لماذا يتصدر بيرني ساندرز الجدل العربي حول غزة؟
بيرني ساندرز يعود إلى واجهة النقاش العربي
عاد اسم السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز (@berniesanders على إنستغرام) إلى الواجهة في النقاشات العربية خلال الأيام الأخيرة، مع تجدد التركيز على مواقفه المنتقدة للحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وعلى دعواته المتكررة داخل السياسة الأمريكية إلى تقييد أو وقف الدعم العسكري الموجه إلى إسرائيل. وجاء ذلك بالتوازي مع تصاعد الجدل في الولايات المتحدة بشأن حجم الإنفاق السياسي المرتبط بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة المعروفة اختصارًا باسم أيباك.
المقال الأصلي الذي أثار هذا التفاعل قدم ساندرز باعتباره صوتًا أمريكيًا بارزًا يهاجم سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ويرى أن الاحتفاء بمثل هذه المواقف عربيًا أمر مستحق. وبعد التحقق من الوقائع المتاحة من مصادر أمريكية رئيسية ورسمية، يتضح أن جوهر هذه الفكرة يستند إلى مواقف معلنة وثابتة للسيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، الذي واصل خلال 2025 و2026 انتقاد الحرب على غزة، كما دعا إلى كبح نفوذ المال السياسي في الانتخابات الأمريكية، بما في ذلك الأموال المنفقة عبر لجان العمل السياسي الكبرى.
ما الذي قاله ساندرز فعليًا؟
بحسب الموقع الرسمي للسيناتور، واصل ساندرز خلال عام 2026 الدفع باتجاه تقليص نفوذ لجان الـSuper PACs في الانتخابات الأمريكية، وشارك في طرح مشروع قانون لإلغائها، مع الإشارة صراحة إلى أن لجانًا مدعومة من قطاعات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة ودوائر متحالفة مع أيباك مرشحة لإنفاق مئات الملايين في دورة انتخابات 2026. كما سبق له أن هاجم علنًا استخدام الأموال السياسية لمعاقبة المرشحين الذين ينتقدون سياسات حكومة نتنياهو أو الحرب على غزة.
وفي خطاب سابق نشره مكتبه الرسمي بشأن التصويت على وقف صفقة أسلحة لإسرائيل، قال ساندرز بوضوح إن أيباك تعاقب من يعارض سياسات نتنياهو عبر إنفاق ملايين الدولارات في الحملات الانتخابية. كما أشار إلى أن لجانًا مرتبطة بأيباك أنفقت قرابة 127 مليون دولار خلال دورة 2023-2024 الانتخابية، في دلالة على اتساع نفوذ هذا اللوبي داخل المشهد السياسي الأمريكي.
أرقام الإنفاق السياسي ولماذا تثير الجدل
الجدل لم يأتِ من فراغ. تقارير صحفية أمريكية حديثة أكدت أن الإنفاق الخارجي في انتخابات الكونغرس لعام 2026 بلغ مستويات قياسية مبكرًا، وأن اللجان المرتبطة بأيباك أصبحت من أكبر اللاعبين في هذا المجال. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن أيباك والجماعات المرتبطة بها أنفقت ما يقرب من 30 مليون دولار لدعم المرشحة هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، في مواجهة الدكتور عبد الرحمن السيد (@abdulelsayed على إنستغرام)، وهو سياسي أمريكي من أصول مصرية برز اسمه في السباق نفسه.
كما أوردت تقارير أخرى أن لجنة أيباك الخارقة كانت بين أكبر الجهات إنفاقًا في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، في وقت أصبح فيه المال السياسي أحد أهم عوامل الاستقطاب داخل الحزب الديمقراطي نفسه، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإسرائيل وغزة. هذا السياق يفسر لماذا يحظى حديث ساندرز عن نفوذ أيباك باهتمام واسع، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل أيضًا في المنطقة العربية، حيث يُنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا دائمًا للسياسات الغربية.
غزة في قلب الموقف
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو مواقف ساندرز مجرد سجال أمريكي داخلي. فالحرب على غزة، وتداعياتها الإنسانية والسياسية، تمس مصر مباشرة بحكم الجغرافيا ودور القاهرة في ملف التهدئة والمساعدات ومعبر رفح. ومن هنا يكتسب أي صوت أمريكي مؤثر ينتقد الحكومة الإسرائيلية أو يطالب بإعادة النظر في تدفق السلاح إليها أهمية خاصة في المتابعة العربية.
