ليبيا تنفي انطلاق هجمات ضد سفن روسية من قاعدة مصراتة
ليبيا ترد على مزاعم استهداف سفن روسية من أراضيها
عادت مدينة مصراتة إلى واجهة الجدل الإقليمي بعد تقارير دولية تحدثت عن استخدام مواقع عسكرية في غرب ليبيا، وعلى رأسها قاعدة مصراتة، في عمليات استهدفت سفناً روسية مرتبطة بما يُعرف بـ«أسطول الظل» الروسي في البحر المتوسط. غير أن السلطات المرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية سارعت إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أن السيادة الليبية لا تسمح بتحويل الأراضي أو القواعد العسكرية إلى منصة لصراعات خارجية، في وقت تتعامل فيه الدولة الليبية مع تداعيات حادث بحري حساس قبالة سواحلها الغربية.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة للمتابع المصري، لأن أي تطور أمني في غرب ليبيا ينعكس مباشرة على بيئة الأمن الإقليمي في شمال أفريقيا وشرق المتوسط، سواء على مستوى الملاحة أو الطاقة أو التوازنات العسكرية في جوار مصر الغربي.
ما الذي أشعل الجدل؟
بداية الجدل تعود إلى حادث الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز»، وهي سفينة قالت وكالة أسوشيتد برس إنها تعرضت في أوائل مارس/آذار 2026 لهجوم يُشتبه في أنه نُفذ بمسيّرات بحرية قرب المياه المالطية، قبل أن تنجرف لاحقاً باتجاه الساحل الليبي. كما نسبت الوكالة إلى مسؤولين ليبيين، طلبا عدم كشف هويتيهما، مزاعم بأن عناصر أوكرانية عملت من غرب ليبيا، وأن جزءاً من نشاطها ارتبط بمرافق في مصراتة وطرابلس والزاوية. ومع ذلك، لم تقدم هذه الرواية أدلة علنية حاسمة، ولم يصدر في حينه تأكيد رسمي من طرابلس يثبت استخدامها كقاعدة انطلاق لتلك العمليات.
في المقابل، أظهرت البيانات الرسمية الليبية الصادرة خلال أزمة الناقلة تركيزاً واضحاً على جانب الإنقاذ البحري ومنع التلوث وحماية الساحل، لا على أي دور هجومي انطلق من الداخل الليبي. وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية أعلنت في 24 مارس/آذار 2026 أنها تتابع وضع الناقلة التي اقتربت من سواحل زوارة، وأن مركز تنسيق البحث والإنقاذ التابع لحرس السواحل يشرف على خطة تأمينها وسحبها إلى موقع مناسب.
موقف ليبي رافض للمزاعم
أوضح مؤشر رسمي مهم على هذا الرفض ما صدر عن لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي في 23 مارس/آذار 2026، إذ عبّرت اللجنة عن رفضها القاطع للمزاعم التي تحدثت عن انطلاق المسيّرات التي استهدفت الناقلة من الأراضي الليبية، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف لتحديد المصدر الحقيقي للهجوم. كما شددت على أن أي عمل عسكري أو أمني داخل المياه أو المجال الليبي من دون موافقة السلطات المختصة يمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية.
ورغم أن لجنة الدفاع تتبع مجلس النواب في شرق البلاد، فإن مضمون موقفها يتقاطع مع الرسالة الأوسع التي حرصت مؤسسات الدولة الليبية على إبرازها خلال الأزمة: ليبيا لا تريد أن تكون ساحة تصفية حسابات بين روسيا وأوكرانيا أو بين أي أطراف دولية أخرى. وهذا المعنى يتسق أيضاً مع بيانات حكومة الوحدة الوطنية في ملفات إقليمية مختلفة، حيث تكرر الحديث عن احترام السيادة ورفض تعريض المنشآت الحيوية والأراضي الليبية لأي اختراقات.
الناقلة الروسية في قلب القصة
الاسم الأبرز في هذه القضية ليس شخصية سياسية، بل الناقلة «أركتيك ميتاغاز» نفسها، التي تحولت إلى عنوان لأزمة أمنية وبيئية في المتوسط. وبحسب وكالة الأنباء الليبية، تعرضت الناقلة الروسية لأضرار جسيمة في البحر المتوسط خلال مارس/آذار 2026، ثم انجرفت لاحقاً قرب السواحل الليبية، ما استدعى تحذيرات ملاحية وتحركات فنية عاجلة. وفي 24 و25 و26 مارس/آذار، تحدثت الجهات الليبية المختصة عن جهود رسمية لتأمين السفينة وجرّها وإبعادها عن الشريط الساحلي والمنشآت الحساسة.
