانونية والسياسية لتفعيل الرد العسكري قد اكتملت. حتى الآن، لا توجد بيانات معلنة تفيد ببدء عملية عسكرية جماعية تحت مظلة الاتفاق.
- ثالثا: أولوية الاحتواء والتصعيد المحسوب. الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية شدد أيضا على دعم جهود خفض التصعيد وضبط النفس وتشجيع الحلول السلمية للأزمات، ما يوحي بأن الاتفاق ليس محكوما بخيار عسكري حصري.
- رابعا: التعقيد الإقليمي. أي تدخل مباشر ضد الحوثيين لا ينفصل عن توازنات أوسع تشمل البحر الأحمر واليمن وإيران وأمن الطاقة، وهي ملفات تجعل قرار الحرب أبعد من مجرد نص تعاهدي. وهذا استنتاج تحليلي مدعوم بسياق التصعيد والهجمات على منشآت الطاقة السعودية وخطوط الملاحة.
هل الاتفاقية تشبه حلفا عسكريا كاملا؟
حتى الآن، لا تبدو اتفاقية مكة نسخة مطابقة لأحلاف عسكرية ذات هياكل متكاملة وسلاسل قيادة عملياتية دائمة. فالمعلومات المتاحة علنا تشير إلى إطار دفاعي ثلاثي يتطور تدريجيا، مع تركيز على الردع والتنسيق والصناعة الدفاعية والعمل المؤسسي. كما أن وجود مقر للأمانة في السعودية ومرحلة تأسيسية يقودها أمين عام من باكستان يؤكد أن الاتفاق لا يزال يبني أدواته التنفيذية.
ومن المهم هنا التمييز بين هذه الاتفاقية وبين أطر إسلامية أوسع مثل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي يتخذ من الرياض مقرا له ويضم عشرات الدول الأعضاء، لكنه يركز أساسا على مكافحة الإرهاب وبناء القدرات والتنسيق، لا على إطلاق تدخلات دفاع جماعي تلقائية عند كل أزمة بين دولتين أو أكثر.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، تكشف هذه الأزمة أن عناوين الدفاع المشترك في المنطقة لا تعني دائما استجابة عسكرية فورية. ففي الشرق الأوسط، يبقى القرار العسكري رهنا بمزيج من الحسابات القانونية والسياسية وموازين الردع والمخاوف من توسيع الحرب. لذلك، فإن غياب التدخل التركي أو الباكستاني حتى الآن لا يعني سقوط اتفاقية مكة، بقدر ما يعني أن الاتفاق ما زال يُختبر لأول مرة تحت ضغط ميداني حقيقي.
الخلاصة أن اتفاقية مكة لم تُفعَّل عسكريا بصورة فورية لأن الأطراف الثلاثة، وفقا لما هو معلن، لم تنتقل بعد من الالتزام السياسي العام إلى قرار عملياتي مشترك. باكستان أعلنت صراحة عدم وجود نقاش حالي حول رد عسكري، وتركيا تحدثت عن الاستعداد للمساعدة إذا اقتضت الحاجة، بينما تمضي السعودية وشريكاها في استكمال مأسسة الاتفاق. وبين النصوص والوقائع، يبدو أن الاتفاق حتى اللحظة هو أداة ردع وتنسيق أكثر منه زرًّا سحريا للحرب.