ساندرز لم يكتفِ بانتقاد نتنياهو سياسيًا، بل ربط بين الدعم العسكري الأمريكي وبين استمرار العمليات الإسرائيلية. هذا الربط تحديدًا هو ما جعله مختلفًا عن كثير من الساسة الأمريكيين الذين قد يبدون تحفظات على أداء الحكومة الإسرائيلية، لكنهم لا يذهبون بعيدًا في ملف السلاح أو التمويل. وفي واشنطن، تمثل هذه النقطة خطًا حساسًا لأن المساعدات العسكرية لإسرائيل تحظى تقليديًا بدعم واسع من الحزبين.
لماذا يبرز اسم عبد الرحمن السيد في هذا النقاش؟
اسم عبد الرحمن السيد ظهر بقوة لأن سباق ميشيغان أصبح مثالًا حيًا على الصدام بين التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي وبين جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. السيد، وهو طبيب ومسؤول صحة عامة سابق أمريكي من أصول مصرية، خاض حملته متبنيًا خطابًا تقدميًا في السياسة الداخلية والخارجية، وكان موقفه من غزة ضمن الملفات التي جذبت الانتباه إليه وإلى خصومه. التغطيات الأمريكية أشارت إلى أن حجم الأموال المتدفقة في السباق كان غير مسبوق، ما حوله إلى معركة رمزية تتجاوز حدود الولاية نفسها.
وبالنسبة إلى المتابعين في مصر، فإن وجود اسم ذي جذور مصرية في قلب هذا السجال يمنح القضية بعدًا إضافيًا، لأنه يكشف كيف باتت ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها فلسطين، عاملًا مؤثرًا حتى في الانتخابات المحلية الأمريكية. كما يعكس حضورًا متزايدًا لسياسيين من أصول عربية ومسلمة داخل نقاشات كانت حتى سنوات قريبة شبه مغلقة أمام هذا الصوت.
ما الذي يعنيه هذا عربيًا؟
القول إن الاحتفاء بمواقف ساندرز أمر مفهوم عربيًا لا يعني بالضرورة تبني رؤية رومانسية للسياسة الأمريكية. فالمؤسسات الأمريكية أكثر تعقيدًا من أن يغيرها صوت واحد، حتى لو كان بارزًا ومؤثرًا. لكن أهمية ساندرز تكمن في أنه يطرح، من داخل المؤسسة نفسها، أسئلة صعبة عن حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، وعن دور المال السياسي في إسكات الأصوات المعارضة، وعن الكلفة الإنسانية للحرب على الفلسطينيين.
هذه الأسئلة تجد صدى واسعًا في مصر، حيث يتابع الرأي العام تطورات غزة بوصفها مسألة أمن قومي وإنسانية وسياسية في آن واحد. كما أن القاهرة، بحكم موقعها ودورها الإقليمي، تنظر إلى أي تحولات في الخطاب الأمريكي تجاه الحرب باعتبارها عنصرًا قد يؤثر على مسارات التهدئة وإدخال المساعدات وإعادة الإعمار لاحقًا.
خلاصة المشهد
المؤكد أن بيرني ساندرز ليس أول سياسي أمريكي ينتقد حكومة إسرائيل، لكنه من أكثرهم وضوحًا واستمرارية في الربط بين سياسات نتنياهو والدعم العسكري الأمريكي ونفوذ جماعات الضغط. والمؤكد أيضًا أن انتخابات 2026 في الولايات المتحدة كشفت مرة جديدة مدى الثقل الذي تمارسه الأموال السياسية في رسم حدود النقاش العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وغزة.
ومن زاوية عربية ومصرية تحديدًا، فإن متابعة هذه المواقف ليست ترفًا سياسيًا، بل جزء من فهم أوسع لكيفية صناعة القرار في واشنطن، ولمن يملك التأثير على الحرب والسلام في المنطقة. وفي هذا الإطار، يظل ساندرز صوتًا استثنائيًا داخل المشهد الأمريكي، حتى لو كان تأثيره العملي ما يزال محكومًا بتوازنات معقدة داخل الكونغرس والحزبين الكبيرين.