كما أفادت أسوشيتد برس بأن الناقلة كانت تحمل نحو 61 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال، وأن جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم 30 بحاراً تم إنقاذهم. وذكرت الوكالة أيضاً أن السفينة تُصنف ضمن ما يسمى «أسطول الظل» الذي تستخدمه موسكو في نقل شحنات الطاقة بعيداً عن القيود الغربية المفروضة بسبب الحرب في أوكرانيا.
لماذا تهم مصراتة في هذا الملف؟
مصراتة ليست مجرد مدينة ساحلية في غرب ليبيا؛ فهي عقدة لوجستية وعسكرية وتجارية مؤثرة، وتضم ميناءً مهماً ومطاراً ومنشآت حيوية تمنحها ثقلاً في التوازن الداخلي الليبي. لذلك فإن الزج باسم قاعدة مصراتة في تقارير تتعلق بعمليات ضد سفن روسية يرفع حساسية الملف سياسياً ودبلوماسياً، خصوصاً إذا ارتبط الأمر باحتمال وجود ترتيبات عسكرية غير معلنة على الأراضي الليبية.
لكن حتى الآن، لا تظهر البيانات الرسمية الليبية المتاحة ما يثبت استخدام القاعدة في هجوم من هذا النوع. الثابت رسمياً هو أن مؤسسات ليبية مدنية وعسكرية تحركت للتعامل مع سفينة متضررة اقتربت من مياهها، وأن الجدل بشأن انطلاق الهجوم من ليبيا ظل في نطاق الاتهامات الإعلامية والتسريبات غير المؤكدة علناً.
أبعاد إقليمية تتجاوز ليبيا
القضية لا تقف عند حدود ليبيا وروسيا وأوكرانيا. فالمتوسط اليوم مساحة مزدحمة بمسارات الطاقة والتجارة والهجرة والانتشار العسكري، وأي حادث يطاول ناقلة روسية قرب ليبيا أو مالطا يثير قلقاً يتجاوز البلدين. بالنسبة لمصر، يظل استقرار الساحل الليبي الغربي وطرق الملاحة في المتوسط مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي وبسلامة خطوط الإمداد الإقليمية.
وتزيد هذه الحساسية مع الحديث المتكرر عن «أسطول الظل» الروسي، وهو توصيف بات يُستخدم في تقارير غربية للإشارة إلى شبكة من السفن التي تنقل النفط أو الغاز الروسيين في ظروف تشغيل وتمويل وتأمين معقدة. وفي حال تحول البحر المتوسط إلى ساحة أوسع لهذا النوع من الاستهدافات، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام توترات بحرية أكبر، من ليبيا حتى جنوب أوروبا.
أبرز الحقائق المؤكدة حتى الآن
- الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز» تعرضت لأضرار في مارس/آذار 2026 ثم انجرفت قرب السواحل الليبية.
- وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية أعلنت متابعة الملف عبر حرس السواحل ومركز البحث والإنقاذ.
- لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب رفضت مزاعم انطلاق المسيّرات من الأراضي الليبية وطالبت بتحقيق شفاف.
- التقارير التي ربطت مصراتة بالهجوم استندت إلى مصادر غير معلنة، من دون إبراز أدلة رسمية قاطعة للرأي العام.
- الأزمة حملت أيضاً بعداً بيئياً بسبب خطر اقتراب السفينة المتضررة من الساحل والمنشآت النفطية غرب ليبيا.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يتمثل الموقف الليبي المعلن في نفي استخدام قاعدة مصراتة أو غيرها من قواعد غرب البلاد كنقطة انطلاق لاستهداف سفن روسية، مع التشديد على أولوية حماية السيادة الوطنية والساحل الليبي من تداعيات الحادث. وبينما لا تزال بعض الروايات الخارجية تربط غرب ليبيا بعمليات ضد «أسطول الظل» الروسي، فإن ما أمكن التحقق منه من المصادر الرسمية يثبت أساساً وجود أزمة ناقلة متضررة، وجهود إنقاذ وتأمين، ورفض ليبي لتحويل البلاد إلى ساحة مواجهة بالوكالة.
وبالنسبة للقارئ في مصر، فإن متابعة هذا الملف لا تقتصر على تفاصيل حادثة بحرية معزولة، بل ترتبط بمسار أوسع عنوانه: كيف يمكن أن تؤثر الصراعات الدولية المتداخلة في ليبيا على أمن المتوسط واستقرار الجوار العربي خلال الفترة المقبلة.