لميس الحديدي تحذر من مخاطر جبهة المخا على باب المندب
تصعيد المخا يعيد باب المندب إلى قلب المشهد الإقليمي
أعادت تصريحات الإعلامية المصرية لميس الحديدي الجدل حول خطورة التطورات العسكرية على الساحل الغربي لليمن، بعدما نبّهت إلى أن أي سيطرة حوثية على مواقع استراتيجية متصلة بالمخا يمكن أن تتحول سريعًا إلى تهديد مباشر للملاحة في مضيق باب المندب. هذا التحذير يكتسب ثقله من حقيقة أن باب المندب ليس مجرد معبر بحري محلي، بل نقطة اختناق استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على حركة التجارة الدولية، وعلى مصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر.
وتأتي هذه القراءة في وقت تتحدث فيه تقارير إقليمية حديثة عن تصاعد القتال في جبهات غربي تعز والساحل الغربي، مع تركيز واضح على المناطق القريبة من المخا وباب المندب، وسط مخاوف من اقتراب الحوثيين من مواقع تمنحهم قدرة أكبر على الضغط على خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر. كما أشارت تقارير متابعة إلى أن القوات الحكومية اليمنية تنظر إلى المعركة هناك بوصفها معركة حماية للساحل وللممر البحري الحيوي، وليس فقط مواجهة ميدانية داخلية.
لماذا تمثل المخا نقطة حساسة؟
تقع المخا على الساحل الغربي لليمن، شمال باب المندب، وتاريخيًا ارتبط اسمها بالميناء والتجارة البحرية. لكن أهميتها اليوم تتجاوز بعدها المحلي؛ فالموقع يمنح من يقترب منه أفضلية في مراقبة الشريط الساحلي والتحكم النسبي في مسارات قريبة من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم العربي. ولهذا، فإن أي تغير في ميزان السيطرة على الأرض هناك يُقرأ فورًا من زاوية الأمن البحري الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، تبدو ملاحظة لميس الحديدي منطقية سياسيًا وإستراتيجيًا: فالمسألة لا تتعلق بمدينة يمنية فقط، وإنما بامتداد النفوذ على ضفة ملاصقة لممر تمر منه نسبة مؤثرة من التجارة المنقولة بحرًا بين آسيا وأوروبا. ومع استمرار هجمات الحوثيين في نطاق البحر الأحمر خلال الشهور الماضية، بات الربط بين التطورات البرية في الساحل الغربي وبين أمن الملاحة أمرًا حاضرًا بقوة في تقديرات العواصم العربية وشركات الشحن الدولية.
باب المندب وقناة السويس: لماذا يهم هذا الملف مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن أي حديث عن باب المندب يرتبط تلقائيًا بـقناة السويس. فسلامة الملاحة في جنوب البحر الأحمر شرط أساسي لاستمرار التدفق الطبيعي للسفن إلى القناة. وقد أكدت الرئاسة المصرية في أكثر من مناسبة خلال عامي 2025 و2026 أن اضطرابات البحر الأحمر ألقت بظلالها على الحركة الملاحية والإيرادات، مع متابعة مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي لهذا الملف مع الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس.
وفي 26 ديسمبر 2024، أعلنت الرئاسة المصرية أن إيرادات قناة السويس خلال عام 2024 تراجعت بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023، وأن مصر خسرت ما يقرب من 7 مليارات دولار نتيجة الأحداث الجارية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب. ثم أوضحت الرئاسة في 18 يناير 2026 أن النصف الثاني من 2025 شهد عودة تدريجية لبعض سفن الحاويات العملاقة، مع توقعات بتحسن أكبر خلال النصف الثاني من 2026 إذا استمرت مؤشرات الاستقرار.
هذه الأرقام تفسر الحساسية المصرية العالية تجاه أي تصعيد قرب المخا أو باب المندب. فالأمر لا يخص فقط الأمن القومي العربي أو استقرار اليمن، بل يمتد أيضًا إلى الاقتصاد المصري، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل البحري، ورسوم التأمين التي تتحملها السفن العابرة للمنطقة.
ماذا تقول المؤسسات المصرية عن وضع الملاحة؟
الخطاب الرسمي المصري خلال الشهور الأخيرة ركز على نقطتين متوازيتين: الأولى أن قناة السويس ظلت تعمل بكامل الجاهزية رغم الاضطرابات، والثانية أن استعادة الهدوء في البحر الأحمر شرط أساسي لعودة الخطوط الملاحية الكبرى إلى جداولها الطبيعية. وقد ذكرت الرئاسة المصرية في مارس 2026 استمرار القناة في تقديم خدماتها على مدار الساعة، مع رفع درجة الاستعداد في المواقع المرتبطة بحركة الملاحة. كما تحدثت في يونيو 2026 عن متابعة معدلات الملاحة خلال العام المالي 2025/2026 ضمن خطة أوسع لتعزيز القدرات البحرية والخدمية.
وفي السياق نفسه، نقلت الهيئة العامة للاستعلامات عن الفريق أسامة ربيع أن هناك مؤشرات تحسن نسبي شهدتها حركة الملاحة على صعيد أعداد السفن وحمولاتها خلال الأشهر الماضية، مع تأكيد استمرار التواصل مع الخطوط والتوكيلات الملاحية العالمية بشأن تطورات الوضع في البحر الأحمر وباب المندب.
هل يعزز التصعيد النفوذ الإيراني؟
الشق الثاني في تحذير لميس الحديدي يتعلق بكون هذه التطورات تصب في صالح تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا التوصيف حاضر بقوة في الأدبيات السياسية العربية عند تناول علاقة طهران بجماعة الحوثي، خصوصًا حين يرتبط الأمر بالممرات البحرية وأوراق الضغط الإقليمية. وفي القراءة السياسية الأوسع، فإن توسيع مساحة التأثير قرب باب المندب يمنح طهران، بصورة غير مباشرة أو عبر حلفائها، هامشًا أكبر للتأثير في أمن البحر الأحمر، وهو ما يرفع من قيمة هذا المسرح في معادلات التفاوض والردع الإقليمي.
ومع ذلك، يبقى الأهم عمليًا هو النتيجة على الأرض: كلما اقتربت بؤر الصراع من المناطق المشرفة على خطوط الملاحة، ازدادت المخاطر على السفن التجارية، وارتفعت كلفة التأمين، وتباطأت عودة الحركة إلى مستوياتها الطبيعية. ومن هنا يصبح التحذير الإعلامي انعكاسًا لقلق جيوسياسي واقتصادي حقيقي، وليس مجرد تعليق عابر على تطور ميداني.
انعكاسات مباشرة على المنطقة العربية
التداعيات لا تتوقف عند اليمن أو مصر فقط. فدول الخليج والقرن الأفريقي والدول المطلة على البحر الأحمر جميعها تتأثر بأي اهتزاز في باب المندب. كما أن الأسواق العربية تتابع الملف من زاوية أسعار الشحن وسلاسل التوريد، خاصة للسلع القادمة من آسيا. وفي الحالة المصرية تحديدًا، فإن استقرار جنوب البحر الأحمر يعني دعمًا مباشرًا لحركة العبور في قناة السويس، بما لها من وزن مالي واستراتيجي كبير في الاقتصاد الوطني.
- أمنيًا: ازدياد الضغط على الممرات البحرية الحساسة.
- اقتصاديًا: ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإطالة زمن الرحلات.
- سياسيًا: اتساع مساحة التجاذب الإقليمي حول اليمن والبحر الأحمر.
- مصريًا: استمرار تأثر تعافي قناة السويس بسرعة استعادة الاستقرار في باب المندب.
خلاصة المشهد
تحذير لميس الحديدي يلتقط جوهر المسألة: المخا ليست تفصيلًا يمنيًا بعيدًا، بل عقدة متقدمة في معادلة أمن البحر الأحمر. وإذا كانت المعارك على الساحل الغربي تتحرك باتجاه يمنح الحوثيين موطئ قدم أقوى قرب باب المندب، فإن التداعيات ستتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم كله، من أمن الملاحة إلى التجارة والطاقة وقناة السويس. لهذا، ينظر المصريون إلى ما يجري هناك باعتباره ملفًا عربيًا مباشر الصلة بمصالحهم، لا مجرد خبر خارجي في جغرافيا بعيدة.